لم تهدأ بعد الضجة التي أحدثها خروج أتباع الطريقة «الأحمدية» والتي أدت لسلسلة صدور عقوبات حبس بحق هؤلاء، حتى تفاجأ الجزائريون بظهور الطريقة «الكركرية».

تارة يسخرون من لباس أتباع هذه الطريقة المزركش بألوان متعددة، وأخرى يعربون عن تخوفهم من إحداث فتنة في مجتمعهم السني المالكي، فالأيام الماضية، شهدت سلسلة متلاحقة لأنشطة متعددة لأتباع هذه الطريقة، خرجت من ما يعرف بـ«الحضرة»، ومن الشوارع التي اخذ أتباع الطريقة يرددون فيها ابتهالات دينية بإيقاعٍ واحد، ينغمسون خلالها في جوانبهم الروحية.

اقرأ أيضًا: يعلّمون القرآن أم يحشدون للسلطة.. قصّة التحالف بين النظام والصوفية في الجزائر

«بلغيث» مؤذن يرفع صوت الطريقة الكركرية في الجزائر

في الثاني والعشرين من أغسطس (آب) الماضي، خرج مؤذن جزائري يدعى «موسى بلغيث» من بلدية «حجاج» شرقي مستغانم القريبة من الحدود الجزائرية المغربية، يعلن عن اعتناقه لفكر الطريقة الكركرية. قال «بلغيث» في فيديو مصور أن شيخه لقنه: «أسرار الطريقة الربانية، حين أدخله غرفة منعزلة طويت له داخلها مسافة المكان والزمان بفضل نور النبي، فشاهد غمامة فوق جمع المريدين ممن يرتدون الملابس الملونة، فحصل ليلتها على أول سر من أسرار الله»، «بلغيث» لم يكتفِ بإعلان موقفه من «الكركرية»، بل أخذ يدعو الجزائريين لاتباعها بعد أن نجح في إقناع بعضهم بالانضمام إليها.

لم يكن «بلغيث» الذي ظهر بزي الطريقة «الكركرية» المزركش بألوان متعددة وحده، فسرعان ما انتشرت صور وفيديوهات للتعريف بالطريقة، وخرج أتباع الطريقة من زواياهم في ولاية مستغانم وهم يجولون بلباسهم الذي سخر منه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي؛ وأخذوا ينقلون أنشطتهم على الإنترنت، الأمر الذي أثار موجة سخط كبيرة بين بعض الجزائريين الذين اعتبروا ذلك مخالفًا للإسلام والعادات والتقاليد الجزائرية .

وتعود الطريقة «الكركرية» إلى المغربي «محمد فوزي كركري»، المولود عام 1974 بمدينة مسمان المغربية، لكن حسب المعلومات الواردة في موقع الطريقة ذكر أن أول شيوخها هو «أحمد العلوي المستغانمي»، الذي ينحدر من مدينة (مستغانم) الجزائرية، حيث يوجد قبره حاليًا، بينما ثاني شيوخها هو الشيخ «الطاهري الكركري» الذي ينحدر من جبل كركر، لكن ظهورها الجديد في الجزائر هو نتاج رحلات الجزائريين إلى المغرب، فقد ظهرت في المناطق المتاخمة لحدود المغرب.

أتباع الطريقة الكركرية (الإنترنت)

وترفض هذه الطريقة اعتبارها طائفة إسلامية أو أنها تمثل دينًا جديدًا، إذ تحرص على تأكيد تشبثها بالدين الإسلامي والمذهب المعتمد في البلد الذي تتواجد به، وتحسب الطريقة «الكركرية» التي يرتدي أتباعها زيًّا متعدد الألوان على الطرق الصوفية، ففيها «الحضرة» و«الخلوة»، ويدعي أصحابها الانتساب إلى 48 قطبًا صوفيًا، وتعرف هذه الطريقة نفسها في موقعها الإلكتروني بأنها: «طريقة تربوية تهدف إلى إيصال العباد إلى تحقيق مقام الإحسان حتى يتمكنوا من الجمع بين العبادة والشهود (أن تعبد الله كأنك تراه) وبين السلوك والمعرفة حتى تكون حياتهم كلها لله رب العالمين، لذلك تدعو أتباعها إلى الالتزام بالكتاب والسنة في كل أحوالهم».

وتضيف الطريقة: «لأننا نؤمن أن وراء كل فعل من أفعال الشريعة المطهرة سر ملكوتي وقبضة نورانية تجمع العبد على مولاه وتنسيه كل ما سواه… ولكن لا يتم ذلك إلا باتباع منهج الشيخ المربي الذي يصف الدواء المناسب لكل سالك»، كما تؤكد أنها : «تمتاز بملازمة السنة في الأقوال والأفعال والأحوال، وأنها تمزج بين الفناء والبقاء، فتلميذها فان باق في الوقت نفسه، وأنها طريقة تجمع جميع مدارس التصوف ومشاربه، فتجد فيها تصوف الفقيه، وتصوف العابد، وتصوف المنطقي والحكيم والطبيعي، كل واحد يجد فيها مشربه الذي يلائمه».

وفيما يتعلق بتمويلها، يقول الناطق الرسمي باسم الزاوية الكركرية بالمغرب، أمين غاري لـ«أصوات مغربية» أن: «الزاوية تعتمد منذ الأزل على التمويل الذاتي، يعتمد على المأونة التي يأتي بها كل زائر للزاوية، يعني نظام تكافلي».

هل تقف الحكومية المغربية وراء ظهور «الكركرية» في الجزائر؟

فعليًا، حققت السلطات الجزائرية مع أتباع الطريقة الكركرية، و تم ذلك «في إطار الاحترام والتقدير» كما وصف «موسى بلغيث» أحد أتباع الطريقة الكركرية. جاء التحرك الرسمي الجزائري السابق تلبية لدعوات عدة طالبت بالوقوف على التهديد الطائفي لنسيج المجتمع الجزائري، واعتبار ظهور هذه الطريقة يأتي في هذا الوقت بهدف تضليل الرأي العام، وشغله عن القضايا المصيرية، وخدمة أجندات أجنبية، لا سيما مع موعد اقتراب الانتخابات الرئاسية في الجزائر، وقد أعربت صراحة المصادر الجزائرية عن أن ظهور الطائفة الذي يتزامن مع توتر الأجواء بين الجزائر والمغرب، يأتي محاولة للتوغل في الجزائر باسم الطريقة الأكثر انتشارًا في المغرب.

يقول أحد شيوخ الصوفية القادرية ويدعي «حسني حسن» أن : «التدخلات الأجنبية في الجزائر تتخذ أشكالًا عديدة، والمذاهب الصوفية قد استهدفت بشكل غير معقول، فالغرض من التدخل الأجنبي هو زرع الارتباك بين الناس وتغيير معتقداتهم وممارساتهم السائدة»، أما قائد الطريقة القادرية في الجزائر وعموم أفريقيا الشيخ «حسان حساني»، فيقول لصحيفة «الشروق» الجزائرية: «الفرقة تهدف إلى اختراق المجتمعات بواسطة الدين، حيث تستعملها المخابرات الأجنبية لنشر الفرقة والفوضى داخل الوطن الواحد، علمًا أن منطقة مستغانم معروفة بنشاط الزاوية، الذي تعدى حدود الوطن، على غرار الزاوية السنوسية التي لها امتداد كبير في ليبيا وعموم دول الساحل الأفريقي، إلى جانب الزاوية العلوية والبوزيدية».

شيخ الكركرية المغربي «محمد فوزي كركري» (موقع الطريقة الكركرية)

يؤكد الباحث في مركز «ستا للدراسات» بالقاهرة «مصطفي زهران»  أن الطريقة الكركرية لا تختلف كثيرًا في طبيعتها عن الطرق الصوفية الأخرى، فهي لا تتعاطي مع المشهد السياسي بشكلٍ أو بآخر، لكنها على المستوى المجتمعي خلقت مجتمعًا موازيًا يختلف عن مجتمع الطرق الصوفية الأخرى، موضحًا: «كرست بشكلها المغاير مجتمعًا كركريًا أشبه بحالة التنظيمات الجماعية التي لديها من الآليات المختلفة ما يمكِّن الكركري أن يعيش وسط طريقته بشكل أكثر مما يعيش مع مجتمع من حوله، وذلك في سبيل التعبئة والتنظيم والتجيش لكونها راغبة في أن تكون حالة مغايرة عن الطرق الصوفية الأخرى وهي أشبه بالحالة الآنية في مظاهرها الخارجية من حيث إطالة اللحي ولبس الثياب البيضاء والعمامة وما شابه».

ويبين «زهران» أن الجدل حول هذه الطريقة أثير بشكل كبير بسبب ضرورة المشاهدة، مضيفًا: «في هذه الطريقة هناك ضرورة أن يصل التابع بمراحل التخلي والتجلي إلى مراحل لم تكن الطرق الصوفية تعول عليها كثيرًا  في ظل حالة من التحديث القيمي والعقلي والأيديولوجي والسياسي والمجتمعي، وهي أن يعود الصوفي لحالة ماضية يصفها البعض بحالة: خرافة حداثية».

«الكركرية» تكرس فكرة المشاهدة

بالرغم من أن الجزائر واحدة من أهم الدول التي تحتضن الطرق الصوفية، ففيها المقر العالمي للعديد من هذه الطرق، أمثال الطريقة التيجانية والطريقة العلوية، إلا أن الجزائريين يتعاملون بحذر شديد مع ظهور الطرق الجديدة، ويربطونها بالفرق الضالّة والمنحرفة عن الدين الإسلامي والسنّة النبوية في بلد ينص دستوره على أن «الإسلام دين الدولة، وأن الشعب الجزائري شعب سني، ويتبع نهج الإمام مالك».

أتباع الكركرية (موقع الطريقة الكركرية)

ويوضح لنا الباحث في مركز «ستا للدراسات» بالقاهرة «مصطفي زهران» أن الطريقة الكركرية اتخذت من التمظهرات الشكلية المتمثلة في لبس ألوان الطيف أدوات جذب وتعبئة وحشد، وهي وسيلة جديدة وآلية لم تتخذ من قبل في الحالة الطرقيّة، مضيفًا : «يمكن القول أنها الأولى من نوعها في العصر الحديث التي أعادت تشكلات جديدة إلى الواجهة مرة أخرى، واستخدمت أدوات تعبئة جاذبة لقطاعات كبيرة سواء كان في الشرق أو الغرب».

ويرجع «زهران» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» صعود علامات الاستفهام وكثرتها حول هذه الطريقة إلى التشكيلات والتمظهرات للحضرة وطبيعة اللباس داخل الطريقة الكركرية، فتلك الأمور أسهمت بشكل كبير في إثارة الجدل والنقاش وخلقت حالة جدلية، ويرى «زهران» أن الحالة الغريبة لهذه الطريقة تتمثل في أنها كرست لفكرة المشاهدة المريبة بحد ذاتها، فلا يمكن تحوقل التابع في هذه الطريقة إلا أن يشاهد الله –عز وجل- والنبي (عليه أفضل الصلاة والسلام) والصحابة والبركات، ويختم بالقول :«بدأ من المشاهدة يكون التابع لهذه الطريقة كركريًا».

يذكر أنه من أهم الطرق التي أحدث ظهورها ضجة في المجتمع الجزائري الشيعة والأحمديين والقرآنيين، لذلك  طرق ظهور الكركرية الباب مجددًا، للحديث عن خطر جديد يهدد المرجعية الدينية، إذ لم تنسى الجزائر بعد تجربة الطائفة الأحمدية التي اعتبرها الجزائريين خارجة عن الإسلام، فعجل وزير الشؤون الدينية والأوقاف «محمد عيسى» للإعلان عن تشكيل لجنة أمنية رأسها وزير الداخلية الجزائري باعتبار أن «القضية أمنية وليست دينية»، فالجزائر اعتبرت أن التهديد الذي تمثله الطريقة يكمن في ولائها لقيادة خارج الجزائر، وتحويلها الأموال من وإلى الجزائر بعيدًا عن مراقبة الأجهزة الأمنية والبنوك.

وتسبب هذا التخوف في وقوع سلسلة اعتقالات في ولاية البليدة  الجزائرية العام 2016، حيث تم القبض على تسعة أحمديين، ثم جاء اعتقال زعيم الطائفة الأحمدية في الجزائر«محمد فالي»، كخطوة أخيرة في هذه السلسلة الاعتقالات، وحوكم المعتقلون ب«تهم جمع التبرعات دون رخصة، الانخراط في جمعية غير معتمدة، والمساس بالمعلوم بالدين».

المصادر

تحميل المزيد