“من لم يكن يساريا في صغره فلا قلب له، ومن استمر يساريًا في كبره فلا عقل له”هكذا قالوا.

فاليسار والمعارضة والمقاومة والنضال في سن الشباب يكاد يكون الفطرة، فإن لم تواجه الظلم وأنت بكامل صحتك البدنية وحماسك الشاب وروحك البكر ففي أي طور عمري قد تتمكن من ذلك؟

ومنذ بداية القرن الـ19 وللحركة الطلابية في مصر دور رائد، حيث طلبة الجامعة كانوا هم وقود ثورة 19 ثم هم أكبر مشاركين في انتفاضة 36، والتي من أبرز شواهدها مظاهرة كوبري عباس، حينما فتح الإنجليز الكوبري لمنع تقدم الطلبة، وتسبب الأمر في غرق بعضهم في النيل، وبعد إغلاق الجامعات أسبوعًا وراء الآخر انتهى الأمر بانتصار الطلبة وتحقيق طلبهم بعودة دستور 23.

هذا الدور الذي استمر حتى الآن مرورًا بشباب اليسار في ستينيات عبد الناصر، ثم الضغط من أجل العبور في عهد السادات، وبعدها مظاهرات الاعتراض على اتفاقية السلام وثورة الخبز، ثم أهم وسام لكل الشباب المصري بإشعالهم وتحريكهم لثورة يناير ومن ثم خلعم للرئيس مبارك، ومن بعده كل الأحداث (مسرح البالون – مجلس الوزراء – محمد محمود – ماسبيرو – العباسية) تلك الوقائع التي عجلت برحيل المجلس العسكري وإجراء الانتخابات الرئاسية التي أتت بالرئيس المعزول مرسي.

 

لتفاصيل أكثر: الحركة الطلابية في مصر منذ القرن الماضي

 

ويستمر هذا النضال حتى الآن مشتعلًا في كل جامعات مصر ضد السيسي والانقلاب العسكري، ويكون حصيلته:


 

فهل تمكنت أي من دول العالم ردع ووقف نضال طلبة الجامعات وحدّهم من المقاومة؟ بطبيعة الحال تصعب الإجابة الدقيقة عن سؤال كهذا بالجزم إيجابًا أو نفيًا، لكننا سنحاول في تقريرنا عرض ثلاثة من نماذج الحراك الطلابي العالمي.

 

1- شباب الجامعة في فرنسا يعزلون الرئيس شارل ديجول


إنجازات كثيرة يُذكر بها شارل ديجول رئيس فرنسا في الستينات، وكيف كان ذكيًا وصاحب حلول لكثير من مشاكل الدولة الفرنسية، إلا أن هذا لم يسقط عنه كونه “جنرالًا” وأنه سعى للتفرد بالحكم بعيدًا عن الأحزاب الممثلة للبرجوازية الفرنسية، وبقوانين وسياسات ضاغطة على الفقراء والعمال، وبعيدًا عن أي سلطة شعبية عليه.

وعلى ذلك وبداية من عام 1967 كانت المظاهرات الفرنسية العمالية والطلابية لكن على مستوى ضيق، تلك المظاهرات المتعاطفة مع الفيتناميين وحرب الأمريكيين عليهم أحيانًا، أو بتحسين مستويات المعيشة وتغيير السياسات الضاغطة عليهم أحيانًا أخرى، وفي الحالتين كان يتم قمعها بيد السلطة الغاشمة، وهو ما رد عليه الطلبة بتصعيد نضالهم واستخدامهم لأدوات كالمتاريس.

إلى أن غُلبت الدولة على أمرها، وقررت بغباء في أول مايو 1968 إغلاق جامعة باريس كاملةً. وهم ما جعل الطلبة تستشيط غضبًا، وجعل مظاهراتهم الطلابية تشتعل يوميًا إلى حد احتلالهم للحي اللاتيني وإقامتهم للمتاريس دفاعًا عن أنفسهم، وإزاء هذه القوة والشجاعة من الطلبة واستخدام الشرطة الفرنسية للعنف المبالغ فيه، انتشر التعاطف معهم لدى كل فئات الشعب، ودعت النقابات العمالية للإضراب ولمظاهرة حاشدة في 13 مايو.

على إثر قوة المظاهرات في ذلك اليوم شعر الشعب والعمال بقوتهم، فاستمر الإضراب واحتل الكثير من العمال المصانع ومواقع العمل التي كانوا يعملون فيها، وأداروها بأنفسهم بما يسمح بإطعام عائلاتهم وعائلات كل المؤمنين بالثورة، وعدم تعطيل المصالح الضروري توافرها.

ليصل الأمر مع نهاية مايو لحالة ثورة مسيطرة لم يشهدها العالم من قبل، حالة “ثورة تدير أغلب مؤسسات الدولة” حرفيًا، ثورة انضم لها بعد الطلبة والعمال، المثقفون والكتاب والموسيقيون، ثورة تمكنت بعد سنة من دخول معترك السياسة نتيجة حيل ديجول ووعوده، من الحصول على استفتاء يضمن تقليل مركزية الدولة وتنحي شارل ديجول عن السلطة.

 

2- الخميني ومحاولة قمع طلبة إيران


لعل طلاب إيران كان لهم الدور الأكبر في الثورة الإيرانية 1979 التي أطاحت بالشاه وأتت بالإسلاميين، إلا أنه أمام تعنت الإسلاميين بعد الثورة في تنفيذ مطالب الإصلاحي الإيراني محمد خاتمي كان نزول مناصريه للمطالبة بحزمة إصلاحات، خاصة مع صدور قوانين متشددة تحد من حرية الصحافة، ومصادرة صحيفة “سلام” تلك الصحيفة المساندة لخاتمي.

انتشرت التظاهرات الطلابية والصراع بين الطلبة اليساريين والإسلاميين، لتهاجهم الشرطة الجامعة وتقتل عددًا من الطلبة وتعتقل الكثيرين، لينضم بعدها فئة أكبر من الإيرانيين للاحتجاج مطالبين بإقالة رئيس هيئة الشرطة والقصاص للمقتولين. إلا أن إدانة خاتمي للمشاغبات التي حدثت، وقوله أن المظاهرات كانت في البداية سلمية وأن ما حدث بعدها من أعمال شغب قادها فئات لهم أغراض، ساهم في عودة الأوضاع قليلًا للهدوء.

لكن المناوشات والمقاومة التي أظهرها طلبة الجامعة في إيران لم تقف، ونتج عنها اقتحام أكبر 4 جامعات في طهران وأصفهان وقتل أكثر من 100 طالب، وكان قرار آية الله الخميني إغلاق الجامعات الإيرانية 3 سنوات (1980 – 1983). وشكل ما عرف بـ “المجلس الأعلى للثورة الإيرانية” ليشرف بعد عودة الجامعات على درجة “إسلامية” الطلبة والاساتذة، ويطهر المحتويات الدراسية من الأفكار الغربية ويفصل الكثيرين ممن يشك في عدم ولائهم للثورة الإسلامية.

وبالرغم من كل هذه الإجراءات الفاشية القاسية التي تم تطبيقها بحزم، عاد الطلبة ليشكلوا كتلة أساسية ومهمة ساندت الرئيس “الإصلاحي” محمد خاتمي وأدت لانتخابه في 1997، كذلك ليقودوا أول انتفاضة ضد الفقيه عام 1999.

 

3- انتفاضة البطاريق في شيلي


1.3 مليون طالب شيلي في 2006 كان نضالهم ضد المؤسسة التعليمية، وحيث أن زي الطلبة الرسمي في شيلي عبارة عن قميص أبيض وبنطال أسود فكان إطلاق لقب “البطاريق” عليهم. وأما عن مطالبهم فهي:

1) إلغاء قانون التعليم الدستوري، الذي تم إدخاله على الدستور قبل رحيل بينوشيه الحكم بيوم واحد، ذلك القانون الذي يضع التعليم تحت إشراف المجالس المحلية وبموارد قليلة، بما يفتح الباب لخصخصة المدارس والكليات والجامعات.

2) ضمانة دستورية لجودة التعليم.

3) السماح لمشاركة الطلاب في إدارة الجامعة.

4) زيادة المنح الدراسية وتقديم مساعدات للطلبة العاجزين عن سداد ديونهم الدراسية، وخفض الفائدة على القروض الحكومية، الموجهة للطلبة قصد تمويل دراستهم.

ولعل نضال طلبة شيلي يدرس الآن في كتب التاريخ وحركات اليسار من درجة تنظيمه، حيث انتخب كل فصل من يمثلة وصولًا لكل مدرسة ومدينة، وأخيرًا من سيمثلهم للتفاوض مع الحكومة، واعتصموا في المدارس، وفرضوا رؤيتهم وقوانينهم داخل مؤسساتهم التعليمية، حيث منهم من يتولى إعداد الطعام، ومنهم لجان النقاش، ومنهم مسؤولوا الأنشطة التي يصنعونها ليلًا محاولين جذب عامة الشعب لقضيتهم، حتى أنهم دعوا طلبة الجامعة ليشرحوا لهم القانون والدستور وتأثير السياسات المفروضة على جودة التعليم.

في النهاية أجبر الطلبة الحكومة على إجراء بعض التنازلات مثل إعطاء تذاكر سفر مجانية للذين يأتون من مدن بعيدة، وصرف وجبات غذائية مجانية وزيادة منح الدعم للطلاب الفقراء، وما زال نضالهم ضد قوانين التعليم مستمرًا حتى الآن.

 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد