يعيش السودان استمرارًا لا ينقطع للحالة الاقتصادية الصعبة، التي كانت أحد أسباب قيام الثورة ضد حكم عمر البشير، الذي سقط في أبريل (نيسان) من عام 2019، إلا أن الأوضاع الاقتصادية في السودان لم تتحسن بعده، بل واصلت مسيرها إلى الأسوأ.

لم يتمكن مجلس السيادة الانتقالي من حل المشاكل الراهنة والمستعصية في الاقتصاد السوداني، لتخفيف الضغط المعيشي على السودانيين، بل زادت الضغوط المادية على الناس، ولم تبدأ الحكومة خطوات جادة لمعالجة الاقتصاد على المدى البعيد، إلا بمحاولة الوصول إلى مصادر تمويل خارجية، إن وصلت إلى السودان فستُستخدم في مشاريع ضخمة لن يُرى أثرها إلا بعد سنوات في الاقتصاد السوداني.

لكن مجلس السيادة لم يتكون أصلًا من جهة واحدة، بل ائتلف من اتفاق بين مدنيين وعسكريين، ضمن اتفاقهم لإدارة السودان حتى انتهاء المرحلة الانتقالية، المفترض نهايتها في عام 2022، الاتفاق الذي ثبت نفوذ العسكر في السودان، وأعطاه شرعية بعد الثورة.

يستخدم قادة أي انقلاب عادة تردي الظرف الاقتصادي المعيشي للمواطنين مسوغًا لتحركهم، مبررين أهمية تحركاتهم ضد المدنيين بفشل السياسات الاقتصادية، وضرورة تدخلهم لإنقاذ الوضع، وخصوصًا في حالات الدول التي تشهد مرحلة انتقال ديمقراطي. إلا أن مثل هذا المبرر قد يكون صعبًا على المكون العسكري استخدامه في حالة الاقتصاد السوداني، وهذا ما سنتعرف إليه عن قرب في هذا التقرير.

مجلس السيادة الانتقالي.. عقل البشير ما زال يحكم

كانت إحدى آمال الثوار السودانيين وتطلعاتهم إنهاء الأزمة الاقتصادية التي استفحلت في نهاية عهد البشير، وإصلاح سوء الإدارة الاقتصادية وتقليص الفساد، اللذين شكلا أزمة معيشية خانقة، تمثلت بالأساس في ارتفاع أسعار سلع أساسية في البلاد؛ مما ساهم في إشعال الثورة.

إلا أن الأزمة لم تتوقف بعد الثورة، بل تمددت واستفحلت، في صورة ارتفاع أسعار الخبز والمحروقات والدواء وسلع أساسية أخرى، فالأزمة التي تجعل حياة المواطن السوداني اليومية عصيبة أزمة نقدية ومالية مستمرة من قبل الثورة.

يعتمد السودان في توفير الكثير من حاجيات الاستهلاك الأساسية على الاستيراد، وتبلغ فاتورة استيراد ثلاثة بنود من الحاجات الأساسية فقط، هي الوقود، والدقيق، والدواء، مليارًا و200 مليون دولار، تمثل ما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي السوداني لعام 2020، بأسعار الدولار الحالية.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع للاقتصاد السوداني أن يعيش حالة من الركود في عام 2020، إلا أن الركود لا يرافقه عادة تضخم كبير، فما حصل في السودان خلال العام كان ركودًا تضخميًا، وهو مختلف عن الركود أو التضخم الاعتيادي، الذي ينتج بسبب ارتفاع الطلب على السلع، ويترافق عادة مع معدلات نمو وانخفاض للبطالة؛ ما يعني عدم تسبب ارتفاع الأسعار بصورة كارثية على الناس، بينما يعني الركود التضخمي تراجع النمو، وربما حصول انكماش في الاقتصاد، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، أي كل المصائب في سلة واحدة.

أحد أسباب الركود التضخمي كان ارتفاع سعر المواد الأولية، أو ارتفاع أسعار السلع الأساسية، والذي يعني انتقال أثر ارتفاع السعر إلى سلع أخرى، لكون السلع الأولى ضرورية في عملية إنتاج السلع الثانية، أو في عملية نقلها، وقد يحصل لأسباب أخرى أيضًا.

تعددت أسباب حصول الركود التضخمي في السودان في الفترة الانتقالية، فكان أحد أهم هذه الأسباب الركود العالمي بسبب جائحة كورونا، والقيود المفروضة على النشاطات الاقتصادية بسببها، مسببة ركودًا عامًا في البلاد، وإن كان الركود الاقتصادي أحد الجوانب الممتدة منذ عهد البشير، قبل أن يتعمق بفعل الجائحة، لكن السبب وراء ارتفاع الأسعار أمر مختلف.

أزمة العملة والحل الأزلي باللجوء للخارج

عاش السودان لعقود حالة من العزلة السياسية والاحتراب الأهلي والعقوبات الاقتصادية، أضرت باقتصاد البلد وحرمته من الوصول إلى مصادر تمويل، ومن استغلال موارد البلاد أيضًا، ووصلت الأمور ذروتها عند انفصال جنوب السودان، وحرمان البلد من 75% من واردات النفط الموجود في الجنوب، والذي يمثل 75% من إيراد النفط في الدولة قبل الانفصال، ونصف إيراد الحكومة ككل، وبطبيعة الحال يمثل النفط واحدًا من أهم موارد الدولة من النقد الأجنبي، الضروري لاستقرار العملة وقوتها.

في ظل فقدان إيراد النفط، وعدم توفير مصدر آخر للخزينة في السودان، بدأ الجنيه السوداني يفقد قيمته خلال عهد البشير، إلا أنه واصل السقوط بعد الثورة، حتى وصل سعر تداول الدولار مقابل الجنيه إلى 450 جنيهًا، من 55 جنيهًا فيما سبق.

يعني انخفاض سعر العملة ارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج، وطالما أن كثيرًا من السلع الأساسية يستوردها البلد من الخارج، فإن انخفاض سعر العملة بهذه الحدة يعني ارتفاع أسعار السلع المستوردة بحدة أيضًا، ويعني كذلك أن الدولة ستصبح أقل قدرة على دعم هذه السلع.

في ظل انخفاض إيرادات الحكومة بفعل السبب القريب المتمثل في الجائحة، والسبب البعيد المتمثل في الانخفاض الكبير للإيرادات، بقي الحل القديم الدائم في التوجه إلى الخارج، ومحاولة الوصول إلى مصادر تمويل خارجية، كحل أساسي للمشاكل الاقتصادية.

عمل مجلس السيادة الانتقالي على عنوان بارز متمثل في رفع اسم السودان من «قوائم الدول الداعمة للإرهاب»، وإصلاح العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا الغرب عمومًا، بل التطبيع مع إسرائيل، بهدف السماح للسودان بالوصول إلى القروض الدولية، والحصول على مساعدات أمريكية، وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي في السودان؛ ما يعني القدرة على حل جزء من المشاكل المالية والنقدية، والتأثير إيجابًا على الحالة المادية للسودانيين.

لا يعني ذلك أن السودان لم يكن معتمدًا قبل ذلك على الخارج؛ فديون السودان اليوم تبلغ ما يقارب 200% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه النسبة من أعلى النسب في العالم، وتمثل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد، وما يفعله مجلس السيادة حاليًا استمرار لمحاولات البشير حل أزمات الاقتصاد السوداني الداخلية بالاعتماد على الخارج، مع تنويع وتضخيم لهذه المصادر.

في نهايات عهد البشير حاولت الحكومة الاعتماد على الدعم الخليجي، بالانخراط في حرب اليمن التي زادت من نفوذ الجيش، وبعض ضباطه المنتفعين من الارتزاق في حرب ليست حربًا للسودان، بالإضافة إلى محاولة تخفيف نفقات الحكومة عن طريق تخفيض الدعم الحكومي المقدم على بعض السلع والخدمات، وتابع المجلس السيادي هذا النهج؛ فقدم موازنة تضمنت تخفيض الدعم على السلع، وترك السودانيين للمعاناة معيشيًا في ظل ارتفاع الأسعار، ووصلت معدلات التضخم إلى أرقام قياسية، بلغت في بعض الأشهر 300%.

القوات المسلحة.. المسيطر الحقيقي على الاقتصاد السوداني

لم يكن حكم البشير في أساسه إلا حكمًا عسكريًا، جاء منذ البدء بانقلاب عسكري هو الآخر، وأعطى للجيش امتيازات ومنافع كبيرة، ورفع ضباط الجيش، ومكنهم من الوصول إلى حالة من السيطرة على الاقتصاد في السودان.

بعد الثورة سعى المكون العسكري في الحكومة إلى إطباق سيطرته على مفاصل الاقتصاد الذي كان متحكمًا فيها سابقًا، والمحافظة على مصالحه في الدولة والاقتصاد، والسعي السياسي عن طريق التفاوض مع المكون المدني، ومع الجهات الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية للحفاظ على هذه المكتسبات، ومنع المساس بها من قبل المدنيين.

يدير الجيش في السودان 250 شركة، تعمل في مجالات أقل إنتاجية، ولكنها مدرة لربح ضخم، يستحوذ عليه الجيش بشكل كامل، دون الموافقة على نقل ملكية هذه الشركات إلى أية جهة مدنية، وتُعفى هذه الشركات من دفع ضريبة الدخل، أو من التدقيق على أعمالها من قبل المدنيين، وتدير هذه الشركات قطاعات رئيسة في الاقتصاد السوداني، مثل الذهب، والصمغ العربي وتصدير اللحوم.

الربيع العربي

منذ شهر
ليس لدى الجنرال من يدعمه.. لماذا قد لا ينجح انقلاب البرهان؟

أضحت مسألة الشركات المملوكة من قبل الجيش إحدى أهم نقاط الخلاف مع المكون المدني، وأعرب رئيس الوزراء السوداني المدني عبد الله حمدوك عن رفضه لاستمرار سيطرة الجيش على هذه الشركات، وعن الوزن الكبير للجيش في الاقتصاد السوداني، وضرورة نقل هذه الأصول إلى الدولة، وعدم منافسة الجيش للقطاع الخاص في الاقتصاد.

تحرم سيطرة الجيش على هذه الشركات الحكومة من عوائد ضخمة، سواء عن طريق ملكية الحكومة لهذه الشركات بشكل مباشر، أو حتى تحصيل ضرائب دخل منها، خصوصًا أن هذه الشركات تعمل في مجالات تصديرية، فيمكن لها أن تحل جزءًا من مشكلة السيولة بالعملة الأجنبية، وتوفير عائدات أكبر لميزانية الحكومة في نفس الوقت.

تعمل هذه الشركات في مجالات استخراجية، وفي تصدير مواد أولية، وليس في مجالات إنتاجية وصناعية كبرى، إلا أن عوائدها يمكن أن تستخدم – لو استطاعت الدولة السيطرة عليها – في تمويل مثل هذه المشاريع لتوفير فرص عمل أكبر، وتحسين الاقتصاد السوداني بالعموم.

وفي شهر مارس (آذار) الماضي توصل مكونا الحكم المدني – العسكري إلى اتفاق يقضي بنقل ملكية هذه الشركات إلى الحكومة، بعد ضغوط من المدنيين أيدها موقف دولي داعم لنقل ملكية هذه الشركات؛ لضمان الانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة لأيدي المدنيين.

إلا أن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أصدرت تقريرًا مفصلًا بخصوص الاتفاق، يشكك في فعاليته مسقبلًا، فالأدلة التاريخية تظهر أن تفكيك ملكية الجيش في بلدان لها أوضاع مشابهة للسودان، تكون جزئية وغير كاملة، حتى عندما يكون المدنيون في السلطة بشكل واضح وكبير، وأشار التقرير حينها إلى أن الاتفاق لم يتضمن تفصيلًا عن آلية نقل الملكية؛ ما يشير إلى ارتفاع احتمالية عدم إتمام الاتفاق.

أما اليوم فقد أصبحت الصورة أكثر وضوحًا مع انقلاب الجيش على المدنيين، فمن الواضح أن الجيش يرفض رفضًا قاطعًا تسليم مصالحه، والتخلي عن دوره المركزي وثقله الأكبر في السياسة والاقتصاد في البلاد، بل إن الجيش أخذ خطوة إضافية بانقلابه على المكون المدني، ليستلم الحكم بشكل مطلق، دون مشاركته ولو صوريًا مع مكون مدني لا يملك كثيرًا من مفاصل الحكم في السودان بالمقارنة مع الجيش.

الجيش يلعب دور المنقذ للسودانيين

تردي الأوضاع الاقتصادية في السودان أعطى للعسكر فرصة للتذرع للانقلاب على المكون المدني في السلطة، ويعطي التدهور الاقتصادي مبررًا للتحركات العسكرية، ليقدم العسكر أنفسهم كمنقذين للبلاد، وكطرف قادر على تخفيف وطأة الحالة الاقتصادية المتدهورة.

