يُثبت العمل الطلابي في الجامعات أن «لا شيء يقف في وجه الشباب»، ففي حين يُهيمن على الواقع السياسي الأردني ركودٌ كبير، برز الشباب الجامعي من مختلف الاتجاهات ليوحّد صفوفه مُفاجئًا المعارضة نفسها، وبدأ يهتف «وحّد صفك وحّد صفك، سمعني بالعالي كفّك»، واستطاع أن يحقق مطالبه كما يريد بعد أن دفع الثمن. مؤخرًا، في جامعة «البوليتكنك» بتاريخ 4 مايو (أيّار) تحقّقت مطالب الطلاب بعد اعتصام مفتوح نتحدث عنه في هذا التقرير، وعن تاريخ العمل الحراك الطلابي في الأردن وأبعاده المختلفة.

اقرأ أيضًا: تاريخ الحركة الطلابية في مصر

«البوليتكنك»: الملثمون ورجال الأمن يُهاجمون بالحجارة

في يوم 20 أبريل (نيسان) 2017، أجريت الانتخابات الطلابيّة في كلية الهندسة التكنولوجية – جامعة البلقاء التطبيقية «البوليتكنك»- بدون أيّة مشاكل لأول مرة منذ 3 أعوام، إذ كانت تمرّ الانتخابات سابقًا بشجار الإسلاميين والمُستقلين مع مُلثمين من غير طلاب الجامعة يُسمح لهم بالدخول إليها مع أسلحتهم البيضاء. في آخر الانتخابات فاز «الاتجاه الإسلامي» بأغلبيّةٍ في المجلس، ووفقًا لما يقوله طلاب الجامعة فإن عددًا جيدًا من الطلاب النشطين في الانتخابات يتم تحويلهم لاحقًا للتحقيق معهم، ولكن هذه المرة لم تمر التحقيقات بسلام، فقد صدرَ عنها فصل 5 طلاب بالتهم التالية:

فُصل الطالب أحمد الطلّاع بتهمة «إدخال مواد لأغراض أخرى داخل حرم الكلية»، لأنه كان يحمل 12 قميصًا أزرقًا لا توجد عليها أيّة عبارات أو رسومات. أما صدّام خطّاب فهو مندوب صندوق كان آخر الخارجين من غرفته الاقتراعية، اتُهم بضرب طالب، بينما ينفي صدام أنه يعرفه، وفُصل بناء على ذلك، والطالب إبراهيم قشير كان يحتفل بفوز مرشحه بهتافات كـ«آها أهو! بلال في الجمعية!»، فاتهم بالتحريض وإثارة النعرات بسبب هذا الهتاف. تقرر فصل الطلاب المذكورين فصلًا جزئيًّا لمدد بين فصلٍ وفصلين دراسيين، أما الطالبان الآخران فقد تقرّر فصلهما بشكل نهائيّ من الجامعة، أحدهما الطالب حمزة سليم فُصل بسبب خلافٍ بسيط بينه وبين العميد، واعتبر العميد ما حدث إساءة شخصيةً له يُفصل الطالب بناءً عليها، أما الطالب الآخر فهو يزن زيتون، اشتكى عليه رجل أمن جامعي في يوم الانتخابات، إلا أن رواية الطلاب مختلفة، إذ يقولون إنّ زيتون لم يحضر يوم الانتخابات وتعرّض لاعتداء من مُلثمين خارج أسوار الجامعة.

في حديثٍ خاص لـ«ساسة بوست» مع أحد الطلاب النشطين في البوليتكنك، أصرّ أن مجلس الطلبة حاول أن تُحلّ المشكلة بكل الطرق الممكنة قبل عقد الاعتصام، ولم ينجح، ولم تُحاول إدارة الجامعة أن تحلّ الأزمة أو تخفف من حدّتها. تعرّض الطلاب في هذا الاعتصام لاعتداءٍ من مُلثمين برمي الزجاج وأحجار كبيرة الحجم، وبعض الأسلحة البيضاء، وسُجّلت صور ومقاطع مرئية تُظهر الطلاب الجرحى والاعتداء عليهم، ومنها ما صُوّر ببث مباشر على «فيسبوك».

حضر إلى مكان الحدث أكثر من 15 نائبًا لحلّ المشكلة، مُنع بعضهم من دخول الجامعة من قِبل الأمن الجامعي ثم سُمح للآخرين، واستطاعوا إقناع الطلاب بـ«وساطة» و«وعد» من وزير الداخلية لحلّ المشكلة، وتمَّ يوم 4 مايو (أيّار) تعليق الاعتصام مع البدء بتحقيق مطالب الطلاب.

صورة لطلاب «البوليتكنك» المُعتصمين ليلًا

لم يكن هذا هو الاعتصام الأول، بل سبقه اعتصامٌ آخر في 2016 بمطالب بسيطة جدًا وغريبة: وجود دورات مياه صالحة للاستخدام، توفير تبريد – مراوح كهربائية- لقاعات المحاضرات، إعطاء الطلاب المطبوعات التي يدفعون ثمنها.

الأردنيّة: الانتصار الأول للطلاب

من أسرار قوة العمل الطلابي في الجامعة الأردنية التعدد الفكري الموجود لدى طلابها، وقدرة شبابها – من مختلف الاتجاهات- على التعاون معًا بعيدًا عن أي خلاف فكري في مواجهة القرارات الاقتصادية الضارّة بالطلاب. لعلّ من الأسباب الأخرى لقوة العمل الطلابي في الأردنية أنّها الجامعة التي انطلق منها اتحاد الطلبة الأردني عام 1989، بعد جهدٍ طويل للاتجاهات الطلابية المختلفة وعددٍ لا نهائي من خطبٍ يومية في ساحات الجامعة.

الاعتصام في العام السابق (2016) في البوليتكنك، كان ممهدًا لاعتصامٍ أكبر وقع في الجامعة الأردنية، شارك في الاعتصام معظم الاتجاهات الطلابية، الإسلامية واليسارية والقومية، كان المطلب الرئيسي والواضح للاعتصام: إسقاط قرار رفع الرسوم المُقرر عام 2014، وينصّ على رفع الرسوم الدراسية في بعض التخصصات إلى ضعف قيمة الرسوم الأصلية. استمر الاعتصام قرابة الشهر، ونام المعتصمون أمام مكتبة الجامعة طوال الشهر الشتوي، ولم يكن سلوك إدارة الجامعة احتوائيًّا، فمنعتهم من إدخال شيءٍ يعينهم على الاحتماء من برد الشتاء، ومنعت إدخال الطعام إليهم إلا في حالاتٍ قليلة، وأغلقت دورات المياه، وقامت بإغلاق مرافق الجامعة (كالمكتبة) قبل الموعد المعتاد ليخرج الطلاب مبكرًا. طُلب 27 طالبًا للتحقيق، حُقق مع 5 منهم ولم يذهب البقية. بعد انقضاء شهر من الاعتصام والمفاوضات نجح الطلاب في إسقاط القرار.

صورة من الاعتصام المفتوح في الجامعة الأردنية

الاعتصامات الطلابية.. تاريخٌ عاصف

عاشَ الأردن غضبًا طلابيًّا مُستمرًا في أواخر السبعينيات (عام 1977) وحتى منتصف الثمانينيات (1986)، كانت أسباب غضب الطلاب سياسية واقتصادية وجامعيّة. أمّا السياسية فهي لرفض الموقف الأردني «الهادئ» تجاه إسرائيل، وكان هذا الغضب يُعبّر عنه أحيانًا في مظاهراتٍ جامعية لرفض اتفاقية كامب ديفيد، أو تنديدًا بهجومٍ إسرائيلي على أراضٍ عربية، وكانَ يُعاقب قادة المُظاهرات بالفصل من الجامعة أحيانًا، أما الأسباب الاقتصادية فقد كانت الرفع المُفاجئ للرسوم بطريقة يعجز عن اللحاق بها طلاب الجامعات.

الهبّة الطلابية الأولى

كان الحدث البارز الأول هو «انتفاضة الجامعة الأردنيّة»، تأسست الجامعة الأردنية «الجامعة الأم» عام 1965، كأوَّل جامعة حكوميَّة في الأردن، كانت هذه الانتفاضة عام 1978 ضد اتفاقية كامب ديفيد بشكلٍ أساسيّ، ثمَّ تحوّلت إلى مطلبٍ طلابي هو إنشاء اتحاد طلبة، بدلًا من جمعيات الطلاب التي يصفها المدوّن الأردني محمد عمر بأنها «فتّتت وحدة الطلبة»، ويذكر أن الانتفاضة كانت إضرابًا مدته 11 يومًا، كانت حلول إدارة الجامعة والدولة له هي القمع الشديد: «اعتقالات، ضرب مبرح، تحقيق، فصل كلي، فصل جزئي، حرمان من المنح… إلخ»، ثم تبع ذلك ملاحقات أمنية لبعض المشاركين لفتراتٍ طويلة، إذ تذكر الدكتورة بلقيس الكركي، الأستاذة بالجامعية الأردنيّة، أنّ هذه الأحداث أوقعت الضرر بالطبيب سمير سماوي الذي «طرد من عمله طبيبًا مقيمًا في مستشفى الجامعة الأردنية بناءً على توصية الأجهزة الأمنية، ولاحقًا منع من السفر والعمل لعشر سنوات».

الأمر الأسوأ في هذا المشهد هو تماهي الهيئات العلمية الجامعيّة مع الدولة وأجهزتها الأمنية، وهذا ما تصفه الكركي في حديثها عن تاريخ الجامعات في الأردن: «الذي يرتبط بتاريخ الدولة بشكلٍ مباشر». أسلوب العنف في التعاطي مع الطلاب الجامعيين مُستمر حتى اليوم، لكنه وصلَ إلى قمة من قممه في أحد أكثر الأحداث دمويّة؛ اعتصام جامعة اليرموك عام 1986.

مدخل الجامعة الأردنية، أولى الجامعات الحكومية في الأردن

اعتصام اليرموك 1986: جامعة بطعم الرصاص

بدأت المشكلة في عام 1983، عندما قامت رئاسة الجامعة برفع رسوم التدريب العمليّ في كلية الهندسة، ما دفع الطلاب إلى تنظيم احتجاجاتٍ لكي تتراجع إدارة الجامعة عن قرارها، لكنّ إدارة الجامعة قررت قبل الامتحانات النهائية في 3 مايو (أيّار) أن تفصل أكثر من 30 طالبًا من الذين شاركوا في الاحتجاج على القرار فصلًا جزئيًّا لمُددٍ مختلفة، وأُتبع ذلك بملاحقةٍ أمنية واعتقالٍ لطلابٍ آخرين مما زاد من حدة المشكلة، لكلّ هذا امتنع الطلاب عن دخول الامتحانات بشكلٍ جماعيّ وتجاهلونها، وتعاطف معهم بعض الأساتذة بتأجيل الامتحانات (وفُصلوا بسبب ذلك لاحقًا). ثمَّ تتابعت المظاهرات والاحتجاجات والتجمّعات الطلابية، حتى أعلن الطلاب اعتصامًا مفتوحًا في الـ14 من نفس الشهر، ولم يخرج أحدٌ من الطلاب لأن كل من يخرج كان يتعرّض للاعتقال، ثم جاء الرد الأمني بفضّ الاعتصام بالقوة في منتصف الليل في يوم 15، وقتل في هذا الفض الطالبتان مها محمد قاسم ومروة طاهر الشيخ، ومعهما الطالب إبراهيم حمدان بعد أن قامت قوات البادية بإطلاق النار بشكل عشوائي.

كان اعتصام اليرموك نقطةً فارقة في تاريخ العمل الطلابي الأردني وبالطبع ظلّت درسًا قاسيًا وذكرى مخيفة في خلفية الطالب الأردني. من الغريب أن رئيس جامعة اليرموك حينها هو دكتور العلوم السياسية عدنان بدران، الذي بعد أن فُصل من منصبه ترقّى في مناصب أخرى ليصير وزيرًا للدفاع مرة، ورئيسًا للوزراء مرة أخرى، وحاليًا هو رئيس جامعة البتراء!

كتب الروائي الأردني أيمن العتوم رواية «حديث الجنود» ليوثق فيها هذا الحدث وفقًا لرواية الطلاب، اقرأ عن الرواية في Goodreads.

غلاف رواية «حديث الجنود»، وتظهر عليه شعارات الطلاب: «وحّد صفّك وحّد صفّك، سمّعني بالعالي كفّك».

بعد انتهاء اعتصام جامعة اليرموك بمقتل 3 طلاب، تم فصل كلّ من تعاون معهم من الأساتذة الجامعيين، وتمّ تهديد الطالبات اللواتي ساعدنَ الطلاب على الهروب من الاعتقال، وصدر لاحقًا «عفوٌ ملكي» عن «جريمة» الاعتصام. لكنّ الطلاب قرّروا أن ينتقلوا إلى مستوى جديد، وبدؤوا بحماية أنفسهم باستخدام البث المباشر من داخل الحدث أثناء وجودهم فيه، وبدأ طلبة الجامعات الأخرى يحضرون لمساندة الجامعة التي تشهدُ اعتصامًا مفتوحًا.

حِراكٌ يتوسّع

الحراك الطلابي الأردني ينمو يومًا بعد يوم فيما يبدو، وفعالياته وأنشطته تتوسع ومطالبته بحقوق الطالب صارت أقوى لتعامله مع إدارته بأدواتٍ تُوصل صوته. مؤخرًا أُطلق موقع «مسار»، وهو «موقع إلكتروني يهدف لخلق منصة تشاركية لطلبة الجامعات؛ تعبر عن مشاكلهم وتأرشف حركتهم».

في حديثٍ لساسة بوست مع أحد مؤسسي الموقع، قال لنا إن ما ألهمهم لعمل المشروع هو «الاعتصام المفتوح وما تبعه من اعتصاماتٍ وحِرَاكاتٍ في الجامعات الأخرى، آخرها في البوليتكنيك»، ويأمل فريق الموقع الشبابيّ أن «يفيد الموقع الناشطين في العمل الطلابي ويساعدهم في تحقيق أهدافهم، ويعبر عن رؤيتهم لواقع جامعاتهم وتطلعاتهم لمستقبلها»، والموقع يسعى الآن إلى أن «يجذب أكبر عددٍ ممكن من الناشطين الحاليين والسابقين للكتابة عن تجاربهم بغرض توثيقها»، لأنّ أحداثًا جامعية كثيرة لم تُوثق، ولم تستطع أجيال العمل الطلابي الانتفاع منها، ويبدو أن الأجهزة الأمنية لم تنتفع كذلك، لسوء الحظ.

اضغط هنا لزيارة «مسار».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد