تقول الصحافية ماري برينر، في تقرير كتبته لمجلة «Vanity Fair»، أنها كانت قد كُلفت في عام 1980 بكتابة مادة عن رجل الأعمال الشاب حينها دونالد ترامب؛ الذي كان شابًا طموحًا يحاول أن يبني اسمًا لنفسه بين رجال أعمال مدينة نيويورك، وقررت حينذاك الذهاب لمقابلة الرجل الذي كان سببًا في نشأة ترامب كما نعرفه، الرجل الذي منحه الغرور، هذا المحامي المخادع الذي اكتسب شهرة وعداوة في آنٍ واحد لمناهضة الشيوعية في الولايات المتحدة، روي كوهين.

كان دونالد ترامب يتصل بي من 15 إلى 20 مرة يوميًا ليسألني عن قانونية هذا الأمر أو ذاك. *روي كوهين لمارى بيرنر

بدأت علاقة ترامب بالمحامي ذائع الصيت منذ عام 1973، كان دونالد حينها شابًا في الثامنة والعشرين من عمره، وكان كوهين رجلًا معروفًا بسلوكه المكارثي، وفنون السياسة السوداء. «أغرِق عدوك باتهامات الخيانة والتآمر، دون الاهتمام بالأدلة»، كانت هذه هي أهم مبادئ المكارثية التي ابتدعها جوزيف مكارثي أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، ومعه بالطبع روي كوهين. وأراد ترامب حينها أن يستفيد من المحامي ذائع الصيت من أجل الدخول إلى دوائر السلطة المدنية في مدينة نيويورك؛ فما قصة هذا المحامي الذي قال دونالد ترامب يومًا لمساعديه: «أريده معي».

بزوغ نجم روي كوهين.. المكارثية في مواجهة الشيوعية

قبل عصر الصحافة الإلكترونية، نشرت «النيويورك تايمز» عام 1988 مقالًا بعنوان: «هواجس خطيرة»، تروي العلاقة التي جمعت ما بين عضو مجلس الشيوخ في خمسينات القرن الماضي، جوزيف مكارثي، وكبير مستشاريه، المحامي روي كوهين، كان كوهين في ذلك الحين مجرد شاب في العشرينات من عمره، يبدأ حياته المهنية؛ لكنه استطاع ومن خلال هذه القضية، قضية مكارثي، الاستحواذ على عناوين الأخبار في ذلك الوقت؛ لينال بعدها شهرةً واسعة، ويصبح مقربًا من كل نجوم المجتمع والدوائر السياسية بعد ذاك.

 

يقول كوهين: «عملتُ لدى مكارثي منذ يناير (كانون الثاني) عام 1953، وحتى خريف عام 1954»، عامان إلا أنهما قاما بتعبئة عمره؛ للدرجة التي قال فيها ذات يوم للصحافة:«أعلم أنني عندما أحتضر، سيتصدر عناوين الأخبار خبر موتي مصحوبًا بتحقيقات جوزيف مكارثي».

وكان لكوهين ما أراده؛ إذ وبعد وفاته تم دمج الخبر مع القضية الأولى التي عمل بها؛ إلا أن صورته كانت قد اختلفت عن هذا المحامي الشاب، ذي الوجه الطفولي، مناهض الشيوعية الذي استطاع أن يهيمن على الصفحات الأولى من الأخبار في الخمسينيات.

 

روي كوهين

(جوزيف مكارثي وروي كوهين – المصدر ويكيبيديا)

 