ورغم المسوغات التي قدمها المكون العسكري، فإن الظاهر أن الجيش لعب دورًا أساسيًا في عدم القدرة على إيجاد حل اقتصادي للسودان في الحقيقة. فرفض الجيش التخلي عن تحكمه بقطاعات كبيرة في الاقتصاد السوداني يحرم الحكومة من إيرادات كبيرة، لا يمكن حتى أن نعرف حجمها، ويمنع الحكومة من أحد مفاتيح حل الأزمة في السودان لعدم حصولها على عوائد من هذه الشركات، ويساهم في تعليق حصول تنمية اقتصادية حقيقية في المستقبل.

جنود سوادنيون يحيُّون البرهان 

على جانب آخر لم يكن المدنيون وحدهم مسؤولين عن إنتاج موازنة عام 2020، التي تضمنت تخفيضًا للدعم، والذي كان جزءًا من مشكلة ارتفاع الأسعار والتضخم في السودان، لكن الجيش أراد لعب دور المنقذ قبل الانقلاب حتى عن طريق ضخ أموال من الجيش وضباطه لسد عجز الميزانية، وتسليم أموال للبنك المركزي، ولَعِب دور الحكومة في تقديم بعض الخدمات للمواطنين، باستخدام نفس الأموال التي يرفض العسكر تسليمها للمدنيين، أو إخضاعها لضريبة الدخل والتدقيق من قبل الحكومة، ليعطوا جزءًا من أموال السودان على شكل صدقة للحكومة السودانية على اعتبار أنها أموالهم الخاصة.

ووصل الأمر ذروته بإقدام الجيش على الانقلاب على المكون المدني وإقصائه، وهو ما يظهر قدرة العسكر على تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، وإقصاء المدنيين من الحكم في الفترة الانتقالية، وجدير بالذكر هنا أن مجلس نظارات البجا، على سبيل المثال كان قد أعلن تأييده لتحركات الجيش ضد المكون المدني في الحكم، وهو نفس الجهة المسؤولة عن الاحتجاجات القبلية في شرق السودان، والتي تسببت في أزمة إغلاق موانئ البحر الأحمر شرقي السودان، وقطع الطريق القومي بين الخرطوم وبورتسودان.

وهو الأمر الذي رأت فيه الحكومة السودانية خطرًا كبيرًا يمس حياة المواطنين حينها، محذرة من إمكانية نفاذ مخزون الدواء في السودان، بالإضافة إلى حجز حاويات سلع إستراتيجية تتضمن الوقود والقمح؛ ما أثار شكًا أكبر حول علاقة القادة العسكريين في السودان ببعض المشاكل التي أثرت على حياة المواطنين في الفترة الماضية.

كما أن المساعدات الأجنبية والقروض التي تكرر الحديث عن منحها للسودان، بالإضافة إلى النظر في تخفيف ديون السودان القائمة، كان مرهونًا بمسار الانتقال الديمقراطي، ونقل السلطة بالكامل إلى حكومة مدنية، ولا شك أن الانقلاب في السودان سيؤثر سلبًا على كل ذلك، فكما أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت نفوذها سابقًا للدفع نحو مساعدة السودان بالمنح، والقروض، وتخفيف الدين القائم، وتقديم المساعدات مباشرة إلى السودان، فإنها أعلنت بعد الانقلاب تعليقها لمساعداتها البالغة 700 مليون دولار، وقد تُعلق جهات مانحة أخرى مساعداتها ووعودها بتقديم الديون للسودان، وإعادة النظر في تخفيف الديون القائمة عليه في ظل الرفض الدولي للانقلاب.

يعيش الانقلاب العسكري في السودان مراحله الأولى، المتسمة بعدم وضوح مستقبلها، وعدم التيقن من المسار الذي ستتبعه الأحداث في ظل رفض شعبي داخلي متمثل في دعوات لاحتجاجات مليونية، ورفض دولي واسع للانقلاب، وفي حال قدرة العسكر على مواجهة هذه التحديات، وتثبيت انقلابهم، فإن أمامهم تحديات اقتصادية كبيرة في المرحلة اللاحقة.

وجدير بالذكر هنا أن المكون العسكري وحلفاءه كان لهم دور أساسي في الأزمة الاقتصادية واستشرائها بالسودان، حتى أن الوزراء المحسوبين على توجه المعارضة في المكون المدني، وهما وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم، ووزير المعادن محمد بشير عبد الله، استلما في الحكومة الانتقالية حقائب وزارتين معنيتين بشكل مباشر بالاقتصاد السوداني، وبمشاكل السودان الاقتصادية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد