تابع العالم ووسائل الإعلام الكبرى الحراك الطلابي المشهود في الجامعات المصرية خلال العامين السابقين، خصوصًا جامعتي القاهرة والأزهر، في هذا التقرير تطل ساسة بوست بنافذة على الحراك الطلابي في مصر منذ بدايات القرن الماضي وتطوره حتى الآن.

“لم يلعب الطلاب دورًا في الحركة الوطنية مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر” المؤرخ الفرنسي والتر لاكير.

بدأ الطلاب كانوا شرارة ثورة 1919

 

 

انتفاضة 1935/1936

بعض المؤرخين يعتبر الحركة الطلابية هي التي بدأت ثورة 1919، لكنّ ما لا يختلف عليه الجميع أن الحركة الطلابية كانت وقود الاستقلال والنضال على مر القرن السابق.

تعتبر هذه الانتفاضة الصوت الأول العالي للحركة الطلابية المصرية، فقد قاد الطلبة هذه الانتفاضة باستقلالية تامة عن الزعماء الوطنيين والأحزاب.

9 نوفمبر 1935 أعلن السير صامويل هور أن بريطانيا تنظر إلى دستور 1923 باعتباره غير صالح للتطبيق، وكان هذا التصريح بداية هذه الانتفاضة التي لم تهدأ.

13 نوفمبر 1935 كانت بداية الانتفاضة بمسيرة حوالي 2000 طالب من الجامعة في الجيزة إلى القاهرة، وحسب السلطات البريطانية كان الطلاب أكثر عدوانية من ذي قبل، وقد صعُبَ التعامل معهم هذه المرة بخلاف المرات السابقة، واستمرت المظاهرات خلال الأيام القادمة، أعلنت الحكومة إغلاق الجامعة أكثر من مرة وكل مرة أغلقت فيها أسبوعًا، حتى تم إيقاف الدراسة فيها إلى أجل غير مسمى في 8 ديسمبر، لكن هذا لم يوقف الانتفاضة.

في 14 نوفمبر اصطدمت مظاهرة قدرت بأربعة آلاف طالب بقوة من البوليس البريطاني على كوبري عباس الشهير، أصيب في هذا التصادم طالب واستشهد طالب آخر هو محمد عبد الحكم الجراحي، وقد تحولت جنازته إلى جنازة شعبية مهيبة اشترك فيها كبار الزعماء الوطنيين مثل مصطفى النحاس وصدقي ومحمد محمود.

انتهت الانتفاضة بمرسوم ملكي يقضي بإعادة دستور 1923، ودفع الطلاب زعماء الأحزاب السياسية إلى تشكيل جبهة موحدة، ومهدت الانتفاضة الطريق لتوقيع المعاهدة الإنجليزية المصرية 1936 والتي قضت بتبادل السفراء المصريين مع بريطانيا العظمى وحق مصر في رفض الامتيازات الأجنبية وبعض المكاسب الأخرى.

ظلت الحركة الطلابية نشيطة في مصر حتى كانت على موعد آخر مع انتفاضة أخرى، انتفاضة 1946.

انتفاضة 1946

بدأت في نوفمبر 1945 حينما أعلنت مجموعة من الطلاب إضرابهم تعاطفًا مع فلسطين وإندونيسيا، 9 فبراير 1946 كان بداية الأحداث العنيفة في هذه الانتفاضة، حيث اندفع حشد ضخم مكون من عدة آلاف من طلاب المدارس الثانوية إلى الحرم الجامعي.

كانت مطالب هذه الانتفاضة تتلخص في إنهاء المفاوضات مع الإنجليز وإلغاء معاهدة 1936 ورفض أية معاهدة دفاع مع بريطانيا.

جانب من مظاهرات كوبري عباس، وتظهر في الصورة لافتة تحمل اسم “مدرسة السنية”

حادثة كوبري عباس: من أشهر أحداث النضال الطلابي في مصر، اندفع الطلاب إلى كوبري عباس إلى القاهرة فوجدوا الكوبري مفتوحًا فأغلقوه وبدأوا في العبور بينما استطاعت القوات البريطانية أن تفتح الكوبري مرةً أخرى ما أدى إلى انقسام المظاهرة بين طرفي الكوبري وغرق بعض الطلاب في نهر النيل، حسب أصدق التقديرات فقد جرح 84 طالبًا ولم يقتل أحد.

 

مظاهرات كوبري عباس

كنتيجة مبدئية عزل الملك النقراشي باشا من رئاسة الوزراء يوم 15 فبراير وعين إسماعيل صدقي، إلا أن اختياره لم يكن جيدًا لأن صدقي لا يتمتع بشعبية وسيرة جيدة.

بدأت الحركة الطلابية التنسيق مع اللجان العمالية ونجحوا في تكوين جبهة واحدة من العمال والطلبة، ودعت اللجنة الموحدة للعمال والطلبة إلى اعتبار يوم 21 فبراير لسنة 1946 يومًا للجلاء، واعتبر هذا اليوم يوم الطلاب العالمي على إثر ذلك الإعلان.

أعلنت الحركة عن إضراب عام في 4 مارس واستجابت طوائف الشعب لهذا الإضراب ونشبت مناوشات بين القوات البريطانية والطلاب فقتل 23 متظاهرًا وجرح حوالي 120. وفي الإسكندرية قام المتظاهرون بإنزال العلم البريطاني من فوق مقر قيادة الأسطول البريطاني وهاجموا نقطة حربية بريطانية فقتل جنديان وثمانية وعشرون مواطنًا مصريًا كما جرح 342 مصريًا آخرين.

نتائج الانتفاضة

1ـ إعلان “كلمنت أتلي” رئيس الوزراء البريطاني في 8 مارس 1946 عزم القوات البريطانية على الانسحاب من القاهرة والدلتا وتمركزها بدلاً من ذلك في القاعدة البريطانية بمنطقة قناة السويس.

2ـ ضغط الحركة على الحكومة لإلغاء المفاوضات مع الإنجليز من طرف واحد وهو ما تحقق في 1951 على يد رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا.

كتوابع للانتفاضة حدثت بعدها مناوشات بين الطلاب والقوات البريطانية وقتل عدد من الطلاب، وبعد حرب 1948 في فلسطين اتخذت الحركة الطلابية منحى آخر فقد حمل الطلاب السلاح ونشبت مناوشات ضارية بين البوليس والطلبة وقتلت عناصر طلابية مدير أمن القاهرة سليم زكي بقنبلة.

ظلت الحركة الطلابية تتأرجح هكذا حتى جاءت ثورة يوليو 1952 وتحقق الاستقلال وتحكم قبضتها الحديدية، لتدخل بذلك الحركة طورًا جديدًا من أطوار النضال والعمل السري!

 

الحركة الطلابية في عهد عبد الناصر

اعتبرت الثورة أية مخالفة لها في طريقة حل الأمور عداءً، ما حدا بعبد الناصر للتصريح بأن الجامعة تقف ضد الثورة بسبب اختلاف أساتذة الجامعة معه في إدارة بعض الأمور التعليمية، وعندما وطد مجلس قيادة الثورة سلطته اتخذ عبد الناصر خطوة لم يسبق لها مثيل بطرد أساتذة الجامعات بالجملة.

توقف النشاط الطلابي إبان فترة حكم عبد الناصر تمامًا ولم يتم استئنافه إلا في الستينيات ولكن على يد المنظمات الحكومية كالاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، وأما العناصر الأخرى فاتجهت للعمل في سرية مُقبضة.

21 فبراير 1968 انتفاضة من جديد

اندلعت هذه الانتفاضة بعد هزيمة يونيو 1967 على يد عمال حلوان فور إعلان حكم المحكمة العسكرية في قضية ضباط الطيران المتهمين بالإهمال في هزيمة يونيو، واعتبر المنتفضون أنَّ الاحكام كانت متساهلة للغاية مع المتهمين في هزيمة يونيو.

شارك في الانتفاضة الآلاف من طلبة الجامعات الكبرى في القاهرة والإسكندرية، وتصادف أن يوم 21 فبراير هو يوم الطالب المصري والذي تم اعتماده منذ انتفاضة 1946 ونتج عن انتفاضة القاهرة وحدها مصرع اثنين من العمال وإصابة 77 مواطنًا و146 من رجال الشرطة وألقي القبض على 635 شخصًا بالإضافة إلى تدمير بعض المركبات والمباني في العاصمة.

بالجملة شارك حوالي 100 ألف طالب من طلبة الجامعات في مصر في تلك الانتفاضة، وتم تدارك الأمر من قبل القيادة – وخطب عبد الناصر خطابه الشهير للطلبة – التي لم تكن لتسمح بمثل هذه الانتفاضة لولا هزيمة يونيو 1967.

أهم ما خلفته الانتفاضة على الإطلاق هو انتشار روح الثقة بالنفس بين الكتلة الطلابية، وإفرازها لقيادات طلابية جديدة غير محسوبة على النظام، وعودة التيارات السياسية المنظمة للظهور من جديد داخل الجامعة.

 

1968 انتفاضة أخرى

بدأت اضطرابات طلابية جديدة في نفس العام في نوفمبر بسبب إعلان قانون جديد للتعليم لم يوافق عليه الطلبة، بدأت الانتفاضة بمظاهرات طلاب الثانوية في مدينة المنصورة، وفي اليوم التالي استمر الطلاب في التظاهر واتجهوا إلى مديرية الأمن والتي اشتبكت معهم فقتل 3 طلاب وفلاحًا بينما جرح 32 متظاهرًا وتسعة من ضباط البوليس وأربعة عشر من العساكر.

انتقلت أخبار الأحداث الدامية للمنصورة إلى جامعة الإسكندرية فانطلق قادة الحراك الطلابي من كلية الهندسة في مظاهرات عارمة واصطدموا بقوات الشرطة وأصيب 53 من رجال الشرطة و 30 من الطلاب، وألقي القبض على رئيس اتحاد كلية الهندسة عاطف الشاطر وثلاثة من زملائه.

وصل محافظ الإسكندرية لطلاب كلية الهندسة وحاول إقناعهم بعدم تصعيد الموقف فاحتجزوه داخل الكلية ولم يسمح له بالمغادرة إلا بإطلاق الشاطر ورفاقه، وبتأثير الانتفاضة ناقش مجلس الوزراء مشكلة القانون الجديد في اجتماعه في اليوم التالي لاحتجاز محافظ الإسكندرية.

شهد يوم 25 نوفمبر إضرابًا بالإسكندرية وشهد مظاهرات واسعة جدًا وانتهت بصدام مع الشرطة كانت حصيلته: 3 طلاب، 12 من الأهالي، وتلميذ عمره 12 عامًا، بمجمل 16 قتيلًا. وإصابة 167 من المتظاهرين وإصابة 247 من رجال الشرطة وألقي القبض على 462 شخصًا أفرج عن 78 منهم فقط لأن سنهم دون 16 عامًا، وأفرج عن 19 وحبس الباقي على ذمة التحقيق.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“عبدالناصر”

 

وتم تحطيم 50 سيارة أتوبيس نقل عام و270 لوح زجاج ترام و116 إشارة مرور و29 كشك مرور وزجاج 11 محلًا تجاريًا وزجاج عدد من سيارات النقل العام والخاص وعدد من مصابيح الإضاءة في الشوارع، وانتهى اعتصام طلاب كلية الهندسة دون تحقيق نتائج تذكر بسبب قلة الطعام في أيام رمضان وانقطاع التيار الكهربائي عن المعتصمين وانسحاب رئيس الاتحاد من الاعتصام وتهديد المحافظ بإخلاء مبنى الكلية بالقوة.

أحال عبد الناصر أمر المقبوض عليهم إلى القضاء ولم تجر أية محاكمة في النهاية وبعد حوالي ثلاثة أشهر من الحبس أطلق سراح الطلاب بينما أرسل قادتهم إلى الخدمة العسكرية.

 

عهد السادات

بدأ التذمر الطلابي من السادات في الجامعات المصرية منذ العام 1971 عندما أعلن أنه عام الحسم مع إسرائيل ولم يحارب وكذلك عندما أعلن في العام الذي يليه أن هذا عام “الضباب” وأنه لن يحارب، فقامت الانتفاضة الأخيرة في الجامعات المصرية انتفاضة 1972.

سرعان ما ألقي القبض على قادة الانتفاضة من الطلاب الماركسيين وبعض الناصريين وأتيحت الفرصة للتيارات المؤيدة للسادات داخل الجامعة لاستخدام العنف مع التيارات المعارضة والمنددة بسياساته، بدأت اللقاءات الجماهيرية لقادة الصف الثاني للانتفاضة مع الناس وزيادة المنشورات ومجلات الحائط والصدامات مع الأمن خارج الحرم الجامعي حتى أغلقت الجامعة بقرار من الرئيس السادات نفسه.

عبدالناصر ونائبه السادات

في المجمل وقعت الأحداث في أكثر من جامعة مصرية، ما كان غريبًا فالانتفاضات السابقة كانت في القاهرة وانضمت إليها الإسكندرية، بينما في هذه الانتفاضة انضم إلى القاهرة والإسكندرية عين شمس وأسيوط والأزهر وكذلك في مدينة المنصورة.

تعد هذه الانتفاضة آخر انتفاضة حقيقية للجامعة المصرية، لدرجة أن السادات شنّ وقتها هجومًا على طلاب بالاسم مثل الطالب أحمد عبد الله رزة والذي لم يتجاوز حينها الثانية والعشرين من عمره.

جاءت حرب أكتوبر لتضع الحركة الطلابية في مصر في معطيات وأحداث أخرى، وتعتبر هذه نهاية الحركة الطلابية القوية في مصر، ومع بداية سياسة التعدد الحزبي بدأ الطلاب وقياداتهم في الانتماء للأحزاب السياسية الجديدة.

انتهى بالطبع زمن الانتفاضات الطلابية مع وصول الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى سدة الحكم بعد مقتل السادات بداية الثمانينيات، ظلت الحركة الطلابية تنفعل بالأحداث السياسية في مصر والعالم العربي، مثل اشتراك الطلاب في مظاهرات حاشدة تأييدًا للانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، واجتماعهم في مظاهرات حاشدة معترضين على اشتراك مصر بقواتها في ردع العراق بداية التسعينيات، ثمّ عام 1998 للتنديد بموقف مصر إزاء قصف أمريكا للعراق، كذلك في مارس 2003 بعد غزو العراق خرجت جموع الطلاب للتنديد بالموقف المصري من الغزو واجتاحوا ميدان التحرير.

العامل المشترك بين جميع هذه المظاهرات أنها لم تكن ذات تأثير يذكر بالنسبة إلى سابقاتها، فلم تستطع هذه المظاهرات أن تتطور إلى انتفاضة كسابقاتها والتي استطاعت أن تحقق مكاسب سياسية كبيرة للوطن سواءً في مواجهة الاحتلال الإنجليزي أو في مواجهة الحكومات المتتالية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد