«الشمس لا تنطفئ أبدًا»، بهذه العبارة أنهى إحسان عبد القدوس روايته «لا تطفئ الشمس»، مُشيرًا إلى أن الشمس هي أمل يتجدد كل يوم، والحياة لا تتوقف، حتى وإن فقدنا فيها عزيزًا أو غاليًا. حتى وإن فقدنا الحب؛ فالشمس تشرق كل يوم. الشمس لا تنطفئ أبدًا.

ومن تلك السيمفونية الناعمة للمشاعر الإنسانية التي غزلها إحسان عبد القدوس على مدى أكثر من ألف صفحة مكتوبة، يغزل لنا «تامر حبيب» سيمفونيته المصورة على الشاشة الصغيرة في رمضان هذا العام، باختياره رواية من أجمل ما كتب إحسان عبد القدوس بحسب النقاد، رواية يحتفي فيها إحسان بالحب، وبالمرأة على وجه خاص، وهي نفس تركيبة تامر حبيب المفضلة في كل أعماله، فالمشاعر لديه شيء أساسي، والحب هو الطريق الذي يراه مناسبًا لكل البشر ليسلكوه، لن تجد في أعمال تامر حبيب شخصية واحدة لا تعرف الحب، حتى وإن كان هذا الحب شريرًا، أو حبًا للنفس، وكأن الحب – أيًا كان نوعه – هو ما نبني عليه كل شيء باقٍ.

ولكل ما سبق، فحين سألنا تامر حبيب عن سبب اختياره لإحسان عبد القدوس تحديدًا، قال: «أعمال إحسان عبد القدوس لها رونق خاص لا يشبه أحدًا آخر، فهي تعطي للمشاعر مكانة أساسية، فنجدها تحتفي بالحب، كل أنواع الحب» ويستكمل حديثه حاكيًا عن ذكرياته مع روايات إحسان عبد القدوس، وكيف كانت هي صلته الأولى بالأدب في فترة طفولته، فيقول: «كنت طفلًا في الثانية عشرة من عمري، وكان إحسان عبد القدوس من أوائل الأدباء الذين قرأت لهم، ولذلك وعندما قررت أن أخوض تجربة الكتابة من الأدب هذا العام، كان أول ما تطرق إلى ذهني، هو أن أقوم بالاختيار من بين رواياته».

لا تطفئ الشمس عمل يصلح لكل زمان

عندما تطرقنا إلى لحديث عن لا تطفئ الشمس تحديدًا، وكيف تم اختيارها لتحويلها لعملٍ درامي يشارك في الموسم الرمضاني؛ التقط تامر حبيب أطراف الحديث قائلًا: «في الحقيقة كنت قد حضرت لعملٍ آخر هذا العام، من تأليفي الخاص، ولكن كان سيتعذر عليّ إنهاؤه قبل الموسم الرمضاني، وعندما أخبرتني الشركة المنتجة أن أقوم بالاختيار لعمل درامي يُعرض في رمضان القادم، بالتعاون مع المخرج محمد شاكر خضير، بعد ما حققناه من نجاح في العام الفائت في مسلسل جراند أوتيل، قررنا أن نقوم بالاتجاه إلى الأدب، وكانت لا تطفئ الشمس إحدى رواياتي المفضلة، وأكثر ما جذبني إليها أنها تصلح لكل زمان، فقد أحببت فيها الطريقة التي يناقش بها إحسان عبد القدوس العلاقات والحب، فقد تناول فيها إحسان المشاعر بعمق ومن كل الزوايا الممكنة، ست شخصيات بست تركيبات نفسية مختلفة، يعيشون قصص حب لا تُشبه بعضها البعض، فيصنعون معًا مزيجًا يصلح فعلًا لأن يكون عملًا جماعيًا».

الرواية، وعلى الرغم من أن بطلها هو «أحمد» المتردد دائمًا، والذي لا يعرف أية شخصية يريد أن يكونها، أو أي شيء يود أن يصبحه، نجد إلى جانبه أربع شخصيات نسائية، غاص إحسان في أعماقها واصفًا أدق المشاعر النسائية خصوصية بصدقٍ تام، فنجد ليلى الصغيرة المدللة، والوحيدة التي نالها جانب من عاطفة الأب، تنجذب للرجل الأكبر سنًا في الرواية، وهو فتحي، والذي يكبرها بأكثر من عشرين عامًا ومتزوج.

في حين أن فيفي، تلك التي تحملت كل عقد العائلة، والتي تكره والدها؛ لأنها كلما نظرت في المرآة ترى وجهه كامنًا فيها، نجدها تكره وجهها، لا تهتم بجمالها الخارجي، وتفضل الانعزال عن العائلة، وكأنها تعاقبهم؛ لأنها لم تأخذ حظهم في الجمال. كل هذا وأكثر كان عامل جذب لتامر حبيب؛ ليقوم باختيارها لتصبح عمله القادم، ولكن ما الأشياء التي فضل عدم تناولها في الرواية؟

يقول تامر حبيب: «الجزء الوحيد الذي لم أتناوله في الرواية هو الخط السياسي بها، والذي يصنع زمنها الخاص، فالرواية تتناول فترة الخمسينيات والستينيات وبداية عصر عبد الناصر، وقد جعل إحسان عبد القدوس الخط الدرامي بها متزامنًا مع الصراعات السياسية حينذاك، فنجد شخصية البطل تقوم بالتطوع في الجيش من أجل صد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهو الحدث الأهم في الرواية، والذي يغير من شخصية البطل، والذي قام بدوره في الفيلم «شكري سرحان» وهذا هو ما قمت بتغييره.

ويستكمل تامر حبيب حديثه قائلًا: إنه فضل للمسلسل أن يتخذ خطًا زمنيًا جديدًا ومعاصرًا لما نعايشه اليوم من أحداث، قائلًا: «إن ما نعايشه اليوم من واقع اجتماعي وسياسي في مصر هو في نظري أخطر حتى من العدوان الثلاثي في الخمسينيات».

أما عن الصعوبات التي واجهته ليقوم بتغيير زمن الرواية، فيقول عنها: «في الحقيقة لم أجد صعوبة في جعل أحداثها الدرامية متزامنة مع ما نواجهه في عصرنا الحالي؛ فأحداث الرواية يمكنها أن تكون متماشية مع أي زمن، لكن التحدي الحقيقي الذي واجهته أثناء كتابتي كان هو: أن أكتب نفس تلك الأنماط من الشخصيات، بنفس قصص الحب، ولكن برومانسية العصر الحديث، فرومانسية الستينيات تختلف كليةً عن طرق الحب المعاصر، والذي نعايشه اليوم، فقد كانوا بالطبع أكثر رومانسية منا».

شخصيات الأم والأب التي لا نعرفها

«لم تَسعد بزوجها، لم تسعد جسدًا ولا روحًا، إنها تعطيه حقه وتحاول أن تسعده به، ولا تسأل عن حقها، آلة مُعدة للزواج تسير في دقة وانتظام دون أن يُصيبها خلل».


هكذا وصف إحسان عبد القدوس العلاقة ما بين الأم والأب في روايته بدقة متناهية، فقد تعرفنا في الفيلم على الأم كشخص جامد، متحجر، تقبل لابنتها الزواج من شخص لا تحبه؛ فقط لتتخلص من العبء، عبء الحب الخطأ، الذي رأت ابنتها ليلى تقع فيه بحبها لأستاذها المتزوج، لكننا لم نعرف أبدًا أية خلفية عن تلك الأم، عن مشاعرها، وعما حوَّلها لآلة جامدة لا يصيبها الخلل.

يقول لنا تامر حبيب عن ذلك: «هناك خط كامل عن الأم في الرواية قد تم تجاهله في الفيلم، فحتى الأم في الرواية تعيش قصة حب بخطوط ناعمة من زمنٍ فائت، تتناسب مع تلك المرحلة العمرية الحرجة، والتي فضلت أن أتناولها في المسلسل، وهي الشخصية التي ستؤدي دورها ميرفت أمين».

صنع إحسان لشخصية الأم في روايته عالمًا خاصًا خفيًا لا تظهره أمام المحيطين بها من أبنائها، قصة حب مدفونة جيدًا داخل أعماقها، حاولت قتلها ولم تعرف، فتعايشت مع زوج لا تحبه، تسعده ولكنها لا تسعد به كما قال عنها إحسان، أما الأب والذي كان مختفيًا تمامًا في الفيلم نظرًا لموته، فسنجده في الرواية حاضرًا حتى من خلال موته في الذكريات التي تحاصر أبناءه حينًا، وزوجته حينًا آخر.

يصور إحسان الأب شخصًا انتهازيًا يحضر في ذهن ابنه الأكبر أحمد، والذي لا يحبه ولا يكرهه، إن ما يربط بينهما هي علاقة من رأى شخصًا على حقيقته، فلم يعد يهتم بحقيقة مشاعره تجاهه، فهو يعرف أن والده كان قادمًا من أسرة بسيطة، ولكنه يعرف أيضًا انتهازيته، وعقد نقصه، فيقول تامر حبيب عن هذا: «لقد ناقش إحسان عبد القدوس الفروق الطبقية من خلال شخصيتين في الرواية، شخصية الأب، والتي كانت شخصية انتهازية، ذات تطلعات طبقية، فيتدرج في المناصب ويربط نفسه بإحدى العائلات الكبيرة؛ فقط ليتقرب من هذا المجتمع البعيد عنه، أما الشخصية الأخرى فهي، وعلى الرغم من بساطتها، مختلفة عن ذلك، والتي تناولها في شخصية محمود، الطالب بكلية الآداب، والذي يحب نبيلة، ويحاول أن يعوض هذا الفارق بينهما بأن يكون أكثر ثقافة مثلًا».

ويستكمل تامر حبيب حديثه عن تلك الفروق الطبقية والاجتماعية مشيرًا إلى أن الواقع الاجتماعي في الستينيات وهو زمن الرواية كان مختلفًا تمامًا عما نعايشه اليوم، فالفجوات بين الطبقات الاجتماعية أصبحت أكبر، قائلًا: «التركيبة الاجتماعية بالفيلم والرواية تتناول الطبقة المتوسطة في الخمسينيات والستينيات، والتي هي مختلفة كليةً عن الطبقة المتوسطة اليوم، والتي كان بإمكان البطل فيها أن يكون موظفًا حكوميًا، لا يمتلك سيارة، ويذهب إلى عمله بوسائل المواصلات العامة، ومع ذلك يقضي أغلب أوقات فراغه وسط الأثرياء في نادي الجزيرة.
أما الآن فتلك الطبقة أصبحت شبه غير موجودة، كما أصبح هناك فروق اجتماعية، بل ثقافية ضخمة بين الطبقات، تحول دون ذلك».

ويواصل كلامه مُشيرًا إلى أن المناخ الثقافي الذي كان موجودًا في القرن الفائت، والذي كان يسمح بالتقريب بين الطبقات لم يعد موجودًا، فيقول في حواره مع «ساسة بوست»: «في هذا العصر كنا نجد حارس العقار يستمع لأغنيات أم كلثوم بنفس شغف هؤلاء الأثرياء الذين يحضرون حفلاتها ويجلسون في الصفوف الأولى».

ويستطرد: «حاولت معالجة تلك الفجوة بين الستينيات وواقعنا اليوم، والتي تمثلت في خط واحد فقط درامي، وهو علاقة الحب بين نبيلة والطالب الجامعي محمود والذي هو من طبقة بسيطة، بمحاولة تعويض هذا الفارق الاجتماعي بينهما بأن يكون أكثر ثقافة. وهو شيء ما زال موجودًا حتى الآن في الجامعات، فسنجد الطالب القادم من طبقة اجتماعية بسيطة يحاول دائمًا أن يحجز لنفسه مكانًا في اتحاد الطلبة مثلًا».

ألم تخف من أن تتم مقارنة الفيلم بالمسلسل؟

إن أول ما نفعله عادةً حين يتم تحويل عمل قديم لآخر جديد، أو حتى يقترب منه، سواء كان فيلمًا سينمائيًا أو مسلسلًا تليفزيونيًا هو عقد المقارنات والبحث عن أوجه التشابه والنقص، ولذلك كان هذا السؤال ضروريًا، وكان رد تامر حبيب قاطعًا ودون تردد: « لم أخش الفيلم بقدر ما خشيت من الرواية».

واستكمل حديثه قائلًا: « فقد تعاملتُ مع الرواية ككائن مستقل بذاته، وبشكل منفصل تمامًا عن الفيلم، فهناك أحداثٌ كثيرة بالرواية لم يتناولها الفيلم نظرًا لضيق الوقت، فالرواية جزآن تتخطى الألف وخمسمائة صفحة، والفيلم زمنه الدرامي ساعة ونصف فقط، وهو ما يجعله عاجزًا عن تغطية كل أحداث الرواية، حتى وإن قاموا بتكثيفها، وهذا ما قمت باستغلاله في المسلسل، فكان لدي متسع من الوقت لأقوم بتغطية كل الخطوط الرئيسة في الرواية، بالتركيبات النفسية المختلفة لأبطالها، والتي كانت بالنسبة لي مادة ثرية وضخمة. هذا إلى جانب أنني قد قمتُ بتغير الأزمنة، وبالتالي الواقع الاجتماعي للشخصيات، وهو ما جعل العمل بعيدًا كل البعد عن الفيلم وزمنه».

عرض التعليقات
تحميل المزيد