يحمل شهر يناير (كانون الثاني) طابعًا استثنائيًا لدى التونسيين؛ فيتذكرون نجاح ثورتهم في إطاحة زين العابدين بن علي عام 2011، ولا ينسون أيضًا تأسيس نادي الترجي التونسي عام 1919، ذلك النادي الأكثر شعبية في العاصمة، ومرّ عليه قرن منذ تأسيسه، شهد خلالها محطات مؤثرة في تاريخ أنصاره، مثّلت ذاكرة حية لنضال التونسيين ضد المستعمر، ولم يخلُ تاريخ النادي أيضًا من محاولة استخدامه من رموز للسلطة، سواء قبل الثورة أو بعدها؛ لكسب شرعية الارتباط بالنادي عبر التظاهر بكونهم من داعميه.

يحاول التقرير التالي استكشاف أبرز محطات النادي التونسي، التي شكلت شهادة هامة على حقب سياسية متباينة فضلًا عن التعرف إلى  خلفية الشعار الذي اشتهر به النادي التونسي، وذاع صيته به وهو «ترجي يادولة»؛ والذي اعتاد أنصاره دومًا على تشجيعه به في مبارياته المحلية والقارية.

«الترجي التونسي».. الطريق لمجابهة الاستعمار

في حي باب سويقة بتونس العاصمة، المنطقة الشاهدة على الحراك الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، قرر عدد من سُكانه بقيادة محمد الزواوي والهادي القلال بحث وسائل جديدة لمجابهة مساعي الفرنسيين لمحو الهوية التونسية؛ ليتفتق ذهن أحدهم خلال إحدى جلساتهم المُتكررة على مقهى يحمل اسم «الترجي» تأسيس نادي رياضي يحمل نفس اسم المقهى في عام 1919، لينال النادي الموافقة الرسمية على تأسيسه يوم 15 يناير من العام نفسه.

Embed from Getty Images

تجمهر أنصار النادي التونسي أمام المقر الرئيس

وتأكيدًا  لدور النادي الوطني، وفعل مقاوم ودفاعًا عن الهوية المحلية؛ أصر مؤسسوه على إضافة صفة تونسي إلى اسم الفريق؛ ليُشكل وسيلة دفاع رئيسية أمام محاولات المُستعمر للروح العربية، وآلية كفاح غير مباشرة لوجوده. ظل النادي التونسي مُمارسًا لهذا الدور حتى نالت تونس استقلاليتها في العام 1950؛ لتبدأ رحلة جديدة لفريق العاصمة، بقاعدة جماهيرية عريضة من العاصمة التونسية، وبالأخص حي باب سويقة، معقل جماهير النادي، مدعوماً من شخصيات رسمية وثيقة الصلة بالنظام، جعلته يستأثر بـ45 لقبًا، منها: 28 لقبًا في الدوري التونسي، وثلاثة في دوري أبطال أفريقيا.

10 ملايين قتيل وأمة مدمرة.. تاريخ استعمار بلجيكا للكونغو البلد الأصلي لـ«لوكاكو»

مع استقلال تونس، وتحقق شعبية استثنائية للترجي في العاصمة والعديد من الولايات، دخل النادي الأكثر جماهيرية في مُعترك حسابات السلطة، التي لاتغيب عنها أبدًا البحث الدائم عن الوسائل المانحة لها شرعية البقاء الأبدي، لتبدأ أولى المحاولات مع محاولات السيطرة على الكيان الرياضي من خلال نجل الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس بعد الاستقلال، فضلًا عن التحاق بورقيبة نفسه بهيئة إدارة فريق «الترجي الرياضي التونسي»، مُستفيدًا من شعبية الفريق صاحب أحد أهم القواعد الجماهيرية في البلاد.

تقول الصحفية التونسية شيراز بن مراد، ومؤسسة موقع «الجمهورية » التونسي، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن الترجي الرياضي التونسي يعتبر من أعرق النوادي التونسية؛ فقد  تحصل على عدة ألقاب محلية وقارية، والتي كان آخرها حصوله مؤخرًا على لقب أفضل نادي في أفريقيا، مٌضيفةً :«طبعا شعبية النادي هامة جدًا؛ وفي العاصمة يوجد فريقان كبيران ميزانيتهما كبيرتان جدًا، وهما الترجي والنادي الأفريقي أيضًا».

كلمة لسليم شيبوب خلال احتفالات النادي التونسي

وتوضح شيراز أن اسم الفريق اقترن أيضًا برجال أعمال هامين ترأسوه، ومنهم رجل الاعمال حمدي المدب وقبله عزيز زهير، «واعتقد أن رؤساءه كانوا من العائلات البرجوازية بالعاصمة»، موضحة أن اسم الفريق اقترن أيضًا قبل الثورة باسم سليم شيبوب صهر الرئيس السابق بن علي.

حين تحوّل الترجي إلى بوابة «الفلول» للعودة من جديد

كان التحول الأهم في علاقة النادي التونسي بالسلطة الرسمية؛ خلال التسعينات وبداية القرن الجديد، بعدما ترأسه فيها سليم شيبوب، صهر الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، وأحد أهم داعمي النادي ماليًا، وحينها تحول النادي تحت رئاسته إلى وصفه من جانب مشجعي الأندية الأخري بأنه «نادي السلطة».

ساعد شيبوب على هذه المهمة السلطات المُفتوحة والنفوذ المُطلق له على قطاع الرياضة في تونس، سواء بصفته مُقربًا من الرئيس الأسبق، أو من خلال منصبه رئيسًا للجنة الأولمبية الرياضية، في تقديم تسهيلات للنادي، وتخصيص دعم مالي مفتوح، ليتحول الكيان الرياضي خلال ولايته لأسطورة كروية، بعدما حقق العشرات من البطولات المحلية والقارية في عهده.

وكان شبيب، الذي تولى رئاسة اللجنة التنفيذية لبطولتي كأس الأمم الأفريقية في تونس 1994 و2004، رمزًا للمحسوبية وفساد النظام المنحل الذي ثأر عليه الشعب التونسي، إذ ألقت قوات من الجيش التونسي القبض عليه، قبل أن تقرر النيابة حبسه في ضوء اتهامات له في قضايا فساد مالي، وتربح غير مشروع؛ ويغيب عن الأضواء لسنوات طويلة؛ حتى عاد مُجددًا من بوابة النادي التونسي أيضًا.

دخلة جماهير النادي التونسي في إحدى مباريات الفريق

بعدما هدأت ثورة الشعب التونسي، وعاد شبيب من الإمارات التي مكث فيها أربعة أعوام هروبًا من أحكام السجن؛ وانقضاء الأحكام القضائية عليه بعد عودته، وإجرائه تفاهمات مع السلطة، بدأ شبيب رحلة استعادة الأضواء مجددًا عن طريق النادي التونسي من خلال المواظبة على حضور مبارياته في المقصورة الرئيسة، قبل أن يعود بشكل رسمي عبر تتويجه بلقب الرئيس الشرفي للنادي من جانب إدارة النادي.

مساعي الشخصيات الرسمية للارتباط بالنادي التونسي بحثًا عن شرعية لدى جمهوره لم تتوقف بعد «ثورة الياسمين»؛ إذ شكل النادي التونسي بوابة لنجل الرئيس التونسي قائد السبسي للدخول للحياة العامة؛ عبر تنصيبه نائبًا لرئيس النادي، إلى جانب مهامه الأخرى وأدواره التي تضاعفت عقب صعود والده لمنصب الرئيس.

«اللاعب والجنرال» كيف مشى صلاح على حبال السيسي دون أن يقع؟!

ولايكُف حافظ، الذي يجهزه بحسب بعض المراقبين والده لتصعيده سياسيًا في منصب الرئيس، بعدما توسعت صلاحياته كمسؤول داخل حزب «نداء تونس»، عن الترويج لنفسه باعتباره منتميًا للنادي عن نشر فيديوهات على صفحته في «فيسبوك» وهو يحتفل مع لاعبي الفريق عقب تتويجهم بالبطولات أو الانتصار في مباريات هامة.

«ترجي يا دولة».. الأحلام تداعب «الترجاوية» في المدرجات

من بين الشعارات التي اشتهر بها النادي التونسي، ورددها أنصاره لمؤازرته وبث روح الانتصار لديه، برز شعار «ترجي يا دولة» الذي يصدح به جماهيره في مبارياته المحلية والقارية،  ليكتسب صيتًا عربيًا واسعًا في كافة الأقطار العربية، وسط تساؤلات من الكثيرين عن مدلوله، وبماذا يرمز أنصاره بوصف الترجي بـ«الدولة».

أغنية «ترجي يادولة» التي اشتهر بها محبو النادي

بدورها تسرد شيراز بن مراد قصص شعارات النادي، وتقول: «أنصار النادي يرفعون هذا الشعار في كل المقابلات حتى لا ينسى الخصم أن الترجي فريق كبير وعريق، وتستشهد على أهميته بالنسبة لجماهيره، الشعار ستجده مكتوباً بخط واضح وكبير على جدران العاصمة، وبالأخص بجهة «باب سويقة» حيث المقر التاريخي للنادي».

بحسب شيراز، فهذا الشعار ليس له مدلول سياسي؛ بل هو دليل على أن النادي كبير بأنصاره وألقابه، وكل ما يرافق ذلك من خيال وأحلام، لكنها تستدرك: «جماهيره قد توظف طاقتها الواسعة، وتجمعاتها التي تصل بالآلاف لترديد شعارات سياسية تعكس مواقفها تجاه قضايا بعينها، سواء داخل تونس أو في العالم العربي». واحدة من هذه المواقف التي تحكي عنها شيراز ظهرت في أكثر من مباراة للفريق في الدوري التونسي خلال هذا العام؛ حين رفع مناصروه ممن عرف عنهم «فدائيو الترجي» شعارات داعمة فسلطين مثل «إلا غزة يا بني صهيون».

يوسف بن على، 27 عامًا، هو واحد من جماهير نادي الترجي التونسي، وأحد أعضاء «ألتراس المكشخين»، وهي التسمية الرسمية التي اشتهر بها محبي الترجي التونسي، وهو أول ألتراس رسمي في تونس والعالم العربي، يحكي عن بدايات انضمامه لمشجعي النادي لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «كانت أول مُشاركة رسمية لي عضوًا في الألتراس في دوري 2002 – 2003، حين لعب فريق الترجي أمام نادي الملعب التونسي، يتذكر هذه الفترة، قائلًا: «اتفقت مع عشرات من أعضاء الألتراس على تنظيم دخلة للنادي في بداية المُبارة، وكانت عبارة عن صورة بالألوان لفريق الترجي ولاعب صورة بالزي الرسمي للنادي، وسط ترديد شعار «بالروح بالدم نفديك ياترجي».

بعض أهازيج النادي التونسي التي يرددها أنصاره

كانت المجموعة في بداية التأسيس، لا يتجاوز أعدادها 100 فرد، وذلك في يوليو (تموز) 2002، قبل أن ينضم إليهم المئات لتصل إلى الآلاف من محبي النادي التونسي، وفقًا ليوسف، الذي يشير إلى اتفاقهم منذ بداية التأسيس على التشجيع بطرق غير مألوفة، كإطلاق توصيف على أنفسهم بأنهم «فدائيو الترجي»، فضلًا عن اتجاههم مؤخرًا لتمويل أنفسهم ذاتيًا عبر تسويق للمنتجات الخاصة بها من قبعات وقمصان.

من بينوشيه إلى الأسد.. كيف توظف الأنظمة الشمولية كأس العالم سياسيًّا؟

ويوجد لهذه المجموعة صفحة رسمية على موقع «فيسبوك»، تأسست عام 2009، ويصل عدد متابعيها نحو 57 ألف، وتهتم بنشر أخبار جماهير النادي، وتروج شعاراته التي يرفعها دومًا في مبارياته، وهي كذلك معنية بنشر نقاط تجمع جمهور الفريق في مبارياته المحلية والدولية. وعن أصل شعار «ترجي يادولة»، يجيب يوسف: «لايوجد أي مدلول سياسي لهذا الشعار؛ هو مجرد تعبير عن فخرنا بنادينا، فنحن فدائيون له، على العهد ماضون، نتعامل مع النادي كدولة؛ منتمون لها؛ فنحن عُشاق للدولة الترجية».

المصادر

عرض التعليقات