لا تترك الليرة السورية مناسبة خلال السنوات الماضية إلا وتقوم بإحراج نظام الأسد، ففي الوقت الذي كان يتحدث فيه النظام عن تمدد سيطرته على المزيد من المناطق في سوريا تستمر الليرة في التهاوي، بينما تفشل كل الإجراءات تقريبًا في وقف هذا التهاوي. فمؤخرًا وفي ظل إعلان دمشق عن انطلاق الدورة 61 لمعرض دمشق الدولي بحضور 38 دولة عربية وأجنبية، و1700 شركة محلية وخارجية، سجلت الليرة السورية أقل مستوى في تاريخها، فما الذي يحدث؟

يبدو أن الليرة السورية لا تعترف بإنجازات الأسد الاقتصادية، فبما أن تداول العملة السورية يتم أساسًا في السوق السوداء بعيدًا عن إدارة البنك المركزي، فغالبًا لا يتأثر السعر بالأحداث الإعلامية، ولكن تتحكم في السوق قوى العرض والطلب، وهذا الأمر سيأخذنا إلى سؤال آخر وهو: هل الإنجازات التي يعلن عنها نظام الأسد لها صدى في الواقع؟

لماذا كلما سيطر الأسد عسكريًّا ساء وضعه الاقتصادي؟!

 

تراجعت لأدنى مستوى في تاريخها.. ماذا يحدث للعملة السورية؟

قبل الحديث عن إنجازات الأسد الاقتصادية، لنتحدث أولًا عن التطورات في سعر العملة المحلية، فخلال عام 2018 ووفق الأرقام المتوفرة على موقع «الليرة اليوم»، فقد شهدت الليرة السورية حالة من الاستقرار في معظم العام، وذلك بين 440 إلى 495 ليرة للدولار، ولكن مع نهاية العام وبداية 2019 تجاوز السعر مستوى 500 ليرة للدولار، حتى وصلت إلى نحو 649 ليرة للدولار مع بداية سبتمبر (أيلول) الجاري، بينما ما زال سعر الدولار مثبتًا في السوق الرسمية عند 435 ليرة.

وتتسع بذلك الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء وذلك بفارق أكثر من 200 ليرة عن السوق السوداء – شبه الرسمية – وهو الأمر الذي آثار الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا الهبوط، في ظل الحديث عن مواصلة نظام الأسد السيطرة على العديد من المناطق في سوريا، والحديث عن عدة اتفاقات اقتصادية دولية.


بيانات موقع «الليرة اليوم»

منذ أن اندلعت الانتفاضة ضد الأسد في عام 2011، واصلت الليرة السورية خسائرها خلال السنوات التالية لتتراجع بأكثر من 12 ضعفًا، فبعد أن كان سعر صرف العملة السورية نحو 45 ليرة للدولار قبل الثورة، سجل نحو 394 ليرة في 2015، كما هو موضح بالرسم السابق، ثم 643 ليرة في 2016، لكن السعر تحسن قليلًا في عامي 2017 و2018، قبل أن تتهاوى من جديد في عام 2019، ويمكن القول إن هذا التراجع ليس بسبب الحرب، ولكن ربما بسبب ملامح انتهاء الحرب.

ففي الوضع الحالي ليس التعبير الصحيح هو أن الليرة السورية تتجاهل انتصارات الأسد، ولكن الواقع يشير إلى أن السوق تحتاج لمزيد من الدولارات، بينما انتصارات الأسد لا تجلب الدولارات، فلا زالت الصادرات محدودة والسياحة غائبة، ولا يوجد احتياطي نقدي أجنبي بالبلاد.

ويرى محللين أن ضعف الليرة السورية الحالي، ناتج في الأساس عن لجوء التجار إلى السوق السوداء لتمويل مستورداتهم، بعد رفض البنك المركزي تمويل التجارة، إلا لبعض السلع وبعض التجار المقربين من النظام، وذلك في ظل فقر الموارد الذي يعاني منه البنك، وذلك مع زيادة حجم الطلب المحلي على العملات الأجنبية، سواء بسبب المخاوف العسكرية والأمنية أو لتمويل العمليات التجارية، لكن النظام يصر على أن أسباب الارتفاع تعود إلى المضاربة.

واقعيًا يمكن القول إن استقرار سوريا يعني مزيدًا من الواردات، أي المزيد من الطلب على الدولار، وهو عامل في غاية الأهمية لا يمكن إهماله في حركة سعر الصرف، وسبق لصحيفة «الوطن» التابعة للنظام، أن بررت تراجع الليرة السورية بعمليات تحفيز الطلب في السوق، بجميع أشكاله التجارية لتمويل الوردات، وكذلك تحول المواطنين إلى ادخار الدولار مجددًا، خوفًا من خسارة مدخراتهم بالليرة السورية.

طلب مساعدة إيران.. كيف فشل المركزي السوري في التأثير على الليرة؟

من الطبيعي التساؤل عن دور البنك المركزي السوري، المسؤول الرئيس عن سعر الصرف، وكيف يتعامل مع هذا الارتفاع المستمر لليرة، خاصة أن بعض المتابعين يحملون القطاع المصرفي مسؤولية النشاط في السوق السوداء، إذ إن البنوك السورية لا تقبل الودائع بالشكل المطلوب، وبالتالي فإن الكثير من المدخرات – بالليرة السورية – تتجه إلى سوق الصرف السوداء.

إضافة إلى ذلك فإن البنوك لا تمول المستوردين تمويلًا كاملًا، وهو ما يجعل المستوردين يلجؤون إلى السوق السوداء؛ مما ينعش الطلب على الدولار، ورغم أن المركزي تحرك في فبراير (شباط) الماضي، وأصدر شهادات إيداع بالليرة السورية لأول مرة في تاريخه، بقيمة اسمية قدرها 100 مليون ليرة، وذلك بسعر فائدة 4.5%، لكن هذه الخطوة لم تنجح في كبح جماح الليرة.

فقد كان هذا التحرك يهدف إلى جمع جزء من السيولة الموجودة في السوق، والتي توجه للمضاربة بحسب وجهة نظر النظام، لكن حركة السعر السريعة جعلت هذه الخطوة غير مجدية، خاصة أن سعر الفائدة نحو 4.5%، فقط بينما سعر الدولار ارتفع في الفترة الأخيرة بنسب وصلت إلى 20%.

ويعيش القطاع المصرفي حال من التخبط إذ لا يوجد إجراءات واضحة لتنظيم عملية الاقتراض من البنوك، وهو ما جعل البنوك ترفض الودائع والإقراض كذلك، وهي أسباب أخرى أيضًا ساهمت مساهمة مباشرة في انخفاض الليرة السورية، وهي أوضاع لا تشير إلى الاستقرار بعكس ما يشيع في الإعلام التابع للنظام.

وعلى الجانب الآخر يرى رئيس البنك المركزي، حازم قرفول، هبوط الليرة السورية من زاوية مختلفة، إذ يقول: إن بلاده تتعرض لحملة وصفها بالممنهجة للنيل من الاقتصاد السوري والعملة الوطنية، واصفًا هذا الهبوط بالوهمي، مشددًا على أن البنك لن يرفع سعر الصرف أو يضخ الدولارات في السوق، خلال تصريحاته في يوليو (تموز) الماضي، لوكالة «سبوتنيك» الروسية.

لكن مؤخرًا يبدو أن قرفول، بدأ يستشعر الخطر، وهو ما دفعه لطلب الدعم الإيراني، وذلك خلال زيارة إلى طهران في بداية الشهر الجاري وصفها إعلام المعارضة بـ«لقاء المفلسين»، وضمت الزيارة، بحسب ما نقلت وكالة «فارس»، مباحثات لتعزيز العلاقات المصرفية، وإنشاء مصرف مشترك وتنفيذ الاتفاقات البنكية الموقعة بين البلدين وتسهيل نشاط رجال الأعمال، فهل ستسعف هذه الخطوة الليرة السورية؟

العقوبات والخلاف بين الأسد و«مخلوف».. عوامل سلبية زادت من تدهور الليرة؟

يشير تقرير لوكالة «فرانس برس» إلى أن  هناك عوامل أخرى لانخفاض قيمة الليرة مؤخرًا، منها ارتفاع الطلب على الدولار في لبنان، وذلك لأن بيروت تعد سوقا أساسية للدولار بالنسبة للمستوردين السوريين الذين يستخدمون النظام المصرفي اللبناني في تعاملاتهم المالية، كما أن الشائعات المنتشرة الأيام الماضية حول وجود توترات بين بشار الأسد وقريبه رجل الأعمال رامي مخلوف – أكثر المستثمرين نفوذا في سوريا – لعبت دورًا سلبيًا.

ونقلت الوكالة الفرنسية عن رئيس تحرير النشرة الاقتصادية الإلكترونية «سيريا ريبورت» جهاد يازجي، قوله إن انخفاض الليرة يعد دليلًا ملموسًا على الاقتصاد المنهك في ظل العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية، بالإضافة إلى العجز في ميزان المدفوعات.

وتتحدث مصادر إعلامية – في المقابل – عن أن الحديث حول القرض الروسي المستحق زاد من مخاوف السوريين، بالإضافة إلى أن تقدم جيش النظام وروسيا بمحافظة إدلب، دفع الكثيرين لتبديل أموالهم بالدولار، تحسبًا لأي طارئ واستعدادًا للهجرة خارج سوريا؛ إذ يتعامل المهربين بالدولار فقط.

معرض دمشق وتوسع السيطرة.. لماذا لا تستفيد الليرة السورية من هذه الأحداث؟

تقلبات الليرة كما ذكرنا جاءت تزامنًا مع انعقاد الدورة 61 لمعرض دمشق الدولي، ورغم أن البعض يشكك في الأرقام المعلنه من النظام، فالمعرض هو الذي تم الكشف فيه عن توقيع القرم الروسية عقودًا مع شركات سورية بقيمة 250 مليون دولار.

بالإضافة إلى عدة اتفاقات روسية وإيرانية وغيرها، ومن المفترض أن تدعم هذه الاتفاقات العملة المحلية، لكن وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية فهذه الاتفاقات لا يستفيد منها سوى الروس والإيرانيين، بينما لا يحصل المواطن السوري على أية فائدة تذكر.

وتضيف الصحيفة أن هذه الاتفاقات «مشبوهة» وهو ما لا يجعل لها تأثير اقتصادي إيجابي، كما لم تستفيد الليرة أيضًا من الوفود الاقتصادية التي جاءت إلى البلاد، بداية من الوفد النيابي الأردني الذي زار دمشق، بداية العام، في زيارة تعتبر الأولى من نوعها، مرورًا بـ«ملتقى القطاع الخاص السوري الإماراتي» الذي أقيم في أبوظبي بمشاركة رجال أعمال سوريين، وذلك في إطار تنمية العلاقة بين البلدية لإقامة استثمارات مشتركة، وصولًا إلى المشاركات الدولية في معرض دمشق هذا العام والعام الماضي.

يشار إلى أن كثير من التحليلات تتحدث عن أن تتمدد السيطرة الروسية على أهم ثروات الشعب السوري هي لتحصيل الديون، والقروض، وثمن النفط، والأسلحة التي منحها الروس لنظام الأسد خلال سنوات الحرب، إلا أن مقدار هذه الديون غير معلن ولا توجد تقديرات متماسكة لهذه الديون، وهو ما تحدثنا عنه تفصيلا خلال تقرير: «بالأرقام.. هذه هي الفاتورة التي يدفعها الأسد لروسيا الآن».

بينما لا يختلف وضع إيران في سوريا كثيرًا عن وضع روسيا، فلا يخفى على أحد الدور الإيراني في سوريا خلال السنوات الماضية منذ بداية الحرب وحتى الآن، هذا الدور الذي لعبته طهران من أجل بقاء الأسد كانت كلفته باهظة، وسعي الإيرانيون لتحصيل فاتورة هذه الحرب على عدة اتجاهات، تحدثنا عنها تفصيلًا خلال تقرير: «الحرس الثوري ليس جمعية خيرية».. هكذا يسدد الأسد فاتورة حرب إيران لصالحه؟

الكل يبحث عن نصيب في «كعكة» إعمار سوريا.. وإيران قد تخرج بلا مكاسب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد