لم تكن معركة الموصل -حتى قبل بدئها- الفصل الأكثر إثارةً في المشهد السياسي العراقي، فهاجس المكونات العرقية والمذهبية جميعها كان من المستقبل، المستقبل الذي سيحدد شكل الدولة العراقية برمتها، وليس شكل المنطقة السنية فقط.

ضمانات قبل المعركة

في سبتمبر (أيلول) الذي سبق معركة الموصل، زار رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بغداد، وهذه الزيارة الأولى له بعد خمس سنوات عجاف، كانت شاهدة على أسوأ مرحلة للعلاقات بين المركز والإقليم منذ احتلال العراق عام 2003.

كان عنوان الزيارة وقتها هو الترتيب بشأن معركة الموصل، وهذا ما حدث بالفعل، فقوات البيشمركة الكردية التي خاضت معارك طاحنة مع مليشيات الحشد الشعبي في قضاء طوزخرماتو تصطف مع الحكومة والمليشيات التابعة لها في خندق واحد، ضد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

هذا الاصطفاف الكردي مع الخصم الشيعي ليس هدفه بطبيعة الحال تحرير أهالي الموصل من قبضة «تنظيم الدولة الإسلامية»، فهذا الأمر آخر ما تقتضيه مصلحة الأكراد، خاصة إذا علمنا أن المعركة تأخرت ثلاثة أشهر عن موعد انطلاقها المقرر بالفعل، لأنَّ الأكراد يريدون وعودًا تضمن لهم سهل نينوى قبل انطلاق المعركة.

 (صورة من زيارة مسعود بارزاني إلى بغداد)

لماذا يريد الأكراد سهل نينوى؟

تسكن في سهل نينوى الأقليات العرقية (المسيحية الأرثوذكسية) التي تتحدث في غالبيتها اللغة الكردية، ومناطقها تحاذي حدود إقليم كردستان الشرقية، والشرقية الشمالية (منطقة سنجار)، وشرط الأكراد، أو رغبتهم التي تحولت إلى شرط، هي
الاستحواذ على سهل نينوى
من خلال طرد تنظيم الدولة منه، ومن ثم إعلانه محافظة إدارية يسهل ضمها لمحافظات الإقليم الثلاث (أربيل ودهوك والسليمانية).

هذه الرؤية عرضها رئيس الإقليم الكردي مسعود بارزاني على نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وكانت بمثابة الشرط الذي إن ضمنه الأكراد زجّوا بقواتهم في المعركة.

 (اجتماع بارزاني مع جو بايدن قبيل انطلاق معركة الموصل)

الآن يقترب الأكراد من إنهاء الخندق الذي يحفرونه على طول حدود الإقليم الداخلية مع بقية مناطق العراق، والخندق يمتد من سنجار حيث الحدود العراقية السورية، مرورًا بسهل نينوى، ثم طوزخرماتو، وصولًا إلى محافظة ديالى وقضاء خانقين الحدودي مع إيران.

https://www.youtube.com/watch?v=UrcNHihjUuM

فيديو: الخندق الذي يحفره إقليم كردستان حول المناطق المتنازع عليها مع بغداد

رئيس الإقليم مسعود بارزاني أنهى الجدل الدائر حول ما تسمى في الدستور العراقي المناطق المتنازع عليها، وقال خلال مؤتمر صحافي، مع وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ في أربيل، إنَّه لم يعد هنالك مجال للحديث عن هذه المناطق بعد سيطرة قوات البيشمركة عليها.

فيديو: تصريح مسعود بارزاني حول المناطق المتنازع عليها

تلعفر.. حلبة الصراع بين تركيا وإيران

الأكراد ليسوا وحدهم من وضعوا عينًا ويدًا في نينوى، فإيران وتركيا لهما عين ويد هناك مع اختلاف الوجهة والهدف بطبيعة الحال.

أثار وجود قوات تركية في منطقة بعشيقة (12 كم شمال الموصل) فجأةً غضب الحكومة العراقية والبرلمان، على الرغم من مرور سنتين على وجودها، هذا الغضب انفجر قبيل معركة الموصل، واستدعت بغداد القائم بالأعمال التركية لتحتجَّ على الوجود العسكري التركي الذي صوت البرلمان العراقي على أنَّه قوات احتلال.

تركيا أيضًا غضبت واستدعت السفير العراقي، وأصرت أنَّ وجودها بطلب من الحكومة العراقية في عهد نوري المالكي، وبموافقة حكومة إقليم كردستان من أجل تدريب القوات الكردية، وكذلك حماية سكان الموصل، وتحديدًا سكان قضاء تلعفر ذي الغالبية التركمانية، وأيضًا تقييد حركة حزب العمال الكردستاني الذي ينشط في تلك المناطق.

وهذا ما ذهب إليه علي البياتي رئيس منظمة إنقاذ التركمان في العراق خلال حديث خصّ به «ساسة بوست»، وزاد على ذلك بالقول إنَّ الوجود التركي يُشعر التركمان ببعض الطمأنينة.

ممن تحمي القوات التركية سكان الموصل؟

خوفًا من تكرار الانتهاكات في محافظتي صلاح الدين والأنبار؛ تعالت الأصوات الرافضة لمشاركة ميليشيا الحشد الشعبي في معركة الموصل، ورغم اعتراض التحالف الدولي في بادئ الأمر، إلا أن تلك الميليشيا شاركت بشكل فعلي في المعركة، وهي الآن تقاتل على أطراف قضاء تلعفر ذي الغالبية الشيعية.

إصرار الميليشيات على تلعفر لم يكن عبثًا، فهي تدرك أنَّ تلك المنطقة تمثل تمامًا منتصف المسافة في الهلال الشيعي الذي تسعى إيران في نظر بعض المراقبين لإقامته في المنطقة، ولا سبيل إليه إلّا من خلال ذراعها الضارب في العراق، وذراعها المتمثل في الميليشيات.

بعد أن ابتعلت المقدادية في محافظة ديالى، ثم الشرقاط في محافظة صلاح الدين، ها هي تسعى لضم تلعفر ومعبر ربيعة في محافظة نينوى، وبهذا تكون إيران قد أتمت الجزء الأهم من «هلالها» في المنطقة السنية العراقية، لتعبر بذلك باتجاه سوريا حيث حلب والساحل السوري، انتهاءً بلبنان.

https://www.youtube.com/watch?v=vwRMVM2T2DE

فيديو: مليشيات الحشد الشعبي تقاتل على أطراف تلعفر

السُنّة هم الطرف الأضعف

يتفق أغلب المراقبين على أنَّ وضع السُنّة في العراق كارثيٌّ إلى درجة تبعث على اليأس من إقامة كيان سياسي يمكن أن ينتشلهم مما هم فيه الآن، نظرًا للخلافات الكبيرة بين الكيانات السياسية السُنّية، وحالة التشظي التي يعيشها المجتمع بشكل عام جراء الحرب والتهجير.

لم تبق مدينة أو حتى قرية في المحافظات السُنّية الثلاث الكبيرة (الأنبار وصلاح الدين ونينوى) إلا وأُجبر أهلها على النزوح الجماعي، وتعرضت لخراب بفعل الحرب، بعض هذا الخراب كليٌّ كما في مدينتي
الرمادي
وبيجي، وبعضه جزئيٌ كما في كل المدن والنواحي الأخرى، فضلًا عن عشرات القرى التي لم يعد لها وجود بسبب تجريفها من قبل ميليشيات الحشد الشعبي، وقوات البيشمركة الكردية.

هذا الوضع كان اختبارًا حقيقيًّا لجميع الكيانات السياسية السنية المنخرطة في العمل الحكومي، لكي تثبت لجمهورها السُنّي أنّها تمثله في الأوقات الحرجة، لكنَّها جميعًا فشلت في ذلك، وباتت الهوة بينها وبين المواطن السني المنكوب كبيرة.

خيبة الأمل من السياسيين السُنّة المتصالحين مع الحكومة تجلت بأوضح صورة في الفترة الأخيرة عندما سُئل وزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي -المحسوب على ساسة السُنّة- عن مجزرة الموصل، لكنَّه أشاح بوجهه عن السائل قائلًا: «ليس الوقت مناسبًا لهذا السؤال».

https://www.youtube.com/watch?v=AgA8pmtUlXA

فيديو: سلمان الجميلي يرفض الإجابة عن سؤال حول مجزرة الموصل

في مقابل خيبة الأمل هذه، هناك بوادر لتحالف سُنّي كبير تتشكل ملامحه الآن استعدادًا لمرحلة ما بعد «تنظيم الدولة الإسلامية»، هذا التحالف يضم كيانات سياسية معارضة للحكومة، وأخرى لها تمثيل وزاري وبرلماني في العراق، ولعل أبرز الأسماء المنضوية تحت عباءة هذا التحالف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، ممثلًا للشق السُنّي المتحالف مع الحكومة، والأمين العام للمشروع العربي في العراق خميس الخنجر، الشخصية المعارضة الأبرز في الوسط السُنّي.

مؤتمر جنيف

هذا التحالف السُنّي تشكلت نواته في سويسرا، وتحديدًا مدينة جنيف، بحضور دولي لافت، وبرعاية معهد السلام الأوروبي، لمناقشة وضع المحافظات السُنّية في مرحلة ما بعد «داعش».

وكان أبرز الحاضرين من السُنّة خميس الخنجر، ووزير المالية العراقي السابق رافع العيساوي، وكذلك رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي، أمّا الشخصيات الدولية، فهي رئيس المخابرات الأمريكية السابق ديفيد بترايوس، ورئيس الوزراء الفرنسي السابق، دومينيك دوفيلبان، بالإضافة إلى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا محمد البرادعي.

تأتي أهمية هذا المؤتمر كونه انعقد في أول عهد الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب، الذي يظهر رغبةً كبيرةً بكفِّ يد إيران عن العراق.

لم يكن مؤتمر جنيف يتيمًا، رغم أنّ الحاضرين فيه من الساسة السُنّة تعرضوا لحملة كبيرة من الاعتراض والانتقادات وصل بعضها إلى اتهامهم بالخيانة.

مؤتمر أنقرة

شهر واحد فقط يفصل بين مؤتمري جنيف وأنقرة، للقيادات السُنّية، ولعلَّ ما يشد الانتباه في مؤتمر أنقرة أنّه جاء برعاية دول إقليمية طالما أبدت انزعاجها من تدخلات إيران في العراق (السعودية وقطر والإمارات والأردن والدولة المضيفة تركيا).

وهذا ما أسفر ربما عن دعوات الخصوم الشيعة في بغداد باعتقال كلّ من حضر المؤتمر، واعتباره مجرمًا بالخيانة العظمى.

ميزة أخرى حظي بها اجتماع أنقرة، وهي حضور رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري -أحد قيادات الحزب الإسلامي- بعد أن رفض دعوةً لحضور مؤتمر جنيف، وكذلك إعلان هيئة علماء المسلمين تلبيتها حضور الاجتماع، إذ لم يحدث أبدًا أن جلس الحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين -الرافضة للعملية السياسية برمتها- على طاولة واحدة.

التسوية السياسية التي أطلقها رئيس التحالف الوطني الشيعي عمار الحكيم كانت ركيزة أساسية في نقاشات المجتمعين في أنقرة، ومنها انطلقوا لتشكيل كيان سياسي موحد، استعدادًا للانتخابات المقبلة، باعتبارها المرحلة التالية لما بعد «داعش».

https://www.youtube.com/watch?v=a8u7v4XkRoQ

فيديو: لقاء خميس الخنجر حول مؤتمر أنقرة

السُنّة العرب بديل عن الأكراد

إلى فترة ليست بعيدة كان إقليم كردستان حليفًا قويًّا للولايات المتحدة، وأرضًا بكرًا لأنشطتها العسكرية والاستخباراتية في المنطقة، لكن بعد انفتاح الإقليم بشكل كبير على تركيا والاتحاد الأوروبي، ومجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لا يبدو أنَّ واشنطن ستواصل دعمها للأكراد بالشكل الذي كان عليه سابقًا.

الولايات المتحدة تبحث عن بديل حقيقي بعد أن مدَّ الأكراد يدًا لأوروبا، وارتمى الشيعة في حضن إيران، ولم يتبق لها إلا العرب السُنّة -أعداء الأمس- لعقد حلف جديد معهم، ويكونوا الند لإيران، وبوابتها في الدخول إلى العراق مجددًا، خاصةً وأنَّ السُّنة يدركون جيدًا أنَّ شوكتهم المُنجية من فم طهران هي واشنطن، على الأقلِّ في هذه المرحلة.

الولايات المتحدة تشرف الآن بشكل مباشر ومؤثر على معركة الموصل، وتقود التحالف الدولي هناك ضد «داعش»، ولها مستشارون عسكريون يقدمون الدعم للقوات العراقية والكردية.

لكن ما يعزز فكرة أنَّ أمريكا تريد البديل السُنّي، هو بناؤها لقاعدة عسكرية في منطقة حمام العليل في أطراف الموصل، وما تردد عن دعوةٍ وجهها دونالد ترامب لرئيس المشروع الوطني العراقي المعارض جمال الضاري لزيارة واشنطن.

https://www.youtube.com/watch?v=0rFmmhXlmw0

فيديو: القاعدة العسكرية الأمريكية في الموصل

عرض التعليقات
s