حُذفت هذه المادة في فبراير (شباط) 2021 لمخالفتها قاعدة الموضوعية ووضع القصة في سياقها الشامل، التي نصت عليها السياسة التحريرية لـ«ساسة بوست»، فقد تبنت المادة منظورًا واحدًا لرؤية القضية المطروحة، دون المراعاة الكافية للمنظور الثاني.

فقد سردت هذه المادة رواية أوروبية خالصة للقرصنة والاتجار بالعبيد البيض في البحر المتوسط، دون النظر إلى الأبعاد الأخرى للقصة، والروايات غير الأوروبية لها، وفي السطور التالية أردنا أن نقدم لك بعض الزوايا التي تناولتها المادة من وجهة نظر واحدة دون ذكر السياق الكامل. 

قرصنة أم جهاد بحري.. رواية المغلوب أمام المنتصر؟

يبدأ تقرير «سيد أسود» بعرض قصة تعرُّض أوروبا لهجوم خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر على يد قراصنة من شمال أفريقيا كانوا يستهدفون السفن البريطانية، ويسرقونها كاملة بما عليها من بشر، فيحتفظون بالغنائم لأنفسهم، ويبيعون البحارة بيض البشرة للأسياد ذوي البشرة الأغمق في طرابلس، وتونس، والمغرب، أما نصيب الأسد من هؤلاء العبيد فكان يذهب إلى الجزائر.

Embed from Getty Images

لم يكتفِ القراصنة بمهاجمة السفن والبحارة؛ فالغارات شملت في بعض الأحيان الهجوم على المستوطنات الساحلية والزحف إلى القرى في الظلام، لاختطاف ضحاياهم والهرب بهم قبل أن يكتشفهم أحد.

البُعد التاريخي الغائب في تلك القصة أنَّ أوروبا في ذلك التوقيت كانت أمة منتصرة استطاعت وقف الزحف الإسلامي على أراضيها، والثأر من إسقاط القسطنطينية عام 1453 ميلاديًّا، وكانت قلب المسيحية في أوروبا 11 قرنًا قبل أن ينتزعها السلطان العثماني محمد الفاتح، كما أنَّ حملات الاسترداد في شبه الجزيرة الأيبيرية توجت أخيرًا بإسقاط الأندلس.

الأمة المغلوبة سُرعان ما فُرض عليها اسم جديد أُطلق للتحقير؛ فهم «الموريسكيون» الذين بقوا في إسبانيا تحت الحكم المسيحي، وبعدما أصدر ملك إسبانيا، فيليب الثالث، مرسوم طرد المورسكيين عام 1609، أو البقاء واعتناق المسيحية، قررت البقية الباقية منهم الرحيل إلى شمال أفريقيا، حيث أسسوا بعدها جمهورية «سلا» – المغرب حاليًا – والتي أغارت على أوروبا، وخاصة إسبانيا، انتقامًا لدولتهم الضائعة، وهو ما لم يذكره التقرير في القصة الكاملة للأحداث، واكتفى بتسميته قرصنة.

ما لم يذكره تقرير «سيد أسود وعبد أبيض» أنَّ عمليات القرصنة لم تكن حكرًا على الشاطئ الإسلامي الأفريقي، فالأوروبيون أيضًا مارسوا ذلك النوع من التجارة ضد أعدائهم السود، وفي عام 1619، استقدمت مستعمرة فرجينيا الإنجليزية أول شحنة من العبيد إلى أمريكا الشمالية، وهو بداية تاريخ العبودية قبل قيام الولايات المتحدة، في دلالة على أنَّ أعمال القرصنة لم تكن حكرًا على المسلمين وحدهم.

ويرجح مؤرخون أوروبيون أن الجهاد البحري مكَّن المسلمون في شمال أفريقيا من الاستيلاء على مئات السفن التجارية الأوروبية، وأسروا ما يتراوح بين 800 ألف و1.25 مليون من الأوروبيين عبيدًا، خلال الفترة ما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، في ذروة حرب دائرة بين الشمال والجنوب.

من أرشيفهم.. لماذا روايتنا عن حرب أمريكا مع القراصنة خاطئة؟

يذكر تقرير «سيد أسود وعبد أبيض» تحت عنوان «أمريكا تنهي الأمر للأبد»: قصة حرب طرابلس المذكورة في النشيد الرسمي للبحرية الأمريكية، قائلًا: « إذا أردت لسفنك التجارية أن تمر بسلام في المنطقة البحرية التي يسيطر عليها القراصنة في ذاك الوقت؛ كان عليك دفع الجزية التي فرضوها على الدول الأوروبية، وهو الأمر الذي كان يسير على ما يرام؛ حتى واجه القراصنة عدوًّا جديدًا في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس توماس جيفرسون التوقف عن دفع الجزية؛ لتشتعل حرب بين البحرية الأمريكية والتي كانت في مهدها بذلك الوقت، وبين القراصنة الأفريقيين».

Embed from Getty Images

تاريخ تلك السطور يعود فعليًّا إلى العام 1801، ولكن الخطأ الوحيد فيها، أنَّ الولايات المتحدة لم تكن تحارب قراصنة، إنما كانت في مواجهة بحرية من جيش نظامي في طرابلس تابعٍ للدولة العثمانية آنذاك التي كانت تفرض ضرائب على كل السفن المارة في البحار، مقابل حمايتهم من القراصنة المدعومين آنذاك من بريطانيا وفرنسا.

يقول موقع: «مكتب التاريخ» التابع لوزارة الخزانة الأمريكية: «لم تكن ممارسة القرصنة المدعومة من الدولة وفدية الأسرى أمرًا غريبًا تمامًا في ذلك الوقت، كلفت العديد من الدول الأوروبية القراصنة بمهاجمة سفن الشحن الخاصة ببعضهم البعض، وشاركوا أيضًا في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي».

قبل استقلال الأمريكيين عن بريطانيا عام 1766، كانت السفن الأمريكية تتمتع بحماية البحرية البريطانية، وبعدما خرجت أمريكا عن التاج البريطاني، سارع البريطانيون لإبلاغ دول ساحل شمال أفريقيا بأن السفن الأمريكية مفتوحة للهجوم، وهو ما كان دافعًا للبحارة الأتراك لمهاجمة أي سفينة ترفع أعلامًا أمريكية.

وفي عام 1785، استُولي على 11 سفينة أخرى تخص الولايات المتحدة الأمريكية، وساقوها إلى السواحل الجزائرية التي كانت ولاية عثمانية اسمية آنذاك؛ ولما كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية، اضطرت لتوقيع معاهدة مع الحاكم العثماني في الجزائر عام 1795 مقابل الإفراج عن الأسرى وعدم التعرض لسفنها، وهي المعاهدة التي سببت الحرب لاحقًا.

بعد ذلك أقر الكونجرس الأمريكي قانون تأسيس أسطول بحري لحماية السفن الأمريكية، ثم امتنعت بعد ذلك عن دفع الجزية التي أقرتها الدولة العثمانية، ليخرج جيش بحري من القوات البحرية للبحث عن السفن الأمريكية، والاستيلاء عليها، لكنَّ الرئيس الأمريكي آنذاك، توماس جيفرسون، كان قد أصدر أوامره للبحرية الأمريكية للانطلاق، لتبدأ معركة حرب طرابلس.

رجحت الحرب في البداية كفة الدولة العثمانية، ثم انتهت بالانتصار الأمريكي الذي كان دافعًا قويًّا للأمريكيين بعدها للاهتمام بقوة البحرية الأمريكية التي تتخذ من تلك الحرب شعارًا رسميًّا لنشيد البحرية يقول في مطلعه: «من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر». 

ويمكنك الاطلاع على التقرير التالي لمعرفة تاريخ الحرب المنسية التي هزم فيها الليبيون القوات الأمريكية:

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
حين اجتاحت «أساطيل الانتقام» البرتغالي قلب العالم الإسلامي

 

المصادر

تحميل المزيد