هل يُمكنك تخيُّل أن هناك مكانًا يدفعك مُجرد وجودك فيه إلى التفكير في الانتحار وبدء التنفيذ بالفعل، دون أن تملك السيطرة على نفسك أو تستطيع التراجع عن هذا القرار؟ إذا لم تستطع التخيُّل فمؤكد أنك لم تسمع من قبل عن غابة أوكيغاهارا في اليابان، والتي يُطلق عليها اسم «غابة الانتحار»، والتي اشتُهرت بكونها واحدة من أكثر الأماكن التي حدثت بها حالات انتحار بالعالم.

فيديو على «يوتيوب».. من هنا كانت بداية الغابة سيئة السمعة

في عام 2018 نشر المدون لوجان بول على قناته بموقع «يوتيوب»، والتي تضم أكثر من 15 مليون مشترك، مقطع فيديو يُصوِّر جثة رجل في غابة أوكيغاهارا. شاهد هذا المقطع حوالي 8 ملايين شخص قبل حذفه، وأُجبر الشاب البالغ حينها على تقديم الاعتذارات بعد عاصفة من الانتقادات بوصفه فعل فعلًا شنيعًا. إذ صوَّر نفسه وهو يضحك مع أصدقائه حول الجثة التي صوروها مُعلقة على شجرة قبل نشر الفيديو على قناته، وقد عاقبه الموقع بإزالة قنواته من «Google Preferred».

كان الفيديو الذي نشره لوجان كفيلًا بجعل أوكيغاهارا تتصدر عناوين الصحف بصفتها من أكثر المواقع الانتحارية شراسة في العالم خلال السنوات الأخيرة، وتقع غابة الانتحار تلك بالقرب من جبل فوجي باليابان، وتبلغ مساحتها 12 ميلًا مربعًا، مما يجعل من الصعب الوصول لمن يدخلون الغابة.

تُعاني اليابان بشكل عام من ارتفاع نسبة انتحار سكانها، وقد بلغت حالات الانتحار في اليابان ذروتها في عام 2003 ووصلت إلى 34427 حالة انتحار وتراجعت في عام 2016 لتصل إلى 21897 حالة انتحار.

ويُعتقد أن عزلة غابة الانتحار هذه، هي أحد الأسباب التي تجعل الكثيرين من الأشخاص الذين يُعانون من الاكتئاب يختارون الغابة بوصفها مكانًا مثاليًّا للانتحار. ففي كل عام، تُزيل السلطات عشرات الجثث من الغابة، لكنها لا تستطيع اكتشاف جميع الحالات، فيوجد آخرون لم تُكتشف بقايا أجسادهم منذ سنوات. حتى إن المسؤولين في السنوات الأخيرة، توقفوا عن نشر أرقام حالات الانتحار التي تحدث في أوكيغاهارا، محاولة منهم لتقليل ارتباط الغابة بالانتحار.

بالنسبة لسكان منطقة أوكيغاهارا فكل سائق تاكسي لديه قصص عن ركاب أخذهم من المحطة إلى غابة الانتحار، واثق من أنه لن يعود بهم. كما يتحدث تلاميذ المدارس عن الأجسام البيضاء التي شوهدت تتطاير حول الغابة ليلًا.

دوريات جوالة لمنع الناس من الانتحار في الغابة!

أثناء التجول بالغابة يُمكنك أن تجد اللافتات التي وضعها المسؤولون، والتي تحمل رسائل للأشخاص الذين يُفكرون في إنهاء حياتهم لتحثهم على التفكير في عائلاتهم، فتحمل اللافتات رسائل تقول: «حياتك هدية ثمينة منحها لك والداك»، «فكِّر في والديك وإخوتك وأطفالك»، «تحدث عن مشكلاتك ولا تحتفظ بها لنفسك»، كذلك تتضمن أرقام تليفونات للاتصال بمنظمة منع الانتحار من أجل الحصول على المساعدة.

Embed from Getty Images

لكن اللافتات لا تفعل شيئًا لردع الناس عن الانتحار، وكل ما يبقى خلفهم في الغابة بعض الأحذية وممتلكات شخصية أخرى، بالإضافة إلى المشانق، التي شوهدت مُلقاة على الأرض أو تتدلى من الأشجار.

لجأ المسؤولون المحليون إلى تنظيم دوريات يومية لمنع حدوث حالات انتحار في الغابة، فيُمكنك أن تجد المتطوعين يتجولون في الغابة باحثين عن أشخاص يُحاولون الانتحار لمنعهم عن فعل ذلك.

من هؤلاء المُتطوعين، ماكوتو كاجياما، الشاب البالغ من العمر 29 عامًا، والذي لديه خبرة مباشرة حول الغابة سيئة السمعة، يقول ماكوتو لـ«بي بي سي»: «كونك متطوعًا فإما أن تجد في الغابة جثثًا أو شخصًا ينتحر، يوجد لكل مجموعة منَّا رئيس، وهو الشخص الذي يتعامل مع من يرغب في الانتحار أو يبقى مع الجسد للتأكد من عدم لمس أي شخص لأي شيء».

يوضح ماكوتو أن دورهم أن يُخطروا الشرطة بأي جثث يجري انتشالها، أو يقودوا أولئك الذين يفكرون في الانتحار إلى منازل آمنة حيث يمكن مساعدتهم.

الشرائط.. وسيلة المترددين في العودة من غابة الانتحار

لم تجذب الغابة من حسموا أمرهم بالانتحار فحسب، ولكنها جذبت أيضًا المترددين، الذين ذهبوا إلى هناك وفي خاطرهم أنهم قد يعودون ولا ينتحرون. هؤلاء يربطون شريطًا أو خيطًا بالأشجار خلفهم في محاولة للتأكد من أنهم يستطيعون أن يجدوا طريقًا للعودة بمُجرد أن يُغيروا رأيهم في فكرة الانتحار.

في معظم الحالات إذا تابعت الشريط تجد شيئًا في النهاية، إما أن تجد جثة أو تجد آثارًا على أن شخصًا ما كان موجودًا هنا، أحد المتطوعين وجد في نهاية الشريط مُخيمًا مؤقتًا من القماش المشمع، بالإضافة إلى دمية تم تسميرها على شجرة، كانت الدُمية مُعلقة رأسًا على عقب ووجهها ممزق، في إشارة إلى أن الشخص الذي كان هنا قد تعرض للتعذيب من قِبل المجتمع.

ما وراء الطبيعة.. ما الذي يدفع الناس إلى الانتحار في غابة أوكيغاهارا؟

يقول موقع «سيكولوجي توداي»: «غالبًا ما ترتبط الأماكن التي كانت مسرحًا لعمليات الإعدام، مثل الأماكن التي بُنيت فيها المشانق أو حدثت فيها حوادث قطع الرؤوس، بقصص الأشباح، كما هو الحال في ساحات القتال والمناجم حيث يموت الرجال موتًا عنيفًا».

فعلى سبيل المقال وبحسب الموقع، كان يعتقد في إنجلترا في أوائل القرن العشرين، أن «أرواح عمال المناجم الذين قُتلوا في كوارث المناجم السابقة ظهرت فجأة لتحذير عمال المناجم من الانهيار الوشيك للجدران المحيطة بهم، وتناقلت الأسطورة بطريقة مفادها أن أشباح أطفال عمال المناجم القتلى هم الذين نقلوا الأخبار السيئة، ومن هنا، فإن الموت غير المُتوقع أو العنيف هو أحد المكونات الرئيسية لمنح مكان ما سمعة كونه مسكونًا أو به قوى ما ورائية».

Embed from Getty Images

يرى الموقع السابق، أن حالات الانتحار ليست وحدها التي أكسبت أوكيغاهارا شهرتها بوجود القوى الماورائية بها، ولكن هناك أسبابًا أخرى؛ فلطالما ارتبطت الغابة بظواهر خارقة للطبيعة، إلى حد أنها كانت مصدر إلهام لفيلم الرعب «الغابة» الذي جرى إنتاجه عام 2016.

كذلك كانت غابة الانتحار هذه، وجهة شهيرة يُترك بها كبار السن ليموتوا وحدهم وبكرامة في القرن التاسع عشر. كما وُصِفَت الغابة في كتاب «الدليل الكامل للانتحار»، وهو من أكثر الكتب مبيعًا في اليابان، بأنها «المكان المثالي للموت»، وهو الكتاب الذي عُثر على نسخ منه مع جثث العديد من الضحايا المُنتحرين في الغابة.

بعض التفسيرات الشعبية لسبب الانتحار في الغابة يعود إلى أن الغابة ممتلئة بالأرواح الغاضبة، فأرواح كبار السن والمرضى الذين كان يجري نقلهم إلى الغابة وتركهم ليموتوا، وكذلك أرواح المُنتحرين الذين كانوا يمتلكون مشاعر سلبية قوية مثل الاكتئاب أو الغضب، قد تحولوا إلى أرواح غاضبة، تسكن الغابة وتُشجِّع زائريها من الأشخاص الانتحاريين، على تنفيذ رغبتهم الرهيبة في الموت.

ويدعم كيوميو فوكوي، وهو راهب بوذي، هذا التفسير قائلًا لـ«الإندبندنت»: «الأرواح تدعو الناس هنا لقتل أنفسهم، وهي أرواح الأشخاص الذين انتحروا من قبل»، لذلك جاء برفقة 50 راهبًا من معبده لبناء مذبح صلاة مؤقت في موقف للسيارات، للصلاة من أجل راحة أرواح أوكيغاهارا المضطربة.

يُضيف كيوميو قائلًا: «تجذب الأرواح الأشخاص التعساء إلى هنا، بينما الصلوات تجلب لهم السلام، وتُعيدهم إلى أوطانهم بدلًا من إيذاء أنفسهم، ولهذا السبب نحن هنا، على منحدرات جبل فوجي».

منوعات

منذ 3 شهور
3 منازل مسكونة بالأشباح معروضة للبيع.. هل لديك الجرأة على السكن فيها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد