أكثر من مائة وخمسين ألف قتيل وملايين النازحين، خلال ثلاث سنوات فقط من انطلاق الثورة السورية في 15 مارس 2011، وتعتبر سوريا حالة فريدة ومختلفة من الثورات ـ إذا صحّ وصف الحراك السوري حاليًا بالثورة ـ وإذا لم يصح وصفها بالثورة فإنها بلا شكّ تجربة مثيرة ومختلفة، فالمنطقة كلها تغيرات بعد الثورة السورية التي لم تنتصر بعد، وفي انتظار أن تتغير حسب تغير الوضع في سوريا وتطوره، ونرصد هنا أهم التغيرات التي طرأت على الشرق الأوسط خلال ثلاث سنوات من الثورة السورية.

تركيا وسوريا من شهر عسل لصدام مباشر

لم تكن علاقات النظام السوري متينة بإيران فقط؛ حيث تأتي تركيا على المستوى الثاني أو الثالث في العلاقات القوية مع النظام السوري، فقد احتفظ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وبشار الأسد بعلاقة صداقة شخصية، سرعان ما فرقتها السياسة وافتراق المصالح بين البلدين.

بدأت المشاكل في العلاقة مع تزايد استخدام النظام السوري سلاحه ضد المتظاهرين على الأراضي السورية؛ حيث اتخذ النظام التركي في البداية خطوات متحفظة، وحاول أردوغان أكثر من مرة التوصل لحل سياسي ديمقراطي داخل سوريا يقوده بشار الأسد نفسه، واتصل أردوغان شخصيًّا ببشار ونصحه، كما أرسل إليه مسئولين أمنيين (مدير الاستخبارات التركية هاكان فيدان)، وديبلوماسيين (وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو)، اللذيْن عرضا عليه أكثر من مرة حلاً ديمقراطيًّا في سوريا.

ومع تصاعد استخدام النظام السوري للعنف ضد المتظاهرين اتخذ النظام التركي موقفًا مضادًّا للسياسة السورية، وبدأت المشكلات تتفاقم مع استضافة تركيا لمؤتمر للمعارضة في 2011، فقد استدعى النظام السوري سفير تركيا لدى دمشق كما أوصل السفير السوري في أنقرة رسائل استهجان شديدة، منها مثلاً أن النظام السوري يعتبر موقف أردوغان سلبيًّا وانتخابيًّا (يقصد أن النظام التركي يستخدم موقفه تجاه سوريا كأداة انتخابية).

بدأت تركيا التصعيد مع تزايد استخدام العنف ضد الشعب السوري.

واتخذت تركيا موقفًا أمنيًّا شديدًا؛ حيث ضيقت الخناق على الحدود التركية السورية، وقد أثبتت التقارير توقيف تركيا لأكثر من شحنة سلاح موجهة من إيران وموسكو لدمشق، ومع الحديث عن احتمالية تدخل عسكري في سوريا كانت تركيا أحد أهم المتبنين لهذا الموقف.

وتعتبر تركيا الدولة الأكثر إيواءً للاجئين السوريين، فحسب تقارير فإن عدد اللاجئين السوريين داخل تركيا قد يصلون إلى مليون ونصف المليون لاجئ في العام الحالي، وعلى الرغم من توتر العلاقات بين تركيا وسوريا واتخاذ تركيا موقفًا تصعيديًّا إلا أن الخطاب التركي للأزمة السورية يتسم الآن بهدوء حذر.

أنقرة و طهران

مثلت الثورة السورية محكا للعلاقات التركية الإيرانية، بل إن بعض المحللين يذهب إلى أن الملف السوري يعتبر حربًا باردة بين البلدين، مع اتخاذ تركيا موقفًا معارضًا للنظام السوري، وبشدة اتخذت طهران موقفًا على النقيض، إذ أعلنت دعمها الكامل والغير مشروط للأسد.

توترت العلاقات بين البلدين، ومع توافق الولايات المتحدة مع روسيا على الحل الديبلوماسي للأزمة السورية وتراجع تركيا بالتالي عن موقفها التصعيدي واتفاق الجميع على الحل الديبلوماسي للأزمة زار أردوغان طهران، ويُنتظَر أن يزور روحاني أنقرة قريبًا.

أكد أردوغان على علاقة قوية تربط بين البلدين

كان وفد أردوغان على مستوى رفيع إذ اصطحب معه وزير خارجيته ووزير الطاقة وبعض وزراء لحقائب هامة كالاقتصاد، وأعلن اردوغان من طهران أن العلاقات بين البلدين قوية، وأنهما يسعيان إلى تقارب أقوى من ذي قبل، وحسب تصريحات داوود أوغلو فيأمل الجانبان أن يصل حجم التبادل التجاري إلى 40 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة.

أمريكا وروسيا: حرب باردة

يُعتبر الموقفيْن الروسي والأمريكي من الثورة السورية الموقفيْن الأكثر أهمية باعتبارهما الدولتان الأكثر لعبًا على المستوى الدولي والإقليمي، فقد اتخذت روسيا موقفًا مشابهًا للموقف الإيراني، ودعمت روسيا سوريا دعمًا ديبلوماسيًّا وسياسيًّا وحتى عسكريًّا، ورفضت أي حديث عن تدخل عسكري في سوريا لإنهاء الأزمة وهددت باستخدام الفيتو أكثر من مرة.

بمرور الوقت اتفق الطرفان على حل ديبلوماسي للأزمة، ويعتبر محللون أن الأزمة في أوكرانيا جاءت كردة فعل على ضربة روسيا القوية لأمريكا في سوريا؛ حيث استطاعت أن تروج للحل السياسي وتحشد تجاهه وانتصرت في النهاية، والملاحظ أن روسيا لم تكن تلعب دورًا قويًّا بهذا الشكل قبل ثلاث سنوات، فقد مثلت الثورة السورية فرصة قوية لإثبات روسيا وجودها الإقليمي والدولي.

السعودية وإيران حرب باردة أخرى

لم تكن العلاقات بين البلدين تشهد تقدمًا منذ تولي أحمدي نجاد ـ ممثل التيار الأصولي ـ الحكم في طهران بداية العقد الماضي، ورغم أن العلاقات بين البلدين شهدت تقاربًا قويًّا في فترات أخرى فإن العلاقات بين البلدين كانت متوترة إبان الثورة السورية.

مثّل صعود نجاد أفولاً للعلاقات بين السعودية وإيران

مثّل صعود نجاد أفولاً للعلاقات بين السعودية وإيران

وأضاف موقف السعودية من الثورة السورية سببًا عدائيًّا آخر بينها وبين طهران، فكما كانت الاستخبارات الإيرانية تقود المعركة داخل سوريا لصالح النظام كانت السعودية تخوض المعركة ضد النظام على المستوى الاستخباراتي والديبلوماسي في المنطقة، وتعتبر السعودية وتركيا أحد أهم المؤيدين لضربة عسكرية لسوريا، وتسبب تراجع الموقف الأمريكي عن فكرة ضربة عسكرية لسوريا في خيبة أمل للنظام السعودي، إذ تعتبر السعودية الممول الأكبر للثورة السورية، حسب محللين.

وحسب ما تنطق به الأحداث فإن العلاقات بين البلدين كان من الممكن أن تلتئم مع صعود تيار منفتح إصلاحي ـ الرئيس حسن روحاني ـ إلا أن الملف السوري بالتحديد يعتبر أحد أهم الملفات التي تحول دون تعاون البلدين، خصوصًا مع عدم وجود ملفات مشتركة بين البلدين كالملفات المشتركة بين إيران وتركيا مثلاً، ومثلت محاولة فيلق القدس ـ التابع للحرس الثوري الإيراني ـ اغتيال سفير السعودية في الولايات المتحدة عادل الجبير في العام 2011 نقطة سوداء في العلاقات بين البلدين، كما اتُّهِمت المخابرات السعودية في الضلوع في تفجير مبنى الأمن القومي السوري 2012.

 المجاهدون في سوريا

على غرار أفغانستان ـ وإن بدرجة أقلّ ـ بعثت العديد من الدول العربية أموالاً طائلة إلى سوريا ومجاهدين أيضًا ـ حسب تقارير ـ كما أن المجاهدين من أنحاء العالم يتقاطرون على سوريا. وتشير تقارير إلى وجود بريطانيين مسلمين في سوريا يجاهدون إلي جانب الفصائل المسلحة. ونشر أكثر من تقرير عن تخوف الحكومات الغربية من فصائل المجاهدين في سوريا بعد حل الأزمة، فهل سيتحولون إلى القتال في الغرب أم إلى أين سيكون المسير؟

يمثل المجاهدون في سوريا ملفًا شائكًا بعد الوصول لحل للأزمة السورية

يمثل المجاهدون في سوريا ملفًا شائكًا بعد الوصول لحل للأزمة السورية

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد