في أسوأ الأحداث الدموية ضد المدنيين في بلادهم، ظن «محمد» أنه في كابوس، بمسجد رابعة العدوية في مصر، وانتفخت شفتا ناجٍ في «الغوطة» السورية، و تعبت «كيمي» قبل ذهابها للعمل في «هيروشيما» اليابانية، وتظاهر «ماثيو» بالموت في مسر ح «باتاكلان» في باريس، وسمع جون صوت تفجيرٍ ؛ أثناء عمله في مكتبه، بالطابق 81، بمركز «التجارة العالميي» بنيويورك.

«كابوس رابعة»

«حين كنت أحلم بكابوس، كنت أُغمض عيني، وأفتحهما كل حين؛ كي أستيقظ، لكن هذه المرة، في كل مرة أفتح عيني، أجد نفس الكابوس، في مسجد (رابعة العدوية)!» هكذا يروي مُحمد (اسم مُستعار)، وهو طفل في الـ11 من عمره، ما شعر به يوم فض اعتصام رابعة العدوية، بالعاصمة المصرية القاهرة، في 14 أغسطس (آب) 2013.

كان محمد قد وصل مع أسرته (والديه وشقيقتيه وشقيقه الأكبر عادل، وهو أيضًا اسم مُستعار)، للمسجد الذي كان آمنًا نسبيًا في الساعات الأولى لعملية «فض اعتصام رابعة». يقول عادل لـ«ساسة بوست»، إنه قصد «عمارة المنايفة»؛ التي باتت خط الاحتماء الأخير ـ للمعتصمين ـ من رصاص قوات الأمن. في أحد الطوابق العُليا من مبنى العمارة، وقعت عيناه على عجوزين، وأم وطفلها، في غرفة ضيقة، ينظرن إليه في خوف، دون أن يُحركن ساكنًا؛ «لم يكنَّ مُدركات أن مبنى العمارة أصبح أخطر مكان يُمكن الاختباء فيه»، يروي عادل، الذي أوصل الأسرة إلى مسجد رابعة العدوية، مُتفادين رصاص القناصة.

بعد مرور قرابة ثمان ساعات من بدء قوات الأمن في فض الاعتصام، فوجئ المعتصمون بوصول تظاهرة كانت تمر في شارع مجاور من مبنى عمارة المنايفة. «هتافات التظاهرة بدأت تعيد الأمل من جديد. كان المشهد مؤثرًا، وبدأ البعض يحتضن القادمين، ويشاركهم الهتاف، الذي قطعته أصوات البكاء»، على حد قول عادل، الذي يتذكر أن تلك التظاهرة فتحت طريقًا، كان «الأكثر أمانًا» في تلك المنطقة، للخروج من الاعتصام الذي ضُرب حوله حصار خانق من قوات الأمن.

حاول عادل أن يُقنع أسرته بالخروج عبر ذلك الممر الآن، لكن ذلك كان صعبًا؛ بسبب الخوف من استهداف القناصة لهم، لذلك لجأ عادل إلى العبور مرتين أمامهم؛ لطمأنتهم، يقول في هذا «كنت مُقتنعًا باحتمالية الموت خلال عبورنا هذا، لكننا إن بقينا كنا سنموت أيضًا. في النهاية عبرنا، والرصاص يمر من فوقنا، وبجوارنا، وبعضٌ ممن عبروا معنا سقطوا قتلى».

واحدًا تلو الآخر يتساقط الأطفال

عقب فض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة» في مصر، بأسبوع، وفي يوم 22 أغسطس (آب) 2013، شهد ريف الغوطة، بسوريا، واحدًا من أكثر الأيام دموية، عندما أقدم النظام السوري، على قصف المنطقة بـ«السلاح الكيماوي»؛ ما أسفر عن مقتل 355 ؛ نتيجة التسمم العصابي، من بين  3600 حالة، نُقلوا إلى المستشفيات، بحسب مُنظمة «أطباء بلا حدود»، في الوقت الذي ذهبت فيه المعارضة السورية إلى أن حصيلة القتلى قد ارتفع إلى 1466 شخص.

