يظهر رجل ببزة عسكرية رثة ممزقة، لا يمتلك سلاحًا، عاجز عن تحريك بعض أعضاء جسده التي تظهر عليها جروح جفت دماؤها، لكنه يبتسم في الوجوه التي تصعق من هول المفاجأة بأنه حي يرزق بعد أيام من إعلان مقتله. ليس ذاك بمشهد درامي في أحد المسلسلات السورية الملحمية، بل مشهد حقيقي يحدث بحذافيره في المناطق السورية المشتعلة بالمعارك العسكرية منذ العام 2011.

تعددت تجارب النسوة السوريات في العيش أيامًا قاسية بعد فقدهن رجالهن في المعارك الضارية دون رؤية أو لمس جثامينهم، ليتضح بعد أيام أن هؤلاء نجوا بمعجزة من آلة الحرب العاتية، من حصار القذائف والرصاص لهم، ومن أكلهم العشب الذي نبت بين بقايا الشظايا المتناثرة، لقد عادوا زحفًا إلى مناطقهم بعدما أقيمت لهم بيوت العزاء وأعلن الحداد على رحيلهم.

ساندوه وربحوا ملايين.. من هم رجال الأسد الذين يتحايلون على العقوبات الأمريكية؟

شادي الخالد.. الطفل الذي خاف «أزيز الثورة» ثم أصبح أحد مقاتليها

في بيت صغير لـ«آل الخالد» يقع في بلدة «محمبل» الواقعة في منطقة أريحا بريف إدلب الغربي، ولد في العام 2001 فتى سوري كان ترتيبه الرابع بين أشقائه، فقد أنجبت أمه خمسة من الذكور وفتاة واحدة.

صورة لشادي بين رفاقه

حين اندلعت الثورة السورية في عام 2011 كان الفتى الذي اختار له والده اسم شادي طفلًا في العاشرة من العمر، خاف كثيرًا من الأحداث التي رافقت الثورة، وفيها تعرض المدنيون السوريون لبطش وقمع مسلح شديد من قوات النظام السوري، وكالعديد من الأطفال السوريين عانى شادي من ويلات الحرب أيما معاناة، بدءًا بتهجيره عائلته، وليس انتهاء باعتقال والده في سجون النظام السوري في العام 2015.

اعتقد شادي الخالد أن المصاب الأكبر الذي نال من عائلته هو اعتقال والده، لكن المصاب الجلل كان وصول خبر استشهاده تحت التعذيب في العام 2018، بعد خبر استشهاد شقيقه الأكبر محمد في معارك مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الجنوبي عام 2016، فقد أصبح المعيل الوحيد لأمه وأشقائه، يقول شادي عن فقدان شقيقه: «كانت صدمة كبيرة، كنا كالتؤام أنا ومحمد، رحل وترك كل شيء على كاهلي».

عاشت أسرة شادي خمس سنوات كأسرة مهجرة من بيتها وبلدتها، وكان مكان اللجوء هو بلدة سلقين التي تبع منطقة حارم في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، لقد حرمت العائلة منذ اعتقال الوالد الذي لم يبخل قط على أسرته من راتبه كموظف حكومي، وهي الآن تعيش على المعونات الإنسانية من المنظمات الخيرية.

هذه المعاناة دفعت شادي الخالد وهو في السادسة عشر من عمره للانضمام إلى فصائل المعارضة السورية، والتجنيد كمقاتل في محور «الكبينة» بريف اللاذقية الشمالي من أجل المشاركة في قتال النظام السوري، حيث يؤمن شادي الملقب بأبي شكيب أن عليه متابعة ما سار عليه والده وشقيقه، لذا فقد واظب مع مجموعته على العمل العسكري الصارم لقتال النظام السوري.

10 أيام من التيه

في العاشر من يونيو (حزيران) 2019 وأثناء عودة شادي الخالد من نقاط التواجد العسكري على جبهة كبينة بريف اللاذقية وقع قصف شديد، وسقطت احدى القذائف على بعد مترين فقط منه؛ مما أدي إلى إغمائه من شدة الضغط وسقوطه في منطقة قريبة من عناصر النظام السوري. يقول شادي: «حين استيقظت وجدت نفسي تحت شجرة، عالقًا في نقاط قريبة من قوات النظام، وكان ما يزال هاتفي النقال معي، أشعلت الشاشة من أجل الضوء، فلاحظت أن نقطة النظام تبعد عني فقط 50 متر».

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «شعر العناصر بوجود حركة في المكان، فأخذوا بإطلاق النار الكثيف على مكاني، أطلقوا العديد من الصواريخ والقنابل المضيئة حولي، فأصبت بيدي اليسرى، وأصابت خمس رصاصات بارودتي فتعطلت، فاضطررت إلى أن أزحف للخلف تحت وطأة القصف الكثيف والقنابل الضوئية»، مضيفًا: «في هذه الليلة تهت ولم أعلم أين أذهب، لكني كنت مضطرًا للتحرك للخلف ببطء، كنت أزحف لأني لم استطع النهوض والمشي بسبب وجود قناص للنظام».

صورة لشادي باللباس العسكري

حين بعُد شادي عن أنظار عناصر النظام السوري شعر بأنه نجا من القتل بالرصاص، لكنه سرعان ما أيقن أن أشياء أخرى مرعبة تحاصره، كالتيه والجوع والعطش، غير أنه لم يستسلم، فأخذ يبحث عن طوق نجاه من حوله، وقرر بسرعة أن يعيش على شرب مياه الأمطار التي حجزتها الصخور، وأن يأكل الأعشاب الرطبة التي تنبت من حوله أيضًا.

في اليوم العاشر من هذا الحصار استطاع شادي الخالد الوصول بالقرب من نقطة عسكرية للمعارضة السورية، رأى عناصر هذه النقطة شادي على بعد أمتار منهم، لكن الطرفان لم يستطيعا الوصول لبعضهما البعض بسبب كشف عناصر النظام للمنطقة، وحين حل الليل والضباب تحرك شادي حتى وصل إلى تلك النقطة، يقول عن ذلك: «كدت أفقد الأمل، كان الدعاء سلاحي، أخذت أزحف بإصابتي حتى وصلت خلف منطقة كبينة بكيلو مترين».

العودة من الموت

كان شادي يقضى الكثير من الوقت في تخيل ردة فعل ذويه ووجعهم على مصيره، يقول شادي: «كل تفكيري كان بأمي وشقيقتي وأشقائي، كنت أتحمل من أجل أمل أن أعود إليهم، فأنا معيلهم الوحيد، وأنا الذي لا أريد أن يتوجعوا من جديد على مصيري، فقد توقعت أنهم تلقوا خبر مقتلي». حين عاد شادي، وجد أن ما توقعه قد حدث، كان شقيقه عبد الرحمن ابن الخامسة يبكى كل يوم ويسأل «وين شادي»، ويحدث الآخرين: «أبي مات، وأخي الثاني قتل، وأخي الثالث قتل».

لكن شيئًا ما خالف ما توقعه شادي: يقين أمه بأنه ما يزال على قيد الحياة وسيعود يومًا ما، يقول: «كان لدى أمي شعور قوي أني على قيد الحياة، وسأعود في يوم من الأيام، ولذا لم تسمح بإقامة بيت عزاء لي عندما أخبروها أني قتلت».

لن تفت هذه التجربة القاسية في عضد شادي، فثبات هذا المقاتل وصموده وإرادته في القتال رغم صغر سنه وضعف خبرته العسكرية كل ذلك يُحسب له، إذ يقول في ختامه حديثه لـ«ساسة بوست»: «عدت بخير، وسأعيد الكرة بإذن الله حتى ننتصر، وعلى الشباب الذي فضلوا ترك سوريا إدارك أن الموت لا مفر منه»، ثم قال بلهجته المحلية: « ويلي مكتبلو الموت رح يموت لو كان في قصور مشيدة، فأنا كنت بأرض فلا ما فيها شي والقصف من كل حدب وصوب ومكتبلي عمر وما متت».

«فورين أفيرز»: هذه هي الطريقة السليمة لإنهاء الحرب في سوريا

عرض التعليقات
تحميل المزيد