كانت القضية التي عمل بها كوهين في الخمسينيات عبارة عن تحقيق تم فتحه بواسطة عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، جوزيف مكارثي، يتهم فيه 205 عضوًا في الحكومة الأمريكية بالانضمام للشيوعية، والتآمر والخيانة لحساب الاتحاد السوفيتي. 36 يومًا من جلسات التحقيق التليفزيوني التي قادها مكارثي عام 1954، لاحتمالات التجسس داخل مختبرات الجيش الهندسية؛ ووصل به الأمر أن اتهم محامي الجيش، السيد جوزيف ويلش، أنه قد قام بتوظيف رجل كان ينتمي إلى جبهة شيوعية. كان روي كوهين حاضرًا في جلسات الاستماع التليفزيونية منذ بداية عام 1953 وحتى خريف العام التالي؛ وله كثير من الخطب الرنانة التي ألهبت مشاعر الجماهير. وكان المجتمع الأمريكي حينذاك يمر بحالة هيستيرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبدء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي؛ وقد استفاد كل من مكارثي وكوهين من حالة العداء لكل ما هو شيوعي في تحقيقاتهم، إلا أن الرأي العام الأمريكي قد انقلب ضد مكارثي وسياساته بعد ذلك.

اقرأ أيضًا: في 10 نقاط مقارنة بين “المكارثية” الأمريكية وما يحدث في مصر الآن

كان المصطلح السياسي، المكارثية، قد نشأ في خضم هذه التحقيقات، في إشارة لمناهضة التسلل الشيوعي داخل الحكومة الأمريكية؛ إلا أن كل الاتهامات التي روج لها جوزيف مكارثي قد اتضح فيما بعد أنها واهية وبلا أدلة، ومن هنا اكتسب المصطلح معناه الجديد، والذي يشير إلى اغتيال الخصوم السياسيين معنويًا؛ عن طريق إغراقهم باتهامات الخيانة والتآمر، حتى يتم القضاء عليهم سياسيًَا والتنكيل بهم.

قد يكون كوهين تمكن من ترك العمل السياسي، والاتجاه إلى العمل بالمحاماة بعد خريف 1954؛ إلا أنه لم يتخلّ عن السياسات المكارثية؛ كما سيتضح لنا، تقول عن ذلك صحيفة. «نيويورك تايمز»: «كان كوهين طفلًا موهوبًا بحق، وموهبته هذه لم تكن في علم السياسة قدر ما كانت في الطريقة التي مارسها بها، لقد ظل طوال حياته محاصرًا داخل نفسه، كونه «ساميًا». جوزيف مكارثي لم يعرف ما الذي أقحم نفسه فيه، بتعاونه مع كوهين».

محامي عائلات الجريمة المنظمة في مدينة الخوف

هناك وجه آخر للنجاح الذي حققه دونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي ليصبح مليارديرًا، وجه قبيح يتجاهله البعض عند التعرض للسيرة الذاتية للرئيس الحالي للولايات المتحدة، وهو وجه له علاقة بعائلات المافيا في مدينة نيويورك؛ ففي تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» بعنوان: «ترامب سبح في مياه استثمارات العصابات»، تمت الإشارة إلى أن السنوات الأولى في حياة الرئيس الحالي للولايات المتحدة، كانت مليئة بالغوغائية؛ إذ كان ترامب يحصل على الخرسانة اللازمة لبناء برجه، من شركة «S&A» والتي يملكها اثنان من زعماء عائلات الجريمة المنظمة في نيويورك وهما: توني ساليرنو وبول كاستيلانو، وكان روي كوهين أو محامي الشيطان كما يطلق عليه البعض، هو حلقة الوصل بينهما؛ إذ كانت تجمعه علاقة ودية مع زعيم مافيا آخر هو جون كودي، والذي عُرف بسيطرته على الشاحنات الناقلة للأسمنت في عالم البناء.

اقرأ أيضًا: لن تنتظر النسخة المترجمة.. تلخيص شامل لكتاب «الخوف»

عندما غادر كوهين المشهد السياسي في واشنطن 1954، عاد إلى نيويورك، والتي كانت مدينة أشباح، يسيطر عليها الفساد والغوغائية، وعائلات الجريمة المنظمة (المافيا). قرر كوهين العمل بالمحاماة؛ إلا أنه لم يبتعد حقًا عن المشهد السياسي، بل أصبح اليد الخفية التي تحرك الجميع. كان كوهين صديقًا شخصيًا للأثرياء، ونجوم المجتمع ورجال الأعمال؛ إضافةً إلى عمله سمسارًا سياسيًا.

طوال سنوات حياته المهنية والتي بلغت 38 عامًا، استطاع كوهين الحصول على سمعة جيدة في الولاء تجاه أصدقائه وعملائه؛ وكان منزله الكائن في منطقة جرينويتش، شاهدًا على الحفلات الفخمة التي كان يقيمها سنويًا للاحتفال بعيد ميلاده، والتي كانت في الأساس تجمعًا لرجال المال والأعمال والمشاهير، إضافةً إلى السياسيين؛ ففي لقاء عام 1983، كان ضمن قائمة المدعوين السيد إبراهام بيم، عمدة مدينة نيويورك السابق، والزعيم الديموقراطي في بروكلين ميد اسبوزيتو، وكالفن كلاين، هذا إلى جانب العديد من القضاة الفيدراليين.

الحقيقة ليست مُطلقة، بل لها أوجه كثيرة. *روي كوهين

بصفته محاميًا، مثَّل روي كوهين العديد من الشخصيات، كان من بينهم دونالد ترامب بدايةً من سبعينيات القرن الماضي، ومثَّل أيضًا كيانات من بينها أبرشية الروم الكاثوليك، إلا أن المُثير للجدل فعلًا، كان دفاعه عن اثنين من أعتى المجرمين في تاريخ نيويورك؛ كارميني جالانتي وتوني ساليرنو (البدين).

(فيديو تسجيلي عن حياة وموت كارميني جالانتي)

كان جالانتي زعيم مافيا، يعرف من قبل السلطات بلقب «رئيس الرؤساء»، وقائدًا لواحدة من أعتى عائلات الجريمة المنظمة في نيويورك، وهي أسرة بانانو، أما ساليرنو (البدين) والذي كان زعيمًا لعائلة جريمة أخرى (الجنويين)، فقد مثله كوهين في قضية خاصة بالتهرب من ضريبة الدخل، والابتزاز الفيدرالي، والتزوير، وتصدر عناوين الأخبار مرة ثانية.

يقول كوهين عن قضيته الأخيرة: «كان ساليرنو مذنبًا من الناحية الشكلية، إلا أنه على عكس أغلب المقامرين قد دفع ضرائبه». تمكن كوهين من الفوز بقضية ضرائب الدخل، إلا أن ساليرنو قد دخل السجن باتهاماتٍ أخرى. وعند سؤاله عن مثوله للدفاع عن رجال المافيا قال إن للحقيقة أوجهًا كثيرة، ولا يجب النظر إلي أي شيء باعتباره حقيقة مطلقة.

روي كوهين.. أبو دونالد ترامب الروحي

لم يكن روي كوهين مجرد محام استعان به دونالد ترامب في بداية حياته ليرهب أعداءه؛ بل كان مرشدًا روحيًا، أعطى ترامب كثيرًا من الشجاعة لمواجهة خصومه، وكذلك بعض الغرور. كان كوهين يتعامل مع الخصوم بطريقة مكارثية؛ أعجب بها ترامب، واتخذها مسارًا له في حياته. «تستطيع أن تنتقد دونالد؛ لكنه سيرد لك الصاع 10 أضعافه»، هكذا رأى البعض سلوكه؛ تعلم ترامب من كوهين كيفية استخدام الدعاية السيئة وتحويلها إلى صالحك في كسب الشهرة والمال، وتعلم منه أيضًا كيفية كيل الاتهامات للخصوم من أجل إنهاكهم، حتى وإن كانت الاتهامات باطلة.

عام 1973، كان اللقاء الأول الذي جمع بين دونالد ترامب ، والمحامي روي كوهين؛ إذ تم توجيه بعض الاتهامات إلى فريد ترامب والد دونالد، أحدهما كانت قضية تربح من المجمعات السكنية التي تمولها الحكومة؛ وثانيها كانت قضية تمييز عنصري ضد الأقليات السود من المستأجرين في مجمعات ترامب السكنية ببروكلين. ركض دونالد ترامب باتجاه كوهين ما إن رآه في ملهى للأعضاء فقط كائن بمنهاتن الشرقية قائلًا: «قامت الحكومة برفع دعوى قضائية ضد شركتنا مدعين بأننا نميز ضد السود، في رأيك ما الذي يجب أن نفعله؟». نصحه كوهين حينها بالهجوم المضاد، وبعدها بوقتٍ قليل، كان كوهين ممثلًا قانونيًا لمؤسسات ترامب.

 

روي كوهين

(روي كوهين ودونالد ترامب- المصدر Flickr)

أصبح كوهين بعد ذلك اليد الخفية التي حصل بها ترامب على تخفيضات الضرائب المشبوهة لأعماله، وتفاوتات تقسيم المناطق، إضافةً إلى الصفقات الودية التي لعب فيها دور الوسيط، وأخيرًا التهديدات التي كانت تلاحق كل من يقف في وجه المشاريع الترامبية.

يقول دونالد ترامب عنه: «قد يبدو محاميًا فوضويًا، إلا أنه عبقري»، وفي عام 1980، صرح ترامب وكأنه ينأى بنفسه عن أفعال كوهين الشيطانية: «كل ما أستطيع قوله أنه كان شريرًا مع الآخرين في حمايته لي».

في مقتبل الثمانينيات، كان كوهين قد أدين بالفعل بأربع تهمٍ تتراوح بين الابتزاز والرشوة والتآمر وتزوير الأوراق المالية؛ إلا أنه في كل مرة كانت تتم تبرئته؛ وهو الأمر الذي جعله يعتقد ذاته «فوق القانون»، وأصبح كوهين مع تبجحه وانتهازيته الطائشة، وألعابه القانونية، مرشدًا روحيًا مناسبًا لسليل عائلة ترامب.

ما إن تراه، بإمكانك أن تلمح شرًا كامنًا داخله. *المحامي فيكتور كوفنر عن روي كوهين

اشتهر كوهين بكونه مدعيًا عامًا لا يرحم، وكذلك سمسارًا يعقد الصفقات في مدينة نيويورك، نظرًا لاتساع شبكة علاقاته؛ فيقول عنه المحامي فيكتور كوفنر، والذي عرفه لسنوات، إن وجودك في حضرة روي كوهين، يجعلك تتلمس شرًا خالصًا داخله؛ إذ استمد كوهين قوته من قدرته على تخويف خصومه، وذلك عن طريق دعاوى قضائية زائفة، وتهديدات جوفاء، والرسوم التي تقاضاها مقابل خدماته.

اقرأ أيضًا: الجمال فقط هو ما يهمه.. 3 عارضات أزياء في حياة دونالد ترامب

ويشير المؤلف سام روبرتس إلى تأثير روي كوهين على دونالد ترامب قائلًا: «كان جوهر تأثير كوهين على ترامب ثلاثي الأبعاد؛ إذ عمل باستراتيجية تفيد إلى: 1. ألا تستسلم أبدًا. 2. الهجوم المضاد (الاتهامات المضادة والمقاضاة). 3. ادعاء النصر وعدم الاعتراف بالهزيمة»، ويشير المؤلف إلى أن ترامب قد فقد بوصلته الأخلاقية ما إن تحالف مع كوهين.

في أغسطس (آب) عام 1986، توفي المحامي المثير للجدل، روي كوهين، تاركًا لدونالد ترامب إرثه، وذلك عن عمر يناهز 59 عامًا، متأثرًا بإصابته بمرض الإيدز، وفي 23 يونيو (حزيران) من نفس العام، وقبيل موته بشهور، كان قد تم إعلان إقالة السيد كوهين ومنعه من ممارسة القانون في ولاية نيويورك؛ إذ أقرت لجنة مكونة من خمسة قضاة، بالإجماع أن المحامي المذكور، قد استغل ثغرات القانون بطريقة غير أخلاقية أو مهنية، في أربع قضايا، إضافةً إلى قضية واحدة كان سلوكه فيها مستهجنًا.

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!