على نحوٍ مُفاجئ انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، وبات الحديث يدور بشكلٍ كبير حول مستقبل اللواء المتقاعد خليفة حفتر في المشهد السياسي الليبي في أعقاب هزيمته المدوية التي لحقت بقواته بعد فشل حملته العسكرية على العاصمة الليبية طرابلس؛ وبعد خسارته الكاملة لغرب ليبيا، لم يتبق له في الوسط سوى مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية، وسقوطهما يعني تلقائيًا سقوط الجنوب، وبالتالي تكون المنطقة الغربية والوسطى والجنوبية في قبضة حكومة الوفاق.

ووفق ذلك السيناريو المحتمل، تراجع حفتر العسكري سيؤثر بالضرورة في موقفه التفاوضي في أية مباحثات مقبلة، خاصة أنّه بتلك الهزائم سيكون قد عاد للتو إلى ما كان عليه قبل صعوده في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2016، منزوع الشرعية والنفوذ، وهو السبب الذي دفع الحلفاء للتخبط بحثًا عن البديل أو إعادة تقييم الموقف، ورغم كل العثرات الواضحة، إلا أنّ أمير الحرب الليبى ربما ما زال يمتلك أدوات للبقاء. التقرير التالي يشرح لك أوراق القوة التي لا يزال حفتر يمتلكها للمناورة في ظل هزائمه الكبرى.

الورقة العسكرية.. معركة الحسم لم تبدأ بعد

بعد يومٍ واحد من ظهور الجنرال الليبي المهزوم في قلب القاهرة للإعلان عن استعداده القبول بوقف إطلاق النار، والعودة مرة أخرى للمحادثات السياسية، كان القلق لا زال حاضرًا في الجهة الأخرى المنتصرة، فوزير داخلية حكومة الوفاق، وعرّاب التدخل التركي، فتحي باشاغا كان قد اعترف لمجلة «بلوميرج» الأمريكية بأنّ قرار القبول بالتفاوض مع شرق ليبيا وفرض الشروط، مرهون باستعادة مدينة سرت، وقاعدة الجفرة.

ورغم أنّ «باشاغا» كشف أنّ خطة الوفاق العسكرية لا تتضمن التقدم في الشرق بعد الاستحواذ على الجفرة وسرت، إلا أنّ بقاءهما خارج السيطرة يمنح روسيا فرصة إقامة قواعد عسكرية، وهو ما يهدد مكتسبات المعركة، ومستقبل التفاوض بالنسبة لجانب الوفاق.

ومن وجهة نظر عسكرية، كان هذا هو العامل الوحيد الذي دفع حكومة الوفاق لحشد قواتها صوب مدينة سرت استعدادًا لاقتحامها، في الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوطات الدولية والعربية لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات السياسية.

وتكمن أهمية مدينة «سرت» الليبية في كونها تتوسط الطريق بين طرابلس وبنغازي، ما يجعلها جغرافيًا أشبه ببوابة الشرق الليبي، ومفرق العبور إلى العاصمة في الغرب، وبخلاف خصوصيتها السياسية التي تتمتع بها نظرًا لكونها مسقط رأس معمر القذافي وقبيلته التي تدعم حفتر، فإنّ أهميتها الحقيقية تتمثل في أنها بوابة العبور إلى منطقة الهلال النفطي الاستراتيجية التي تستحوذ على 80% من النفط الليبي.

أمّا قاعدة الجفرة الجوية التي تقبع في قلب وسط صحراء ليبيا، فهي باعتراف حكومة الوفاق أخطر القواعد التي استخدمها حفتر في هجومه على العاصمة، لذا فالسيطرة عليها تعني انتهاء الفصل الأخير من معركة طرابلس، إضافة إلى إنّ الجنوب الليبي سيكون معرضًا للسقوط، بينما شرق ليبيا سيصبح جبهة مكشوفة، وبحسب تقرير صادرٍ عن الأمم المتحدة، فالقاعدة تتمركز فيها قوات سودانية من الدعم السريع، وعدد من مرتزقة شاركة فاجنر الروسية، وقوات من تشاد، كما زودت الإمارات الجفرة بمنظومة دفاع جوي روسية متطورة.

استمرار استحواذ حفتر على المدينة والقاعدة الجوية ومن ورائهما حقول النفط يعطي الجنرال الليبي أوراق قوةٍ يُنتظر أن يوظفها للاستثمار في نقاط ضعف حكومة الوفاق التي تتوقف طموحاتها العسكرية على اعتبارات إقليمية بالنظر إلى حرب الوكالة التي تشهدها الساحة الليبية، بالإضافة إلى ميزانية اقتصادية لا تمتلكها الوفاق كما يظهر في البيانات الرسمية لمصرف ليبيا المركزي قبل شهرين، والتي أظهرت تبديد الاحتياطي النقدي إلى ما دون 76.8 مليار دولار، مقابل 134.5 مليار دولار بنهاية عام 2010.

يرى الصافي المصري في راديو «SBS Arabic24»، عبدالله كمال أنّ معارك حكومة الوفاق النفطية خاسرة لأنّ الدول أصحاب المصالح لن تسمح لها بالسيطرة عليها، وفي خطةٍ بديلة سيتوجب على الوفاق الاتجاه جنوبًا، حيث حقل الشرارة النفطي –يساهم بنحو 15% من النفط الليبي- ومن الممكن أن يضع الوفاق في موقع تفاوضي جيد، ويمنح حكومة طرابلس بعض العوائد التي حُرمت منها منذ إغلاق حفتر لحقول النفط الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتتجاوز الخسائر حتى الآن 4 مليارات دولار بحسب المؤسسة الوطنية للنفط.

وبالرغم من خسارة حفتر الأخيرة، فلم يزل الجنرال الليبي يحصل على مظلة عسكرية سخية من حلفائه، إضافة لجبهات قتال قوية ممثلة في شرق ووسط ليبيا التي تحتوي على قواعد جوية، وقبائل موالية، وآبار نفط، إضافة إلى أوراق قوة أخرى؛ ما يعني أنّ الوفاق لم تحقق ذروة انتصاراتها، لأن معركة الحسم لم تبدأ بعد.

الورقة السياسية.. حفتر لن يرضخ لحلفائه ولن يستسلم لخصومه

«ساسة بوست» تواصل مع عبد الحميد الحصادي، مسئول بوزارة الإعلام الليبية التابعة لحكومة الوفاق، وشقيق منصور الحصادي، عضو مجلس الأعلى للدولة، وبسؤاله كيف تُرتب الوفاق أوراق القوة التي يمتلكها حفتر أجاب: «المبادرة السياسية التي اقترحها عقيلة صالح، هي ركيزة قوة يحاول حفتر منها إيجاد دور له في المشهد القادم، حتى وإن كان هدفها الرئيس التخلص منه».

في أبريل (نيسان) الماضي، طرح رئيس البرلمان الليبي المنتخب عقيلة صالح طرح مبادرة سياسية تتلخص في تشكيل مجلس رئاسي بالتوافق أو بالتصويت بين ممثلي أقاليم ليبيا الثلاثة، تحت إشراف الأمم المتحدة، يقوم بعد اعتماده بتسمية رئيس للوزراء ونواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة، لتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء، وصولًا في النهاية إلى صياغة دستور للبلاد بالتوافق، يتم بعده تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

اللافت أنّ المبادرة تضمنت أنّ الإقليم الذي يُختار منه رئيس المجلس الرئاسي لا يختار منه رئيس الوزراء، مع التأكيد على أنه لا يحق لرئيس المجلس الرئاسي ونوابه الترشح لرئاسة الدولة في أول انتخابات رئاسية، وأن يكون للقوات المسلحة حق ترشيح وزير الدفاع، ما يعني تضاؤل فرص المنتصر فايز السراج مستقبلًا في المشهد السياسي، مقابل المهزوم خليفة حفتر.

مبادرة صالح هي نفسها التي أعلنها مؤخرًا الرئيس المصري فيما عُرف بمبادرة القاهرة التي وصفتها تركيا بأنها ولدت ميتة، وهي نفسها مخرجات مؤتمر «برلين» الذي عُقد في يناير الماضي، وهي الصيغة الأكثر توافقًا بعد تعديل اتفاق «الصخيرات» -التسوية الأهم في تاريخ الأزمة-.

ورغم أنّ مبادرة برلين حظيت بدعم أنقرة وحكومة الوفاق وقتها، إلا أنّ الخلاف حولها كان يندرج بسبب وجود حفتر، والآن ما زال مصدر سياسي ليبي مقرب من حفتر يقول لموقع «مدى مصر»: «إذا وجد الأتراك أنه من الضروري أن يطلبوا من السراج التقاعد باعتبار ذلك جزءًا من صفقة سياسية من شأنها إبعاد حفتر، فإنهم لن يمانعوا ولن يمانع السراج بالضرورة»، لكنّ الأزمة الحقيقة تتمثل في السؤال المنسي: هل يرضخ حفتر لحلفائه؟

خروج حفتر من المشهد السياسي يستلزم ترتيباتٍ معقدة في رحلة البحث عن بديل، وبدء مرحلة إقناع قيادات إقليم برقة الاجتماعية والعسكرية بالقائد الجديد، هي الترتيبات التي بدأتها بالفعل المخابرات المصرية قبل أيام، بحسب ما كشفها مصدر من برلمان طبرق لموقع «عربي بوست»، لكنها لم تسفر عن أية نتائج حتى الآن.

وتكمن الأزمة بحسب التسريبات في كون الشخصيات التي قدّمها عقيلة صالح من أجل اعتمادها لم تحظ على موافقة القاهرة، والأمر نفسه تكرر حين لم تصل مباحثات المخابرات المصرية إلى نتيجة مع أعيان إقليم برقة، في وقتٍ نجا فيه عقيلة صالح من محاولة اغتيالٍ استهدفته، بحسب ما كشفه موقع «العربي الجديد» نقلًا عن مصادر.

ومع أزمة وجود بديلٍ توافقيٍ في ظل تعقيدات المشهد السياسي، يظل حفتر حاضرًا في أي حوارات مقبلة، وهو الذي تحقق بالفعل، فرغم رفض حكومة الوفاق التفاوض مع حفتر، إلا أن الطرفان انخرطا بشكلٍ كاملٍ في الجولة الثالثة من محادثات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5).

أحد أكبر الأسباب التي تمنع حفتر من الخروج من المشهد السياسي سواء بالنسبة لحلفائه أو خصومه بالرغم من أن هزيمته العسكرية هي ورقة الجيش، فالجنرال الليبي برع في استغلال إمكاناته العسكرية حتى النهاية للتخلص من تعقيدات المشهد التي قد لا تؤول لصالحه، واللواء المتقاعد حتى اللحظة يمتلك نواة لجيش نظامي، على عكس القوات المدنية والميليشيات التي تقاتل مع حكومة الوفاق، وتتشكك الأمم المتحدة في قدرة تلك القوات على إعادة الاستقرار إلى ليبيا بخلاف قوات حفتر.

يلفت عبد الحميد الحصادي الانتباه لأهمية تلك الورقة في قلب المعادلة من الجهتين قائلًا: «يستطيع حفتر عبر جيشه التلويح والضغط بتقسيم ليبيا وعرض نفسه رئيسًا مؤقتًا لليبيا الشرقية في حال رفضت الوفاق مبادرة عقيلة صالح، أو في حال قررت جهة أخرى التخلي عنه».

الورقة الاقتصادية.. من يحفظ مصالح الحلفاء؟

وفي الوقت الذي نقلت فيه مواقع استخباراتية عن خلاف في صفوف حلفاء حفتر (مصر وروسيا والإمارات وفرنسا) في محاولة إيجاد بديل، خاصة بعدما فشل الأخير في حسم معركة طرابلس، كما أخفق في المعادلة برمتها على جانب سياسي وعسكري، رغم الدعم غير المحدود ماليًا وعسكريًا وسياسيًا الذي يتلقاه من حلفائه، وهو الذي استدعى سابقًا اتفاقًا روسيًا تركيًا بشأن انسحاب قوات فاجنر من محاور القتال في جنوب طرابلس، بحسب ما كشفته موقع «المونيتور» الأمريكي، وأكدته سابقًا وكالة الأناضول التركية.

وعلى الجبهة الداخلية، اشتبك حفتر في صراعٍ غير مُعلن مع رئيس البرلمان الليبي، وأبرز حلفائه السياسيين المعترف بهم دوليًّا، عقيلة صالح، والصراع بدأ منذ خاض حفتر مغامرة بإعلانه إسقاط العملية السياسية بما فيها اتفاق الصخيرات والبرلمان الذي أعطاه لقب قائد الجيش، وأعلن نفسه حاكمًا على ليبيا بتفويض شعبي جديد.

ورغم الخلافات التي تصدع جبهة حفتر، إلا أنّه ما زال مدعومًا حتى اللحظة من حلفائه الذين لم ينزعوا عنه مظلة الدعم لأسبابٍ اقتصادية، ولاعتباراتٍ متعلقة بالتوزانات الإقليمية. يقول الصحفي الليبي عبدالرحمن السويحلي لـ «ساسة بوست»: «لن تتخلى أية دولةٍ عن حفتر إلا إذا ضمنت أنها ستظل الطرف الأقوى في المعادلة الليبية، وهي حرب بالوكالة جديدة داخل الحرب الأم، فروسيا التي تلعب لتظل الطرف الأقوى في ليبيا، كانت تترك حفتر أحيانًا للهزيمة حين وصلت لصيغة تفاوض مرضية مع تركيا».

الإمارات أيضًا التي يذكر موقع «إنتلجنس أون لاين» الفرنسي الاستخباراتي بأنّ ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد تعب من رؤية إنفاق أموال الإمارات على قوات حفتر دون جدوى، لن يكون بمقدورها التخلي عنه، فالتطورات الأخيرة تُنهي الأطماع الاقصادية للإمارات من قبل حكومة الوفاق التي تتهمها علانية بدعم الفوضى في ليبيا، في وقت تمنح فيه تركيًا أملًا جديدًا في استئناف المشاريع التركية.

فرنسا أيضًا لها صلات اقتصادية عبر دعم حفتر، فلدى شركتي «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية مشاريع مشتركة مع شركة النفط الوطنية في طرابلس، لكنّ حكومتيهما كانتا دومًا على خلاف حاد بشأن السياسة حول من يجني أولًا بترول ليبيا؛ فإيطاليا تؤيد حكومة طرابلس لأنّ المصالح الاقتصادية لروما تتركز في الأراضي الواقعة تحت سيطرة الوفاق، في حين أنّ اهتمامات فرنسا بحفتر تتركز في أنّ مركز استثماراتها السياسية تتركز في الأماكن التي يفرض سيطرته عليها والواقعة في الجنوب الليبي إضافة إلى مدن الساحل.

تعقيدات البديل، وتعدد الأطراف الفاعلين في حرب الوكالة التي تشهدها ليبيا، يخدم حتى النهاية الجنرال الليبي الذي سيبقى طويلًا في المشهد الليبي رغم هزيمته، في حالة أجاد أوراق النفوذ التي يمتلكها. وكما يقول المحلل السياسي الفرنسي فرانسوا بورجات، مدير مركز الأبحاث الفرنسي «CNRS» لصحيفة لاكروا، فصحيح أن الدعوة لوقف إطلاق النار التي جاءت من القاهرة تعد بمثابة اعتراف بموقف حفتر السيئ، «لكني أشك في أنه قال كلمته الأخيرة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد