في الآن ذاته الذي كان فيه المغيب يلملم شتات ألوانه،  ليوم الواحد من يونيو (حزيران) 2018، كانت مآذن مساجد غزة، تستعد لإعلان انتهاء نهار يوم 16 رمضان، حين أصابت نيران قوات الاحتلال الإسرائيلي، قدم شاب فلسطيني شرق محافظة خانيونس، خلال مشاركته في جمعة مسيرات العودة الكبرى العاشرة «من غزة إلى حيفا» كما أطلق عليها المنظمون، فيما كانت المسعفة رزان النجار، تقف حينها على بعد متر من السياج الفاصل تترقب بعيون يقظة كعادتها منذ 60 يومًا لتطوعها ضمن الطاقم الطبي على الحدود، وهي تبدل قفازاتها البيضاء التي امتلأت دمًا، حتى تفطنت حواسها إلى سقوط أحد المشاركين مصابًا أو شهيدًا؛ فتهرول إليه لانتشاله.

لما انفجر صوت المصاب، والتوت قدمه إلى جانبه، زفرت رزان التي ترتدي رداءها الطبي أنفاسها،  ورفعت يديها البيضاء إلى الجنود المتمترسين خلف كثبان الرمل، محاذاة السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وجعلت تتقدم بخطوات بطيئة تارة وتلوح بيديها وتعجل مشيتها تارة أخرى، لضمان عدم إطلاق النار عليها.

رزان

لحظة تلويح رزان بيديها للجنود

 

كانت رزان تتقدم الفريق المسعف المكون من أربعة أشخاص، يفصلها الآن بضعة أذرع عن المصاب الذي يتقطر دمه رويدًا رويدًا على الأرض، في هذه المسافة، صرخت رزان «يلا يا شباب.. رح يموت المصاب» وهمت تهرول، مشجعة الفريق الذي تقوده، تسارعت أنفاسها، وهي تحجل بين الأشواك، تشق ضباب الغاز السام الذي يغطي المنطقة، دون تريث.

وفي هذه اللحظة، كانت أصابع الجندي الإسرائيلي، تضيق بهدوء على زناد القناصة، وهو يعدل مهدافه نحو صاحبة الرداء الأبيض، ولما اقتربت المسعفة رزان بخطوات من الجريح، انفصل دخان رصاصة عن البندقية، اخترقت أعلى صدر رزان وخرجت من ظهرها، صاح الفريق: «رزان» حتى أخمد مطر قنابل الغاز الذي أعقب رصاص القناصة أصواتهم.

تقدم الشبان المتظاهرون مرة واحدة نحو «ملاك الميدان» – كما لقبها المشاركون – الذي يلفظ آخر أنفاسه لإنقاذها، وكانت الفرق الطبية في المنطقة تخترقهم نحوها، ومرة ثانية، سيل من قنابل الغاز أطلقت جدائلها في السماء وزحفت نحو المسعفين والمشاركين الذين هبوا لإنقاذ رزان والجريح الذي افتدته بروحها وفريقها الذي سقط في حالة إغماء من كثافة الغاز.

https://www.facebook.com/ajmubasher/videos/2210880532258002/?hc_ref=ARS27VMUi221RpRwpvhy0_Jtzhf18iwCn3y0h7p2Y6a2w0I18PruRaSFoyRMsGIVSAU

«طعام الإفطار أحرقته النار»

لما وضِعت رزان بصدرها المفتت وردائها الممزق، على الشيالة التي انكب عليها الطاقم الطبي في محاولة إنقاذها، كانت عائلتها التي اعتادت الإفطار طوال شهر رمضان دون ابنتهم التي لا تغادر الميدان إلا في ساعة متأخرة من الليل، تجهز الإفطار، حتى وصل خبر إصابة رزان، فانطلقت العائلة إلى المشفى، وطعام الإفطار ظل يغلي على النار.

حين وصلت العائلة إلى باب المشفى، كانت المشاهد وحدها كفيلة بإخبارها الحقيقة، زملاء على جانبي الممرات يبكون بحناجر مجروحة، على وقع آذان المغرب الذي تصدح به المساجد القريبة، يواسي بعضهم الأخر، ومنهم من ألقى نفسه في زاوية منفردة بعيدة، يأكل حزنه لوحده، وفي غضون هذا الأسى الذي تضج بها الممرات، سألت على غير هدى الوالدة صبرين النجار 42 عام «رزان بنتي.. وينها؟ وينك يما»،  اصطخبت عيون الوالدة حزنًا، وضاق صدرها، لما التف حولها زملاء رزان يواسوها، ردت دون إدراك: «لا لا.. يا عالم بنتي وينها».

https://www.facebook.com/QudsN/videos/2049288715148019/

دخلت العائلة غرفة العمليات، حيث جثة الشهيدة الصائمة، مسجاة على السرير، يحاذيها بطاقة رداءها الملطخ بالدم، فهوى والداها على جسدها، تضرب أيديهم أجسادهم في لوعة، «رزان» تصيح الوالدة وتقطع حشرجتها باقي الكلام، والدها يمسح بيده الدم المتكتل على جرح ابنته، ويغطي به وجهه، الفعل ذاته كررته الوالدة، وأنزلت رأسه نحو صدر ابنتها، ثم رفعته وهمست في أذنها: «كنتِ دايمًا تقولي ما تخافي علي يما، انا بكون بأمان، هذا هو الأمان يا رزان.. هذا هو».

لما نقلت جثة الشهيدة إلى ثلاجات الموتى، حملت والدتها، معطف الدم والبطاقة التعريفية الطبية لابنتها، ارتكزت قليلًا إلى باب أحد الممرات، فأسندها مجموعة من زملاء ابنتها، مع عبارات مواسية، في أثناء ذلك امتدت زجاجة ماء إلى فم الوالدة، أدارت وجهها في الناحية الأخرى منها، ورفضت أن تكسر صيامها بعد «أن أفطرت على دم وردتي رزان» كما قالت.

«الرصاصة التي فرقت بين ملاكي الرحمة»

في الساحة الخارجية للمستشفى، فشلت كل عبارات المواساة في  تهدئة صرخات خطيب رزان عزت شتات – 24 عامًا – الذي يعيش حالة من الجنون، بفقدان خطيبته رزان، يحاول الجميع إسناده، فيتلوى على الأرض من بين أيديهم، وهو يصيح: «يا الله يا رزان.. ليش ما رجعتي، ليش، حكيتلك، ارجعي، يا الله».

كان الاثنان اللذان تعرفا على بعضهما خلال مشاركتهما على مدار شهرين في التغطية الطبية لمسيرات العودة على موعد مع الزفاف، بعد انتهاء شهر رمضان، حتى أفشلت القناصة الإسرائيلية كل الخطط التي وضعها الاثنان.

رزان

رزان مع عزت شتات

يقول شتات: «كانت تحكيلي، ما حد يسعفني غيرك، يا عزت، وما قدرت أسعفك يا رزان.. ما قدرت، سامحيني»، تكمل والدتها: « كانت متشوقة لليوم الذي ترتدي فيه بدلة الزفاف، لكنها لبست الكفن بدلًا عنه، الكفن يا عالم بدل بدلة الزفاف».

«بدلة العيد التي لن تأتي»

في المنزل، كانت الوالدة تحتضن الرداء الذي دفعت ابنتها الدم مقابله، وفي خضم الحزن الذي يعتصر دخيلتها على مصابها في رزان، كانت الوالدة تصارع مأساتها؛ لتبدو هيأتها هادئه أمام كاميرات الصحافيين التي تحيطها من كل جانب: «اشترت لكل إخوتها من  فلوس المواصلات الي بتاخدها فقط لقاء مخاطرتها بروحها، أواعي العيد، إلا أختها الصغيرة، حكتلها السبت راح أجيبلك، هي السبت رح يجي والعيد كمان وانتي مش معنا يا رزان، فش عيد عنا بدءًا من اليوم».

والدة الشهيدة المسعفة رزان النجار

شاهد | ماذا قالت والدة الشهيدة رزان النجار عن ابنتها المسعفة

Geplaatst door ‎شبكة قدس الإخبارية‎ op Zaterdag 2 juni 2018

ترفع الوالدة الرداء المصبوغ بالدم وتقول: «هي سلاح بنتي إلى كانت تحارب فيه»، ثم تشير إلى بطاقتها الطبية وتضيف: «هي بطاقتها إلى بتبين إنها إرهابية أمام  قناصة الاحتلال القاتل»، وتخرج من جيب الرداء قطع القماش المستخدمة في تضميد الجروح، وتستدرك: «هي ذخائر ابنتي، التي قتلها الاحتلال لأجلها».

شيعت بالورود وسيارات الإسعاف

من باب منزل العائلة البسيط، خرج جثمان الشهيدة يلفه علم فلسطين الذي قدمت فداءه الدم، إذ كانت تقول عن مشاركتها على خط النار: «هذا واجبي الوطني، ورح أظل مستمرة، مهما حصل، هذه أرضنا، وأنا بدأت المشوار ولازم أنهيه»، وغطت جسدها الورود «لأنها وردة، نناديها يا وردتنا، لأنها كانت تحب الزهور»، كما تقول والدتها.

تتقدم مسيرة التشييع سيارات الإسعاف والعمل الإنساني، التي تحولت إلى هدف واضحًا منذ بدء المسيرات في 30 من شهر مارس (آذار) الماضي، التي راح ضحيتها 123 فلسطينيًا على الأقل، وأصيب أكثر من 12 ألف آخرين، برصاص جيش الاحتلال، إذ حتى أصحاب الرداء الأبيض باتوا هدفًا مشروعًا لجنود الاحتلال.

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية قد أدانت قتل المسعفة رزان، وقال وزير الصحة الفلسطيني: «إن قتل جيش الاحتلال للمسعفة النجار برصاص حي في الصدر بشكل متعمد يعد جريمة حرب، وإصرار لدى هذا الجيش على خرق كل المعاهدات الدولية والاتفاقيات التي تدعو إلى حماية المسعفين أوقات النزاعات».

جنازة رزان النجار

Geplaatst door Mohanad Mehrez Al Masaree op Zaterdag 2 juni 2018

وينص القانون الدولي الإنساني  في المادة 14 وحتى المادة 23، على أن استهداف المسعفين والأطباء جريمة حرب؛ إذ يجب توفير الأمن للجهات الطبية، وعدم استهدافها أو عرقلة مهامها.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!