قبرص.. جزيرة جميلة تقع في شمال شرق حوض البحر الأبيض المتوسط. يزورها السياح من كل أرجاء العالم، كوجهة سياحية مميزة؛ لكن تاريخها على الرغم من ذلك يحمل بعض الحقائق الغائبة عن الكثيرين. إذ أعقب استقلال قبرص عن الاحتلال البريطاني عام 1960 عدة مشاحنات دستورية وسياسية. تصاعد خلالها التوتر ما بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين في الجزيرة، حتى انتهى بها الحال مقسمة إلى دولتين. إحداهما تحت السيطرة التركية. فكيف سيطرت تركيا على ثلث الجزيرة لتكون ما يعرف بـ«قبرص التركية»؟

قبرص التركية.. بداية الحكاية

إذا أردنا أن نعرف قصة الانقلاب الذي مكن تركيا من الاستحواذ على جزء كبير من جزيرة قبرص، يجب أن نعرف أولًا بعض الأحداث التاريخية التي مهدت لهذا الانقلاب. تقول عن ذلك المؤرخة زينب أبو سنة في كتابها «تركيا الإسلامية.. الحاضر ظل الماضي»: «وضع الأتراك العثمانيين يدهم على جزيرة قبرص عام 1571، وقد دام الحكم العثماني للجزيرة حتى عام 1878، أي قرابة 300 عام».

تحولت قبرص من ولاية داخل الإمبراطورية العثمانية، إلى جزء جديد يضاف إلى الإمبراطورية البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ تولت بريطانيا إدارة الجزيرة بموجب معاهدة بينها وبين تركيا، وذلك من أجل أن تساعد بريطانيا تركيا في مواجهة روسيا. لم يمض الكثير إلا وأصبحت قبرص إحدى المستعمرات البريطانية عام 1914، واستمر ذلك حتى الاستقلال.

فبموجب معاهدة «زيورخ-لندن» في فبراير (شباط) عام 1959 بين كافة الدول المعنية بالأمر، وهي تركيا واليونان وبريطانيا أعلنت جمهورية قبرص المستقلة عام 1960. في ذلك الوقت، كانت الجزيرة قد أصبحت ثنائية القومية؛ حيث يحيا القبارصة الأتراك جنبًا إلى جنب القبارصة اليونانيين في سلام. إلا أن التوترات الحادة بين الجانبين قد بدأت مع إعلان «الإينوسيس» في نفس العام. وهو إعلان طالب بتوحيد قبرص مع اليونان.

رفض القبارصة الأتراك أن يرضخوا لهذا الإعلان وقاوموا بشدة، ومن هنا بدأت سلسلة من النزاعات بين الطرفين لم تنته حتى يومنا هذا. تقول زينب: إن القبارصة اليونانيين الذين فشلوا في فرض سيطرتهم «غير الشرعية» على الأتراك قد قادوا نزاعًا مسلحًا، وحاولوا إقناع العالم أن القبارصة الأتراك في حالة تمرد على «الحكومة الشرعية» في قبرص. تصاعدت الاشتباكات بين الطرفين، وتدخل كل من تركيا واليونان، ليس من أجل رأب الصدع، بل صراعًا على السيطرة.

أرسلت اليونان قواتها إلى الجزيرة. 20 ألف جندي يقودون الهجمات على المناطق القبرصية التركية، في حين ردت تركيا على ذلك بالغارات الجوية، وفي عام 1964 أرسلت الأمم المتحدة قوات حفظ السلام لدعم الجنود البريطانيين الذين يحرسون ما يسمى بـ«الخط الأخضر»، وهو خطٌ فاصل أنشئ لتقسيم القطاعين التركي واليوناني.

عندما وصلت الطغمة العسكرية للسلطة في اليونان عام 1967، شهدت الأوضاع تطورًا جديدًا؛ فقد حاول الحكم العسكري اليوناني حل الشأن القبرصي بالقوة، بدلًا عن الحلول السياسية طويلة المدى. كانت النتيجة توتر العلاقات مع رئيس قبرص- رئيس الأساقفة مكاريوس الثالث – أول رئيس جمهوري. وفي 15 يوليو (تموز) من عام 1974 حرض نظام أثينا على انقلاب قام به ضباط الجيش اليوناني في قبرص.

«على خطا عبد الناصر»

في خطبة سياسية عام 1848 وقف السياسي البريطاني هنري جون تيمبل يقول: «ليس هناك حلفاء دائمون أو أعداء دائمون. هناك مصالح دائمة، ومن واجبنا أن نتبعها». يبدو أن تلك الجملة العابرة أصبحت فيما بعد حكمة سياسية، يمكن أن نحلل من خلالها تصرفات كثير من الدول. وبالنسبة إلى قبرص بدا مكاريوس الثالث وكأنه يسير على خطا عبد الناصر، في اتجاه اليسارية، ويقوم بلعبته بين قوتين متفجرتين، هما تركيا واليونان، وكلاهما يخشى من الاتحاد السوفيتي.

«قبل الانقلاب ظلت قبرص هادئة معظم فترة ولاية الرئيس الأمريكي نيكسون الأول، إلا أن النزاعات ظلت قائمة بين المجموعتين العرقيتين، وفي عام 1972 علمنا بوصول آلاف قطع السلاح التشيكية إلى القبرصيين اليساريين، بمباركة مكاريوس»، هكذا أشار الباحث السياسي الأمريكي هنري كيسنجر في كتابه «سنوات التجديد»، مُضيفًا أن الأسلحة التي وصلت إلى القبارصة من اليساريين الشيوعيين قد أثارت غضب الطغمة العسكرية اليونانية المعادية للشيوعية.

رئيس الأساقفة والرئيس القبرصي الأول مكاريوس الثالث

قبل ذلك الوقت كان مكاريوس واحدًا ممن دعوا إلى الاتحاد مع اليونان في ستينات القرن العشرين، وقد نال لذلك تأييد النظام اليوناني، إلا أنه وجد في عبد الناصر مثالًا يحتذى به، ورأى مصلحته في الاتحاد مع السوفيتيين، إلى جانب تضييق الخناق على القبارصة الأتراك، ورفض كل دعوات الانفصال، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى انقلاب النظام اليوناني ضده؛ فقد أرسلوا إليه إنذارًا بوضع الأسلحة التشيكية تحت تصرف الأمم المتحدة، ودعوا إلى إعادة تشكيل الحكومة القبرصية على نطاقٍ واسع.

سعى النظام العسكري اليوناني خوفًا من سيطرة روسيا على الجزيرة القبرصية إلى تقليب الكنيسة الأرثوذكسية ضد مكاريوس الثالث، فدعا ثلاثة مطارنة يونانيين قبرصيين حينها بدعمٍ من الطغمة العسكرية إلى انفصال السلطة الروحانية عن السلطة المادية، وظهرت دعوات تطالب مكاريوس بالتنحي عن الرئاسة.

من جانبه وافق مكاريوس على وضع الأسلحة التشيكية تحت تصرف الأمم المتحدة، وأعاد تشكيل حكومته، ومن ثم استدعت الكنيسة الأرثوذكسية القبرصية الثلاثة مطارنة الثائرين، وجرى استبعادهم، إلا أن الوضع في قبرص ظلَّ محتدمًا وعلى وشك الانفجار في أية لحظة.

«كان فقدان السيطرة على الوضع في قبرص إلى حدٍ كبير يعود إلى أفعال مكاريوس الذي كان يجرب براعته»، بحسب كيسنجر. إذ رأى أن مكاريوس في الثاني من يوليو (تموز) قبل الانقلاب بأيامٍ أرسل للرئيس اليوناني يعلمه أنه سيقلص تعداد «الحرس الوطني القبرصي» من الضباط اليونانيين الذين يشرفون عليه، وهو الأمر الذي عنى لأثينا تقلص النفوذ اليوناني في قبرص، في مقابل زيادة النفوذ اليساري.

بعد إطلاق «عملية المخلب».. هل تنفلت تركيا نحو تدخل عسكري كبير في العراق؟

زلزال سياسي يعصف بالجزيرة

«في ساعات الصباح الباكر، من 15 يوليو 1974، استيقظ العالم على أخبارٍ تفيد أن «الحرس الوطني القبرصي» قام أثناء الليل بانقلابٍ عسكري في قبرص» *هنري كيسنجر

خشي «الحرس الوطني القبرصي» في ذلك الوقت من خطة مكاريوس الثالث لتقليص عدد الضباط اليونانيين، ومن هنا سعى للقضاء على خطته، عن طريق الوصولِ إلى السلطة بدعمٍ من الطغمة العسكرية اليونانية في أثينا. انتشرت حينها أنباء عن مقتل مكاريوس واحتلال القصر الجمهوري، وأن رجلًا غير معروف يدعى نيكسون سامبسون قد أُعلن رئيسًا لقبرص.

كانت كل الأخبار عن سامبسون تشير إلى أنه من رجال المدفعية. قالوا إنه قتل 12 رجلًا أثناء صدامات عرقية في المناطق القبرصية التركية. كما أشاعوا أنه سيبقي على الترتيبات الدستورية الخاصة ببقاء وحدة قبرص مع اليونان. كانت تلك الأخبار بمثابة الشرارة التي أشعلت الحرب. إذا كانت تركيا قد خشيت في السنوات السابقة ازدياد النفوذ اليوناني داخل الجزيرة عقب أحداث 1964 و1967|، فكيف لها أن تتصرف بعد أن أصبحت قبرص مقاطعة يونانية؟

الانقلاب العسكري على  الرئيس مكاريوس الثالث

يقول كيسنجر عن انعكاس اللحظات الأولى من الانقلاب على الولايات المتحدة الأمريكية، أن الهم الأكبر لواشنطن كان «أن تحول دون وقوع حرب بين دولتين حليفتين في «الناتو»، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدمر الجناح الشرقي للتحالف ويفتح الطريق أمام تسلل الاتحاد السوفيتي إلى البحر الأبيض المتوسط». ولهذا أرسلت الولايات رسائل لكل من أثينا وأنقرة تعلن فيها رفض «وحدة قبرص واليونان».

لم يهدأ الموقف الأمريكي من الأوضاعِ في قبرص؛ فقد ظهر مكاريوس بعد ذلك في لندن يطالب باستعادة حكمه من جديد، في حين ظهرت اقتراحات بحكمٍ مشترك لقبرص يدمج بين تركيا واليونان، وعندما باءت تلك المفاوضات بالفشل بدأت استعدادات عسكرية تركية لغزو قبرص.

أما عن المصادر اليونانية، فقد أشار المؤرخون والوزراء اليونانيون أن الانقلاب كان بهدف الإطاحة بالرئيس مكاريوس، وذلك بحسبِ ملفات سرية للمجلس العسكري اليوناني في أثينا. وعقب صراع على السلطة ما بين «الحرس الوطني» ومكاريوس.

وفي ذكرى الانقلاب يتذكر اليونانيون هذا اليوم بصفاراتِ الإنذار التي اندلعت في الثامنة والنصف صباحًا، تُعلن الإطاحة بالرئيس مكاريوس الثالث من قبل المجلس العسكري اليوناني حينذاك، مُشيرين إلى أن الانقلاب كان الذريعة التي استخدمتها تركيا لغزو الجزيرة بعد أسبوع واحد فقط. عن ذلك قال الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس عبر حسابه على «تويتر»: «اتخذت تركيا من الانقلاب ذريعة لتحقيق مساعيها القديمة في قبرص، منتهكة في ذلك القانون الدولي وسيادة جمهورية قبرص».

الاقتحام التركي لقبرص.. هل كان ثمة دوافع خفية؟

تشير بعض المصادر إلى أن الاقتحام التركي لجزيرة قبرص قد نبع من اضطهاد الأقلية القبرصية التركية المسلمة على أيدي القبارصة اليونانيين الأرثوذكسين، وهو ما نتج عنه في النهاية انفصال «قبرص الشمالية» عن جزيرة قبرص، وتكوين دولة مستقلة غير معترف بها دوليًا سوى من قبل تركيا. فهل كان الغزو التركي لنصرة الأقلية التركية المضطهدة فعلًا؟

منذ أيام نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرًا عن الصراع الدائر ما بين اليونان وتركيا إبان الفترة الماضية؛ حيث حثت اليونان وقبرص الاتحاد الأوروبي على اتخاذ تدابير عقابية ضد تركيا، وذلك بسبب التنقيب عن الطاقة في بحر إيجه. تلك الأزمة التي استمرت منذ منتصف القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي؛ فقد كان لتركيا الحق بموجب «معاهدة لوزان» التي وقعتها مع الحلفاء عام 1923، في التنقيب عن البترول ومصادر الطاقة في بحر إيجه، وقد أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر من مرة إلى أن بلاده و«قبرص الشمالية» لن يتوقفا عن التنقيب المتعلق بالطاقة – بحسب تعبيره – «من أجل أقلية معارضة» .

كانت جمهورية قبرص وتركيا في صراع دائم على رواسب الغاز الطبيعي – بحسب «الجارديان» – في عمق شرق البحر المتوسط، وهو الأمر الذي أدانه الرئيس القبرصي، أناستاسيادس، واصفًا إياه بانتهاك أراضي جمهورية ذات سيادة.

بدأ الصراع على النفط في بحر إيجة بين تركيا واليونان منذ ستينات القرن العشرين؛ فقد هدد الجانبان بتدخلٍ عسكري في أبريل (نيسان) من عام 1974، ليس حول قبرص، ولكن بسبب عمليات استكشافية تتعلق بالنفط، بحسب كيسنجر. كان هذا الصراع يدور جنبًا إلى جنب الصراع العرقي في قبرص بين القبارصة اليونانيين ونظرائهم الأتراك.

الاجتياح التركي لجزيرة قبرص 1974

تقول المصادر التركية عن الغزو: إن عام 1974 قد شهد العديد من المذابح في حق القبرصيين الأتراك؛ حيث اعترف أحد القبرصيين اليونانيين يدعى أندرياس ديميتريو، يبلغ من العمر 67 عامًا، أن قوات القبارصة اليونانيين قد ارتكبوا العديد من الفظائع في قرية تسكنت، حين جرى تجميع الرجال الأتراك في مدرسة القرية، والنساء في أحد المنازل القريبة، ثم اغتصبت النساء، وقتل الرجال بعدما نقلوا عبر حافلاتٍ تابعة لليونانيين، ودفنوا في مقابر جماعية.

وتتحدث المصادر عن أن الغزو التركي «قد جاء نتيجة سنوات من التعامل الوحشي مع القبرصيين الأتراك امتدت لعقد كامل من الزمن» وتضيف: «حان الوقت للاعتراف بالوقائع المأساوية التي حدثت إبان فترة النزاع، وأن يتحمل المجرمون الحقيقيون نتيجة أفعالهم ضد الشعب القبرصي التركي».

أما عن غزو يوليو 1974 فقد أطلق عليه اسم «عملية أتيلا»، حيث اجتاحت القوات التركية الجزيرة القبرصية في 20 يوليو بعد أيام من الانقلاب، وانتهى الغزو في 16 أغسطس (آب) من نفس العام. بحلول هذا الوقت كانت القوات التركية قد احتلت ما يزيد عن ثلث الجزيرة، تحت اسم الأقلية القبرصية التركية، والتي تمثل خمس عدد سكان الجزيرة حوالي 24%.

استيقظ القبرصيون في الثامنة صباحًا على أصوات الرصاص والانفجارات، لم تكن خمسة أيام قد مضت حينها على الانقلاب، وها هي الطائرات التركية تحلق في السماء على ارتفاعٍ منخفض، ويهبط منها جنود بمظلات، مهمتهم تعزيز جبهة القبارصة الأتراك في شمال الجزيرة.

بدأ الجيش التركي بنشر قواته غرب بلدة كيرينيا لتفريغ المواد الثقيلة والدبابات ووحدات المدفعية، وقد بدا أن التخطيط للغزو كان مجهزًا من سنوات. اجتاحت القوات البحرية والجوية التركية قوات «الحرس الوطني القبرصي»، واستطاعت خلال ذلك تجميع القبرصيين الأتراك في الجزء الشمالي من الجزيرة، وسيطرت تركيا على المناطق التي تطالب بها، ونتج عن ذلك دعوات بانفصالِ قبرص الشمالية وإعلانها دولة مستقلة.

خلال هذا الوقت كانت المفاوضات بين الدول المتنازعة تتم بمساعي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تناولت الحكم الكونفدرالي حلًا للنزاع المتفاقم بين اليونانيين والأتراك، إلا أن تلك المساعي قد باءت بالفشل؛ فقد كان الطرف اليوناني إما يقابل تلك الصيغة بالتسويف، أو الرفض التام، وهو ما اضطر الأتراك في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1983 إلى اتخاذ الخطوة التصعيدية الأخيرة وإعلان «قبرص التركية الشمالية» جمهورية مستقلة. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا الجزء من الجزيرة تحت رعاية تركيا.

بعد 8 سنوات من الثورة.. هل حان موعد اندلاع مواجهة بين الأسد وتركيا؟

المصادر

تحميل المزيد