ويروي أحد الناجين شهادته على الأحداث، قائلًا «كنا جالسين في البيت، وسمعنا صوت قصف بالصواريخ، ثم بدأ الجيران بالصراخ، وطلبوا المساعدة، وعندما ركضنا إليهم، وجدنا النساء وقد أصبحن على الأرض، أمّا الأولاد فكانوا يلفظون أنفاسهم». وأضاف الشاهد لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا «بعد وصولي إلى منزلهم أصابني الدوار، وبدأت بالاستفراغ، وزحفت على ركبتاي حوالي كيلومتر، حتى أسعفني المواطنين»، وقال واصفًا رائحة الغاز الكيميائي «كانت ثقيلة جدًا، لم أستطع تمييزها في المطلق، كانت تشبه رائحة الحرق قليلًا»

ويحكي الناجي، عن المشهد في شوارع الغوطة، فيقول «كان جميع الناس مرميين على الأرض، ويصرخون. وكان هنالك العشرات من الشهداء. كان لون وجوههم أصفر، وجاحظي الأعين، ومفتوحي الأفواه. كان الأطفال يرجفون بشكل مخيف، ويتساقطون الواحد تلو الآخر».

وعن أعراض إصابته بالكيماوي، قال «شفتاي بدأتا بالرجفان والانتفاخ، وعيناي بدأتا بالرجفان أيضًا، وانعدمت الرؤية أمامي، وبدأ الزبد يخرج من فمي» ، مما دفعه إلى أن يعود فورًا إلى بيته، ليجد أفراد عائلته قد أغمي عليهم، قبل أن يُساعده أحد المواطنين في نقله، هو وعائلته، إلى نقطة طبية، بسيارته التي لم يستطع الناجي قيادتها؛ بسبب إصابته؛ ليعالج هُناك.

انضباطهم في عملهم كان سبب مقتلهم!

في صباح السادس من أغسطس (آب) عام 1945 انهال على هيروشيما 16 ألف طن من مادة الـ«تي إن تي»، في القنبلة النووية «ليتل بوي – الولد الصغير»، التي ألقتها طائرة أمريكية من طراز «بي- 29»، لتودي بحياة 140 ألف مواطن، وإصابة عشرات الآلاف، بتسممات إشعاعية وأمراض سرطانية، وتدمر 90% من عمران المدينة، في يوم سيكون الأقسى، حتى الآن، على اليابانيين، على مدار تاريخهم.

الأحداث الدموية

سحابة الانفجار النووي في هيروشيما

«يومها تأخرت عن العمل، لذلك ما زلت على قيد الحياة»، أو كما قالت «كيمي ريهارا»، إحدى الناجين من التفجير النووي. وتوضح كيمي، أنها كانت تعمل محاسبةً بوزارة الداخلية، بمبنى «القبة» بهيروشيما. يبدأ عملها في الثامنة صباحًا، أي قبل وقوع إسقاط القنبلة بربع ساعة فقط، لكنها، وعلى غير المألوف، كانت مُتعبةً، وبدا أنها ستتأخر، أو لن تذهب.

«كم كنت محظوظة؛ لأني تأخرت عن العمل يوم الانفجار، ولكني أشعر بالأسف الشديد، والضيق؛ لزملائي الذين قُتلوا؛ لأنهم جيدون، ومنضبطون في عملهم»، تُضيف كيمي، التي هربت من الموت في ذلك اليوم، إلا أن والدها قُتِل، واحترق منزلها، واحترقت أيضًا أجزاء من يديها ووجهها، ومكثت في السرير ثلاثة أشهر؛ للاستشفاء.

حياتان جديدتان

«لقد هرولت مسرعًا إلى منتصف مانهاتن، لكن ما حدث لي في مسرح (باتاكلان)، كان أسوأ ألف مرة»، هكذا قارن الأمريكي «ماثيو»، بين تجربته في النجاة من هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ونجاته من هجمات باريس، التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ماثيو الذي لم يفصح عن اسم عائلته، كُتبت له النجاة بعد مقتل حوالي ثلاثة آلاف مدني بنيويورك، في أسوأ هجمة دموية، أسقطت مدنيين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. كان وقتها يبلغ من العمر 21 عامًا، ليعيش نحو 15 أُخرى، قبل أن ينجو بأعجوبة في سن 36 من أسوأ هجمة دموية، استهدفت مدنيين في فرنسا في العصر الحديث، راح ضحيتها ما لا يقل عن 127 قتيلًا.

تظاهر ماثيو بأنه قد قُتل، بعدما أصيب في قدمه وذراعه. وقد كان هذا التصرف منه سببًا مهمًا لبقائه على قيد الحياة. «تحركت من سنتيمتر لآخر، حتى وصلت لنقطة أصبحت فيها حافة المسرح في متناول اليد. أمسكت بها بأصبع تلو الآخر»، وهكذا حتى تمكن الرجل، بمساعدة بعض الأشخاص، من الخروج إلى بر الأمان.

مع هذا، لم يكن مُصدقًا أنه نجا أخيرًا، لذا ظل متظاهرًا بالموت، حتى أحس بشخص يجره من ذراعه: «لم أفتح عيني، لكنني قلت في عقلي: أُحبك يا ملاكي».

كان الشخص الذي يجره من ذراعه هو «دانيل بسني»، صحافي في جريدة «لوموند»، كان يُصور من شقته الأشخاص الذين يهرعون هربًا من المسرح، قبل أن يُقرر مساعدتهم. وحين كان يجر ماثيو من ذراعه، أصيب هو الآخر، بطلق ناري في ذراعه.

«تصرف غريزي»، هكذا يصف بسني مساعدته لماثيو، مضيفًا «كان لدي رد فعل إنساني، بألا أدع أحدًا يموت أمامي، والظروف هي التي سمحت بذلك»، لافتًا «لو لم أكن تحت خطر إطلاق النار، لما تمكنت – بلا شك – من جر ماثيو إلى بر الأمان».

ومكث ماثيو وبسني في شقة الأخير لعدة ساعات، قبل أن تسمح الشرطة الفرنسية للمقيمين المحليين بمغادرة المكان، وأن ينقل الإسعاف المصابين لمستشفى «جورج بومبيود». ويبدو أن الصدمة، والموقف، الذي تعرض له ماثيو، شغل ذهنه لساعات بعد نجاته، حتى إنه ظل ـ ساعتين ـ يحاول أن يتذكر رقم هاتف زوجته؛ كي يطمئنها بأنه لا يزال على قيد الحياة!

اقرأ أيضًا: ما الذي يحدث في باريس؟ 5 أسئلة تشرح لك

لم تكن هجمات باريس، تمثل المرة الأولى التي يحالف فيها الحظ ماثيو ليخرج منها على قيد الحياة؛ فقبل ذلك حالفه الحظ، لينجو من تفجير برجي التجارة العالمية، في نيويورك، قبل نحو 15 عامًا. إلا أن ضغط هجمات باريس، كان أكبر بكثير من هجمات سبتمبر (أيلول).

في 11 سبتمبر (أيلول) سار ماثيو سريعًا؛ للحاق باجتماع عمل قريب من مبنى التجارة العالمية، وبينما كان يسير، اصطدمت الطائرة بأحد البرجين. ركض ماثيو بعيدًا عن البرج، ولمسافة طويلة، بين أحياء وشوارع مانهاتن، وهكذا نجا من الحادث.

زوجان يعملان في برجي التجارة العالمية

كان الأمر أصعب بالنسبة لـ«جون»، الذي كان يعمل في الدور 81 في البرج الأول من برجي التجارة العالمية، فيما كانت زوجته الحامل آنذاك، «ماري»، تعمل في البرج الثاني.

وصل جون، ذو الأصول الهندية، كما يحكي، في مقابلة له مع محطة «سي بي إن» الأمريكية»، إلى مكتبه في تمام الثامنة صباحًا، وبدأ في أداء مهامه، التي لم يستمر فيها سوى 45 دقيقة، قبل أن يسمع صوت انفجار يهز البرج الذي يعمل فيها.

«بعد سماع التفجير، بدأت النيران تلتهم المكاتب في الطابق الذي كنت فيه، وركضت برفقة الآلاف من الزملاء إلى السلالم، ففي البداية كنت أظن أن قائد الطائرة فقد مساره، بسبب إصابته بسكتة قلبية، ما أدى إلى ارتطام الطائرة بالبرج، ولم أكن أظن أنها عملية إرهابية»، كما يقول جون، الذي يُضيف «في قرابة الساعة التاسعة وثلاث دقائق، سمعت صوت انفجارًا ثانيًا، وظننته انفجار قنبلة، لكنه كان ارتطام طائرة ثانية، أدت إلى انفجار البرج الثاني، ومن ثم دماره بالكامل».

تحدث جون عن قلقه الشديد على زوجته، ومحاولاته الفاشلة للتواصل معها هاتفيًا، قبل أن يتلقى اتصالًا من هاتفها، بعد فترة، ظن أن أحدهم سيخبره بوفاتها، لكن يبدو أن الحظ الذي حالف كيمي سلفًا ساعد ماري، التي تأخرت عن العمل، ليقع الانفجار أمام عينيها، قبل وصولها إلى مقر العمل، لتطمئن زوجها على نفسها وجنينها.

ويحكي جون أنه استغرق ساعة للنزول إلى الطابق الأرضي؛ إذ حُبس مع الأشخاص الذين كانوا معه في الظلام، تحت الأنقاض، يقول «وشعرت كأنني دُفِنت حيًا، ولكني حاولت أن أسحب نفسي، فرأيت أن الأشخاص الذين كانوا معي قد لقوا حتفهم»، قبل أن تأتي شرطي ـ«إف بي آي»، وتتمكن من إخراجه من أسفل المبنى المُحطم.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد