الرسم هو بعث الحياة في ما يراه العقل من أجل متعة العين، وبقدر ما ترى العين العالم بقدر ما تخدم العقل، وهذا يعني أن الجمال هو إعادة اكتشاف العين للعالم ولما يراه العقل. *كمال الدين بهزاد

في إحدى مقاهي مدينة إسطنبول العريقة، وخلال عام 1591 جلس أحد النقاشين ليشرب قهوته الساخنة، ويستمع إلى الحكاء وهو يسرد إحدى قصصه الشائقة، التي لطالما جمعت حوله الكثير من سكان المدينة، في جلسته كان النقاش يفكر بأنه الأمهر في مزج الألوان واختيار موضوع النقش وحكايته، ورسم الوجه واستخدام المسطرة، ورسم الحيوانات والسفن والسلاطين، ربما يكون النقاش قد استعرض مهاراته في ذلك اليوم لينسى جريمة القتل التي ارتكبها بحق صديقه ظريف أفندي.

بدأت الحكاية يوم تقابل هو وظريف أفندي بالمقهى ذاته في الليلة السابقة ليحكي له صديقه ظريف عن مخاوفه من العمل في كتاب السلطان السري الجديد، والذي يشرف عليه زوج الخالة؛ مخاوف ظريف أفندي كانت بسبب خروج أعمال النقش والرسم في الكتاب الجديد عن تعليمات الدين الإسلامي؛ ولأن النقاش الآخر كان يريد طمأنته، وفشل في ذلك، قرر قتله في النهاية حتى لا تتسرب أخبار الكتاب السري لجماعة الواعظ الشيخ نصرت الأرضرومي.

النقش خانة.. مركز الفن العثماني الرئيسي حيث بدأ كل شيء

إذا أردت أن تعمل بالنقش أو الفن.. احذر أن ترى هذا العمل مهنة، ابحث عن النقود في مكان آخر وذلك لكي لا تقاطع الفن عندما لا تحصل على مقابل مجهودك ومهارتك

تنبثق معظم أحداث رواية «اسمي أحمر» للكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 2006 أورهان باموق من النقش خانة، والتي كانت تعد بمثابة مؤسسة تعليمية تتبع بشكل مباشر ديوان السلطان العثماني، إذ يتدرب الطلاب منذ الصغر على أصول فن النقش الإسلامي، وذلك على يد أستاذة متمرسين؛ وداخل النقش خانة يرسم الطلاب الكتب وينقشونها ويذهبونها ويزينونها بأمر مباشر من السلطان العثماني، وعادة ما ترسم تلك الكتب رسمًت جماعيًّا، وتتمحور موضوعات الكتب عادة حول المناسبات الاجتماعية الخاصة بالسلطان، أو رحلات صيده، أو أحداث تاريخية ودينية.

داخل النقش خانة تتلمذ كل من زيتون، ولقلق، وفراشة، وظريف أفندي، وقرة، وذلك تحت إشراف كبير المعلمين الأستاذ عثمان، والذي كان يدربهم منذ الصغر على جميع فنون النقش، بداية من التذهيب ورسم إطارات صفحات الكتب السلطانية، ومرورًا برسم الحيوانات والأشجار والمحاربين والعشاق؛ يُذكر أن قصة الحب الشهيرة بين الملك الساساني خسرو برويز بن هرمز وشيرين معشوقته الجميلة كانت القصة الأكثر رسمًا في النقش خانة.

كانت الأمور تسير على ما يرام داخل النقش خانة، حتى قام زوج الخالة القريب من السلطان بالسفر إلى البندقية، وهناك اطلع على أصول الرسم الغربي وانبهر بشدة برسم الوجوه الشخصية (البورتريهات)، كما كان مشدوهًا بشدة بالرسوم المعلقة داخل الكنائس الإيطالية، وأيضًا رسوم المتاحف، وفور عودته إلى إسطنبول قرر زوج الخالة التحدث مع السلطان بشأن تأليف كتاب يتحدث عن عظمة السلطان وسيطرته على البلاد، من خلال الجمع بين النقش الإسلامي والرسم الغربي، واقتنع السلطان بفكرة زوج الخالة، وقرر إهداء الكتاب للملك البندقي فور الانتهاء من نقشه.

قرر زوج الخالة مفاتحة النقاشين الأمهر داخل النقش خانة فيما يخص كتاب السلطان، الذي أصر على الحفاظ على سريته حتى الانتهاء منه، ولأن النقاشين لم يكونوا على دراية بكل تفاصيل العمل داخل الكتاب، اختلفوا فيما بينهم حتى قرر ظريف أفندي أن العمل داخل هذا الكتاب سيوصله إلى جهنم، وقرر التوقف عن التذهيب، وعندما تحدث مع زيتون حول هذا الأمر قرر قتله.

النقاشون يعتقدون أن الرسم سيغلق أمامهم أبواب الجنة

نحن نمارس عملًا أشد محظورية وأكثر خطورة.. نحن نعمل في الرسم في مدينة إسلامية، وبداخل كل نقاش شعور بالذنب والندم واتهام الذات قبل توجيه الاتهام من قبل الآخرين؛ ولهذا نحن دائمًا نحضر الكتب سرًا

انتشر في ذلك الزمان الكثير من وعاظ الدين، الذين بثوا في الناس أن النقاشين والرسامين لن يدخلوا الجنة، كما ذكروا أيضًا أن حضرة النبي قال في أحاديثه بأن الرسامين سيذوقون أشد العذاب يوم القيامة؛ إذ سيطلب منهم رب العزة أن ينفخوا في روح الأشكال التي أبدعوها، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك ولهذا سيذوقون عذاب جهنم، فباعث الروح في الجماد والمصور هو الله، ويجب ألا يحاول منافسته أحد، ومن أعظم المحرمات محاولة الرسامين عمل ما يعمله، ومحاولتهم الخلق مثله.

عندما رأى ظريف أفندي الرسم الغربي في كتاب السلطان السري، قرر إبلاغ جماعة الشيخ نصرت الأرضرومي عن الأمر، إذ رأي أن الرسم وفقًا لقواعد الكفار بمثابة الوقوع في حبائل الشيطان، وذلك لأن رسم الوجوه الشخصية على النمط الغربي تجعل الرائي يظن أن الرسم حقيقة، وقد رأى ظريف بعقليته أن هذا الرسم سيدعو الناس للسجود للوحات، وسنعود إلى عصور الظلام القديمة، حيث تعلق اللوحات لصور السلاطين على الجدران ويسجد الشعب لها.

الصراع بين الشرق والغرب

النقاش الذي لا يقرأ النص الذي يرسمه بدقة وتفتُّح عقل، فإن سبب إمساكه القلم والفرشاة لا يمكن أن يكون سوى النقود، وذلك مهما امتلك من موهبة ومهارة

يرتكز النقش الإسلامي تقليديًّا على عدة قواعد أساسية، تختلف عن تلك القواعد المتبعة في رسم الشخصيات وفق النمط الغربي؛ الاختلاف الأول يرتكز في الأسلوب، فالنقاش داخل النقش خانة لا يجب أن يملك أسلوبه الخاص، من ناحية لأن العمل المنجز هو عمل جماعي، ويجب أن يكون هناك انسجام بين النقاشين؛ ولذلك فإن الأسلوب هو أسلوب النقش خانة وليس النقاش؛ وفي هذا السياق ذكر الأستاذ عثمان كبير المعلمين أن النقش خانة مثل الأسرة، لكي يكون هناك انسجام في عملها يجب ألا ينفرد أسلوب أحد الزوجين أو يعلى على الآخر.

من الناحية الأخرى فمهمة النقاش يجب أن ترتكز أثناء عمله على الدعوة إلى الجمال وإثراء الحياة والحب، واحترام الألوان، وهذه الأهداف لن تتحقق إذا كان النقاش يبحث عن أسلوبه الخاص في الرسم، ولكي يتأكد الأستاذ عثمان كبير المعلمين من أن تلاميذه الصغار لن يبحثوا فيما بعد عن أسلوبهم الخاص، كان يضربهم بشدة وهم أطفال؛ وذلك حتى يرسموا ما يمليه عليهم فقط، ويكون للنقش خانة العثمانية فقط أسلوبها المميز، وهذا على عكس الرسم وفق المنظور الغربي، الذي يجري بشكل منفرد، ولذلك يكون لكل رسام أسلوبه ومنظوره المختلف، وتوقيعه على الرسم.

نقطة الخلاف الثانية هي الموضوع؛ فالنقش الإسلامي عادة ما يجسد حكاية، فلكل رسم حكاية، هدفها تجميل الكتاب الذي يرسمه النقاش، ولهذا فالأصل هو الحكاية وليس الرسم، ولهذا فالمعنى يجب أن يصل للرائي قبل الصورة، وكلما حوت النقوش معاني أكثر كانت أروع وأجمل.

فن المنمنمات، المصدر

أما الرسم وفق النمط الغربي فيتم من أجل متعة العين ولا شيء أكثر، لا يرسم الإيطاليون من أجل سرد حكاية، وإنما يرسمون من أجل الرسم فقط في حد ذاته، يمسكون الفرشاة ولا يكون لديهم حكاية مسبقة أو أوامر من سلطانهم، فقط يرسمون ما يشعرون به.

النقطة الثالثة للخلاف بين عالمي الرسم هي المنظور؛ يرى النقش الإسلامي لوحة الرسم من أفق مرتفع، ويرسمون عالمًا خياليًا ومثاليًا لما ينبغي أن يكون، فالمعشوقة على سبيل المثال يجب أن تكون جالسة في قصر، وتملك جمالًا باهرًا، ولديها الكثير من الوصيفات، أما عشيقها فيجب أن يكون فارسًا مغوارًا عاد لتوه من معركة مع الجيش العثماني.

هذا بخلاف رسم الأشجار والحيوانات والجمادات التي يجب أن تكون في أبهى صورة لها؛ يُحكى في الأثر أن ملكًا طلب رؤية حصان حقيقي كالذي يراه في كتب رسومه، ولما كان هذا الملك لم ير حصانًا حقيقيًا من قبل، فلما جاءوا له بأجمل حصان في المملكة أمر بقتل كل أحصنة المملكة؛ لأنها لا تشبه تلك التي كان يراها في نقوش الكتب.

على العكس تمامًا يرتكز الرسم الغربي على رسم القرى العادية، والنوافذ والطاولة داخل المنزل والفراش، والأناس العاديين في الشوارع؛ رسمهم أكثر شبهًا بالحياة، ينقلون كل ما في العالم مباشرة، ويرسمون كل ما تراه العين، فذات مرة زار أحد رسامي البندقية مدينة إسطنبول، ورسم درويشين متجولين، عندها ثار عليه الناس بتهمة الإساءة لسمعة الدولة العثمانية، وذلك من خلال رسم المتسولين.

الهدف الأسمى لرسامي النقش خانة في النهاية هو العمى؛ بداية يجب التأكيد أن أغلب نقاشي الفن الإسلامي يُصابون بالعمى في نهاية حياتهم، بسبب دقة عملهم من ناحية، وبسبب عملهم المتواصل ليلًا على ضوء الشموع من ناحية أخرى، وبسبب الرؤية المثالية للنقاشين؛ فهم يرون أن العمى هو مكافأة حياتهم الأثمن؛ إذ يمكنهم حينها الرسم من الذاكرة؛ فوفقًا للأستاذ النقاش ميراك معلم بهزاد وأستاذ هرات الكبير أن العمى ليس بلاء، ولكنه السعادة الأخيرة التي يمنحها الله للنقاش، الذي وهب حياته للجمال؛ لأن النقش هو بحث النقاش الدائم عن الرؤية الإلهية للعالم.

عندما تحدث الحصان والشجرة والنقود

تتكون رواية «اسمي أحمر» من 59 فصلًا، ومجمل رواتها 12 راويًا منهم الأشخاص؛ مثل قرة، والأستاذ عثمان كبير النقاشين، وزوج الخالة، وزيتون، ولقلق، وفراشة، وهناك أيضًا الحيوانات مثل الحصان، والكلب، والجمادات مثل الشجرة والنقود، كما يشارك في السرد أيضًا الشيطان، والموت، واللون الأحمر.

الجمع بين عالمي الواقع والخيال هو الإبداع في هذا العمل، ولهذا طالعنا العمل الروائي كمنمنمة، وحكت كل رسمة داخل تلك المنمنمة عن حكايتها الخاصة؛ فالحصان على سبيل المثال يذكر لنا في حكايته أن الرسم الغربي -وفق منهج الوعاظ الإسلاميين- هو الأقرب لتعاليم الدين الإسلامي من النقش، وذلك لأن الرسم الغربي يستعرض نقائص البشر، ويرسمهم كما هم بالضبط دون زيادة؛ يرسم المتسولين، ويرسم الشوارع، وذلك على عكس النقش الإسلامي الذي لا عيب فيه، والذي يسعى للكمال تمامًا، كعمل الخالق، ولهذا فهو أولى بالتحريم.

فن المنمنمات الإسلامية

يذكر الحصان أيضًا في حكايته أنه سئم من طريقة رسمه المثالية، ودون عيوب، وحلمه أن يُرسم في وضعه الطبيعي، أما الكلب فيتساءل في أثناء حكايته عن سبب كراهية رجال الدين له، ووصمه بالنجس، على الرغم من ذكره ذكرًا مطولًا في سورة الكهف بالقرآن الكريم.

كما يتساءل الشيطان في حكايته عن سبب رسمه دائمًا بشكل بشع في رسوم النقش؛ إذ يرى الشيطان أنه عقد اتفاقًا مع الخالق لاختبار البشر، وبموجب هذا العقد سيعيش هو للأبد في مقابل إظهار المعادن الأساسية لهؤلاء البشر، ويرى الشيطان أنه ليس السبب الأوحد لكل شرور الأرض؛ فالإنسان له منها النصيب الأكبر، ويطالب الرسامين بإعمال خيالهم الخصب من أجل تجديد النظر إليه، ورسمه بشكل مختلف في المستقبل.

وأخيرًا يذكر اللون الأحمر الذي يعد اللون الأكثر استخدامًا في النقش في حكايته، أن اللون هو لمس النظر، وموسيقى الطرشان، وكلمة الظلام؛ جانب من اللون يخاطب الأعين، والجانب الآخر يحلق في الهواء ليخفق بجناحيه مع نظرات الرائين له.

كيف أنقذ نقاشو المنمنمات الفن العثماني؟

صدق النقاش لا يظهر في المهارة والعمل الكامل، ولكن في الحالة العكسية، يظهر في ذلة اللسان ولحظات الانكسار

في اجتماع لجميع رسامي النقش خانة، ذكروا أن سبب موافقتهم على العمل في كتاب زوج الخالة هو انبهارهم بنمط الرسم الغربي، شيء في داخلهم استيقظ على حين غرة، رغم محاولات الأستاذ عثمان لقتل ذلك الشيء طوال سنوات حياتهم في النقش خانة؛ لقد استيقظ الفنانون الذين قبعوا بداخلهم، ووجدوا خلال نظرهم إلى رسم الوجوه الشخصية حكايتهم التي لم ترو بعد، ففي النقش خانة لا تُسرد سوى حكاوي السلطان.

ولكن على الرغم من انبهارهم بالرسم الغربي، رفض النقاشون إكمال الكتاب لأنهم رأوا أن إقدام النقاش على تقليد الرسم الغربي دون تعلم قواعده سيجعلهم أكثر عبودية؛ ولذا فالحل يكمن في تعلم تلك القواعد أولًا؛ ففي حوار له ذكر زيتون أنه في حال إكمال كتاب السلطان وإرساله للملك البندقي سيدرك لا محالة أن الدولة العثمانية في طور الانهيار؛ بسبب تدهور فن النقش الإسلامي واعتماده على التقليد الأعمى.

فعلى الرغم من أن النقش الإسلامي والرسم داخل النقش خانة قد استفاد كثيرًا من جمال رسم بهزاد، الذي مزج بين رسم العرب ورسم المغول والصينيين، كما أن أجمل رسوم الشاه طهماسب جمعت بين حساسية التركمان وطراز العجم، إلا أن هناك فارقًا عظيمًا بين الاستيعاب والنقل؛ هؤلاء استوعبوا الرسوم قبل نقلها؛ تعلموا مهاراتها ثم أضافوا إليها.

نحن ننقش من أجل أن نكون أنفسنا، ومن أجل أن نصبح معجزة في يوم ما، متى سيفهمنا العالم، متى سيفهم أعمالنا التي ننجزها حتى نعمى، متى سيعطوننا الحب الذي نستحقه

أُغلقت النقش خانة في النهاية؛ لأن سلاطين الدولة العثمانية عادة يمرون بثلاث مراحل مع الفن؛ المرحلة الأولى يبدأون بتشجيعه والاهتمام به، المرحلة الثانية تقريب الفنانين من السلطنة واستخدام الفن من أجل تأريخ إنجازات السلطان الحاكم، أما في المرحلة الثالثة فيدرك السلطان العثماني أن النقش لن ينقذه في الدار الآخرة فيغلق النقش خانة، ويطرد جميع النقاشين من المملكة.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد