قبل أيام قليلة انعقد مؤتمر فقهي بالعاصمة الشيشانية «غروزني» ضم شخصيات دينية وعلمية من بلدان مختلفة من العالم الإسلامي، من بينها شيخ الأزهر والمفتي السوري ومفتي مصر السابق «علي جمعة» وبعض الشخصيات الصوفية المعروفة، مثل «علي الجفري» وغيره، وكان ذلك برعاية الرئيس الشيشاني «رمضان قاديروف».

إلى حد الآن يبدو الخبر عادي لا يثير انتباهًا خاصًا؛ فليس هذا بالمؤتمر الأول أو الأخير الذي ينعقد داخل العالم الإسلامي وخارجه حول مسائل دينية وفقهية.

ما هو استثنائي، ويحتاج الى التوقف، هو تجرؤ الحاضرين على تحديد مفهوم أهل السنة والجماعة، وحصره في «الأشاعرة والماتوريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية».

المضحك أن هذا التعريف معني بالنفي أكثر مما هو معني بالإثبات، أي بتحديد من يقع خارج دائرة أهل السنة والجماعة أكثر ممن يقع داخلها. طبعًا لم يترك نص البيان الختامي مجالًا لتأويل من نُظم الحدث وحُشد الجمع بغية استبعادهم وإخراجهم من الملة، فلم يتوان عن ذكرهم جهرة: السلفية والوهابية والإخوان.

عملية تعريف أهل السنة والجماعة التي استغرقت عقودًا متتالية من الزمن في سياق التاريخ الإسلامي ضبطها فقهاء جروزني الأفذاذ في ندوة حوارية لم تتجاوز يومين.

جاء التعريف استبعاديًا وضيقًا حتى بالمقاييس الفقهية التقليدية، قبل أن نتحدث عن المستجدات الفكرية والمذهبية الحاصلة في العالم الإسلامي اليوم، والتي تتجاوز حدود المذاهب الكلامية والفقهية القديمة.

من ذلك مثلًا أن تصنيف غروزني الغريب لم يُدخل حتى أهل المعتزلة في العقيدة والمذهب الظاهري لابن حزم ضمن دائرة أهل السنة والجماعة.

أما المدارس الفكرية الحديثة فلا أثر لها في هذا التصنيف؛ لأن اغلب حضور المؤتمر جزء من صراعات الماضي وعلاقتهم بالعصر لا تتجاوز معرفتهم بأسماء الرؤساء والملوك والامراء الذين يدعون لهم على منابر المساجد في مصر أو الأردن أو الإمارات العربية وموسكو وغيرها.

من الواضح أن هذا الانخراط في لعبة رسم الحدود مدفوع بأجندات ومصالح سياسية أكثر مما هو محكوم بنوازع دينية وعلمية.

جلّ المعممين الذين حضروا وأصدروا البيان يخشون «أعرافهم» السياسيين الذين كلفوهم بعقد هذا المؤتمر أكثر مما يخشون الله عز وجل، وهم في أغلبهم موظفون دينيون يتقاضون رواتب وامتيازات من الحكومات التي يمثلونها، ويسيل لعابهم للظفر بامتيازات وأعطيات تغدقها عليهم الجهات الخليجية الممولة.

اليوم باتت هذه الأطراف ترعى هيئات ومؤسسات علمية فقهية ليس بغرض إحياء جذوة العلوم الإسلامية ولا خدمة الإسلام والمسلمين، ولكن بهدف وحيد هو منازعة دول وتيارات سياسية تناصبها العداء في المنطقة.

فلنفكَّ الشفرة السياسية ونجلي ما خفي من حسابات هذا المؤتمر. ليس سرًا أن هناك محاور صراع سياسي في المنطقة حول ملفات وقضايا سياسية كبرى أُريد لهذا المؤتمر أن يلبسها لبوسًا دينيًا فقهيًا زائفًا.

هكذا، تقاطعت أجندات الروس والإماراتين في إخراج الوهابيين والسلفيين من دائرة أهل السنة والجماعة.

الروس يواجهون منذ بداية تفكك الاتحاد السوفياتي نوعًا من التمرد الإسلامي السني بمسحة جهادية سلفية، فكان الرد بإخراج السلفيين والوهابية من أهل السنة والجماعة.

أما الإمارات العربية التي تخوض حربا باردة ضد السعودية وأخرى ساخنة ضد التيارات الإسلامية مشرقًا ومغربًا، فقد سعت إلى النيل من خصومها السعوديين «الوهابيين» والإخوان المسلمين بإلقائهم خارج سياج أهل السنة والجماعة.

الحقيقة أنه لا السعودية، ولا الإخوان يمثلان مذهبًا كلاميًا أو فقهيًا خاصا حتى يتم تصنيفهم داخل أو خارج أهل السنة، فالوهابية ليست إلا تعبيرة حنبلية متأخرة تميل نحو التضييق والتشدد. أما الإخوان ففيهم الحنفي والمالكي والحنبلي، وفيهم الماتريدي والمعتزلي، وفيهم من لا يؤمن بالحدود الفقهية والكلامية أصلًا.

ليس سرًا أيضًا أن الإمارات العربية وروسيا والكثير من الدول الغربية باتت تعمل على إحياء النزاع التاريخي بين السلفية والصوفية لغايات وأهداف سياسية محددة، ليس حبًا في الصوفية وزهادها في الدنيا، بل تعلقًا بأهداف دنيوية محضة.

لا شك أن المنهج السلفي في شكله النصي المتشدد يمثل مشكلة دينية وسياسية من جهة نزوعه التكفيري والاستبعادي. كما أن بعض الاتجاهات الصوفية لا تقل تطرفًا بإمعانها في الغنوصية التي تنحو إلى تذويب المعنى الديني في الجانب الذوقي الباطني والشطحات الروحية المنفلتة.

بالرغم ذلك، تبقى هذه الإتجاهات داخل دائرة أهل السنة والجماعة، وفق القاعدة المذهبية المعروفة أن «لا يُكفَّرَ أحد من أهل القبلة».

هنا يجب التنبيه إلى أن السلفية مدارسُ واتجاهات مختلفة منها المتشدد في نصيّته (السلفية العلمية)، ومنها التجديدي الداعي لإعمال العقل والإجتهاد في النص، كسلفية «محمد عبده» المعاصرة و«رشيد رضا» و«جمال الدين الافغاني» و«الطاهر بن عاشور» و«علال الفاسي».

الأمر ذاته ينسحب على الصوفية التي تشمل فيما تشمل تصوف «الحلاج» و«السهروردي» و«ابن عربي» و«تصوف الغزالي»، وتتراوح بين التصوف الفلسفي، وبين التصوف الخرافي الشعبي المقترن بالتمسح بالأولياء والأضرحة والدجل والشعبذة.

إن مفهوم السنة والجماعة تاريخي مركب، وبالرغم من أنه استخدم في فجر الإسلام خلال ما عرف بالفتنة الكبرى، إلا أنه لم يستقر على هيئته الواضحة والمحددة إلا في أواسط القرن الحادي عشر 1054م بعد سقوط الدولة البويهية على يد السلاجقة وانتشار المدارس النظامية في كبرى الحواضر الإسلامية، للتمايز عن الشيعة التي بدأت تسميتها بعد مقتل «علي بن أبي طالب» على يد الخوارج.

وإذا كان مفهوم أهل السنة والجماعة قد تشكل في تمايز عن مفهوم التشيع والتيارات الشيعية، فلا يجب الانخراط مجددًا في صراعات الماضي وقضاياه. نعم هناك مشاكل حقيقية اليوم مع إيران الشيعية، وهذه يجب معالجتها بأدوات وآليات سياسية.

لا ينبغي الرد على النزعة الاستبعادية، وحتى التكفيرية لبعض الاتجاهات السنية بنزعة تكفيرية واستبعادية مقابِلة، ومن ذلك لعبة النفي المتبادل بين الصوفية والسلفية. كل مسلم اعترف بأصول الإسلام، وكلياته المتعارف عليها التي هي محل إجماع المسلمين، واعتبر نفسه من أهل السنة والجماعة فهو منهم.

قطعًا هناك مشكلة عميقة في الوهابية تكمن في اهتمامها بوحدة النصوص أكثر من وحدة الأمة، وفي رغبتها في الاستئثار بالساحة السنية، وتقديم نفسها على أنها هي وحدَها القراءة الصحيحة والسليمة للإسلام.

بالرغم من ذلك، تبقى الوهابية إحدى مكونات الساحة السنية الواسعة، ولا يمكن الرد على توجهاتها الإقصائية بإقصاء مضاد.
الأحرى والأولى البحث عن الجامع المشترك بين أهل السنة والجماعة، ومعالجة الخلافات الدينية والفقهية مع المذاهب الأخرى بأدوات علمية متينة، بعيدًا عن ألاعيب السياسة وحيل السياسيين.

هذا المحتوى منقول عن عربي 21.

عرض التعليقات
تحميل المزيد