في عام 1168 ميلاديًّا، هاجم الصليبيون مصر قادمين من بيت المقدس في حملةٍ عسكريةٍ جرّت وراءها غبار صحراء الشام، فنزلوا في بلبيس –شرق الدلتا- فأبادوا كل من طالته سيوفهم، ثم زحفوا صوب القاهرة يتقدمُهم ملكهم «أمالريك الأول»، فضربوا حصارًا طويلًا على أهلها، حتى أمر الوزيرُ المصري «شاوَر» بحرق مدينة الفسطاط على بَكرة أبيها؛ كي لا ينهبها الغزاة، فظلت النيران تأكلُها 54 يومًا، ولم يتبق منها سليمًا واضحًا سوى مسجد عمرو بن العاص، وكنيسة مار جرجس.

يذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» تلك الرسالة التي أرسلها الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، إلى سلطان الشام نور الدين محمود زنكي، وأرفق معها خصلةً من شَعر نسائه وكتب إليه يقولُ فيها: «هذه نساء الفاطميين من قصري، حريم رسول الله، يُرسلن إليك شعورهن، يرجونك أن تنجدهن من أن يسبيَهُن أمالريك والإفرنج»، وما إن وصلت الرسالة، حتى شرع السُلطان السُني في تحريك جيشٍ للذود عن الخليفة الشيعي.

الرمزية الدينية لخصلة الشعر التي انتفض الشام من أجلها، لم تخل من عاملٍ سياسيٍ غير مُعلنٍ في قصة الصراع الإسلامي الصليبي على مصر، والتقرير التالي يشرح لك قصة خصلة الشعر التي وحدت مجازًا السنة والشيعة، والأبعاد الأعمق أيضًا من فصول التاريخ المنسية.

كيف كان حال مصر في ذلك الزمان؟

كان الخليفة الفاطمي العاضدُ لدين الله شابًا صغيرًا مُعتَل الصحة لا يملكُ من أمرِ مُلكه شيئًا، وهكذا كان حال خلفاء مصر قبل قرنٍ من ذلك التاريخ؛ يتسلّطُ عليهم وزراؤهم، ويثبُ أمراؤهم على مناصب بعض، فإذا ثار المهزوم استنصر أتباعه للقتال، حتى يظفر القاتلُ بمنصب القتيل، وتكونُ الوزارةُ لمن غلب، والخليفة حبيسُ قصره بين نسائه وفي زمرة جواريه لا يأمن على نفسه، فإذا مات أو قُتل على يد بعضهم، تحكّم الوزراء في اختيار من يخلفه، وهكذا جرت العادة.

الصراع السياسي بين الوزراء الذي بدأ منذ عهد الخليفة المستنصر بالله، كان سببًا مُباشرًا فيما عُرف باسم «الشدة المستنصرية» عام 1065 ميلاديًا، ويروي المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفاء» أحداث المجاعة التي ضربت مصر سبع سنين فمات ثُلث أهلها من الجوع الذي لم يُعهد مثله من قبل، كما أكل الناس لحوم البشر والكلاب بعدما فنيت الدوابُ بأسرها، حتى أنّ خليفة مصر الذي كان يُرسل الغلة إلى الحجاز جاع هو أيضًا، ولم يجد ما يُرسله، فانقطعت الخُطبة له في مكة والمدينة بضع سنين بحسب الرواية المقريزية، وفيما القصة محفورة في ذهن العوامِ بأن سببها انخفاض منسوب النيل، إلا أنّها ثابتة عند المؤرخين بصراع الأمراء الطامعين في شُغل منصب الوزارة.

العلاقة بين السُّنة والشيعة في ذلك الزمان المضطرب الذي سبق العاضد بقليل كانت شاهدةً أيضًا على انقلاب أحوال القاهرة، فالفاطميون الذين فرضوا التشيّع على المصريين منذ أسسوا دولتهم فيها عام 969 ميلاديًا، اختار خليفتهم بعد قرنٍ ونصفٍ من ذلك التاريخ وزيرًا سُنيًا -رضوان بن ولخشي- قادمًا من مدينة الإسكندرية معقل المعارضة السُنية آنذاك، ثم تبعه بعد سنين وزير آخر من المذهب نفسه، وهو «ابن السّلار» الذي لم تنقطع المراسلات بينه وبين نجم الدين لتجهيز حملات مشتركة لقتال الصليبيين.

بالعودة للخليفة العاضد الذي أصبح صاحب مصر وهو في الحادية عشر من عمره، فقصة توليته الخلافة لا تخلو من تحكّم الوزير صالح بن زريك في اختياره لأنه كان دون البلوغ، ويذكر المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفاء» أنّ ابن زريك أحضر له بذلة ساذجة خضراء، ثم أخذ بيده وأجلسه إلى جانبه، وأمر أن تُحمل إليه ثياب الخلافة فألبسها له وبايعه ثم بايعه الناس ونعته الوزير بـ«العاضد لدين الله»، فالتصق به اللقب الذي عُرف به لاحقًا.

ثقافة

منذ 4 سنوات
تخيل لو أنك تعيش العشرة الأواخر من رمضان بالعصر الفاطمي في مصر

لكنّ الوزير لم يمض سوى عامٍ حتى قُتل في حادثٍ دُبّر بليل، وأغلب رأي المؤرخين أنها دسيسةٌ من داخل القصر قادتها عمّة الخليفة العاضد، لكنّ ابنه عبد الله المُلقب بـ«العادل» هو الذي ورث الوزارة من بعده، وكره أن يُنازعه أحد في سُلطانه فبدأ بعامل أبيه على الصعيد شاور فأقدم على عزله، وهو الخطأ الذي كلفه حياته ومنصبه على السواء، فجاءه الأخير على رأس جيشٍ حاربه حتى نال منه فقتله، فآلت الوزارة إلى شاور، الخصم العنيد الذي اعتلى الكرسي.

لكنّ شاور الذي تلقّب بـ«أمير الجيوش» لم يكد يتسلم منصبه الجديد حتى ظهر له «ضرغام» الخصم الشرس الذي جاءه على رأس جموعٍ كثيرة انتزعت سُلطان شاور وخلعته من الوزارة، فارتحل الأخيرُ هاربًا إلى الشام، يستغيثُ بأميرها ويستعين به على حربه الجديدة التي أشعل معها الصراع الإسلامي الصليبي على مصر.

«شاور المُخادع».. ماذا يفعل الدهاء إذا اقترن بالانتقام؟

يصفُ المؤرخون الوزير المصري شاور بأنه كان داهية خطيرًا بلغ قمة الذكاء وذروة المكر، فلم يكن أحد يأمن تقلبه سواء كانوا هم حلفاءه أو خصومه، كما أنه أجاد في كل مرة أن يكون الطرف الأقوى في كل الصفقات التي يُبرمها.

جزء من مسلسل صلاح الدين الأيوبي

بعدما نفدت قوته في الداخل، اختار شاور الشام التي هرب إليها، لعمله المُسبق بأنّ السُلطان نور الدين محمود يتطلعُ إلى ضم مصر إليه خاصةً بعدما أخذ الأخير ضمانًا من الخليفة العباسي بإطلاق يديه تحت ما يملك حال أسقط الخلافة الفاطمية في القاهرة، لذا قضت خطة شاور أن يستعين بالجيش النوري لهزيمة غريمه، ثم يستعين بالجيش المصري لطرد جيش الشام، فإذا استعصى الأمرُ عليه اتصل بالصليبيين الذين يتطلعون أيضًا إلى مصر، فإذا بدرت منهم نوايا سيئة، استنجدت مصر إخوانها في الشامِ مرة أخرى، وهكذا يبقى في كل مرة المُسيطر على الأمور والمحُرّك لها.

اتجه الوزيرُ الفاطمي للشامِ، وتعهد لسلطانها حال مساعدته له بثلث دخل البلاد المصرية سنويًا يكون خزينة لقتال الفرنجة، بعد دفع رواتب الجُند، وأن يكون نائبًا لنور الدين في القاهرة، وأن يقيمُ أسد الدين شيركوه، قائد الحملة العسكرية في مصر، ويتصرفُ مع مع شاور في تدبير شؤون البلاد بأمر من نور الدين، وهي الطلبات التي عرضها شاور بهدف إكمال الخطة التي اكتملت في رأسه.

بعدما علم ضرغام بالاستعدادات التي تُجرى في دمشق لتجهيز حملة عسكرية لمساعدة شاور، استنجد بملك القدس الصليبي عموري الأول، وأبرم معه اتفاقًا يقضي بمساعدته في صد جيش الشام، كما تعهد له في المقابل بدفع جزية سنوية يقررها الملك، كما وافق أن تدخل مصر في تبعية الصليبيين، وهو الحُلم الذي سعى له الصليبيون منذ أكثر من نصف قرن، لكنهم اشترطوا قبل تجهيز حملة عسكرية، توقيع الخليفة الفاطمي على الاتفاق المُبرم.

لكن جيش الشام كان أسرع في الوصول إلى مصر، فواجه ضرغام وحيدًا معركةً مصيرية تحت أسوار القاهرة انتهت بانتصار شيركوه بعد أن تخلى الجيش والناس والخليفة العاضد عن ضرغام الذي قُتل أثناء محاولة هروبه، لكنّ شاور بعد أن عاد إلى منصبه تخلف عن وعوده القديمة، فنقض الاتفاق وطلب من شيركوه الخروج من مصر والعودة مع قواته إلى الشام، لكنّ الأخير رفض وتوجه إلى بلبيس، وفرض سلطانه على شرق مصر.

لم يسع شاور إلا أن يستنجد بعموري الأول، ويطلب منه نجدةً عسكرية مقابل أن يدفع له 270 ألف دينار من الذهب، ويتكفل بعلف أفراسهم، وحين وصلت الأنباء إلى نور الدين محمود كان قد أعدّ خُطة أخرى قضت بانتهاز فرصة خلو الشام من الصليبيين والهجوم على حصونهم، مقابل أن يصمد أسد الدين شيركوه في الحصار المفروض عليه في بلبيس والذي استمر ثلاثة أشهر، لتنتهي الحملة بالفشل ودخول عموري الأول ملك القدس في مفاوضات مباشرة مع نجم الدين تقضي بخروج كلا الجيشين من مصر عام 1164 ميلاديًا.

بعد ثلاث سنواتٍ أعدّ نور الدين محمود حملةً عسكرية أخرى، بعد مطالبات الخليفة العباسي في بغداد بالقضاء على التشيع الفاطمي في مصر، وخوفًا من تطويق مملكة الصليبيين بين مصر والشام، سارع عموري الأول لتلبية استغاثة شاور الذي تعهّد بدفع 400 ألف دينار مقابل طرد أسد الدين شيركوه عن مصر، على أن يُدفع نصف المبلغ في الحال، واشترط الصليبيون تصديق الخليفة الفاطمي على المعاهدة لإعطائها صفة رسمية.

يذكر ابن الأثير أنّ نور الدين محمود جهّز حملة عسكرية من ألفي فارس ورافقها بنفسه حتى أطراف البلاد خوفًا من تعرض الصليبيين لها، وتقابل الطرفان في مواجهات كان التفوق العددي فيها لصالح الملك الصليبي، بينما التفوق الاستراتيجي لصالح شيركوه الذي تحصّن في الإسكندرية التي ضُرب عليها حصار طويل، حتى قبل الطرفان التفاوض مرة أخرى، وانتهى الاتفاق برحيل الجيشين عن مصر.

أبقى الجيش الصليبي حاميةً من قواته بدعوى حماية أسوار القاهرة في حالة كرر نور الدين محاولة الهجوم، إلى جانب إقامة مندوب الملك الصليبي في القاهرة إلى جانب الخليفة ليشارك في شؤون الحكم، مع دفع جزية سنوية للصليبيين قدرها 100 ألف دينار، وكان غرض هذه الحامية إخبار ملك القدس بالتوقيت المناسب للهجوم على القاهرة، وهو الحدث الذي بدأت به قصة خصلة الشعر.

كيف أسقطت خصلة الشعر الخلافة الفاطمية؟

في عام 1168، هاجم الصليبيون مصر قادمين من بيت المقدس، فنزلوا في بلبيس وأبادوا أهلها، ثم تحركوا صوب القاهرة يتقدمهم ملكهم أمالريك الأول، فاستعصت المدينة عليهم لمّا علم أهلها بما حدث في بلبيس، فأمر شاور بإحراق مدينة الفسطاط على بكرة أبيها، ويذكر المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفاء» تلك الرسالة التي أرسلها الخليفة العاضد لشاور بعد معارضة الأخير الاستنجاد بنور الدين: «أين استدعائي الغز من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين، رضيت أن تكون مصر إسلامية، وأكون فداء المسلمين».

(ألجامع الأزهر الذي أسسه الفاطميون قبل أكثر من ألف عام)

وفي رسالة خصلة الشعر التي أرسلها الخليفة الفاطمي، طلب العاضد إرسال جيش الشام مقابل منح نور الدين محمود ثلث خراج البلاد، ومنح قادته الإقطاعات، والسماح لأسد الدين شيركوه بالإقامة في مصر، ويصف ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» أنّ سلطان الشام حكّم شريكوه في جيشه، فاختار ألفين من فرسانه إلى جانب ستة آلاف معه، كما حصل على 200 ألف دينار، وسلاح ودواب، وانطلق إلى مصر في صحبة ابن أخية صلاح الدين الأيوبي، الذي رافقه في كل حملاته.

انسحب جيش عموري الأول من مصر، واستقبلت القاهرة جيش الشام، ويذكر ابن كثير في «البداية والنهاية»، أن الخليفة العاضد جاء متنكرًا إلى معسكر أسد الدين شيركوه، بعد أيامٍ من استقباله، وأوعز إليه بالتخلص من الوزير شاور، ليتولى هو مكانه، ويصبح لأول مرة وزيرًا عباسيًّا سنيًّا عند خليفة فاطمي شيعي.

لم يلبث أسد الدين شريكوه في منصب الوزارة سوى شهرين حتى مات، ويذكر ابن الأثير أنّ أصحاب العاضد في القصر أشاروا عليه بتعيين ابن أخيه صلاح الدين، وجاء نص مشورتهم: «ليس في الجماعة أضعف، ولا أصغر سنًا من يوسف، والرأيُ أن يولَّى، فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على العساكر من يستميلهم إلينا، فيصير عندنا من الجنود من نمنع به البلاد، ثم نأخذ يوسف أو نخرجه»، لكنّ الأيام أثبتت خطأ مشورتهم.

فبعدما كانت المساجد تدعو للخليفة الفاطمي، خُطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله في أول جمعة من سنة 567 هجريًا، الموافق شهر سبتمبر (أيلول) من سنة 1171 ميلاديًا، لتحذو القاهرة كلها حذوه، في الوقت الذي كان فيه العاضد لدين الله على فراش الموت مريضًا، ولم يلبث طويلًا حتى مات، فسقطت دولته التي استمرت 262 عامًا، وأصبح صلاح الدين هو الحاكم الفعلي في مصر.

قصة خصلة الشعر التي وحدت السنة والشيعة، وقادت صلاح الدين الأيوبي لحكم مصر، وأسقطت الخلافة الفاطيمة، كانت سببًا مُعلنًا لتحرك حملة عسكرية من الشام باسم الذود عن نساء آل البيت والمسلمين والمسلمات، لكنّ الواقع على الجانب الآخر أنّ السلطان نور الدين محمود قاد محاولات سابقة لضم مصر بهدف القضاء على التمدد الشيعي من جهة، والاستفادة من خزائن مصر في مواجهة الصليبيين من جهةٍ أخرى، لكنّ الفرصة جاءته لتحقيق هدفه بعد الرسالة التي أرسلها العاضد مرفقة بخصلة من شعر نسائه.

فنون

منذ 3 سنوات
مغالطات «في سياق الدراما»: هكذا رسمت السينما العربية لوحات تاريخية مشوهة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد