«لم أكن أهوى التمثيل، ولا أهوى الوقوف أمام الكاميرات، ولكني مع ذلك اشتركت في أحد برامج التوك شو»، هكذا بدأت هايدي، الفتاة التي لا يتجاوز عمرها عشرين عامًا، والطالبة بكلية التجارة، حديثها عن عملها في برامج التوك شو – البرامج الحوارية – حيث كان عملها متمثلًا في أنها تقوم مع زملائها بالقيام بدور الجمهور الذي يحضر داخل الاستوديو ليقوم بمناقشة الضيف الذي تتم استضافته أو القضية التي يطرحها البرنامج وفي بعض البرامج الحوارية تقتصر مهام هذا الجمهور على التصفيق والتهليل للضيف النجم الحاضر، أو الرقص على أغانيه إذا كان مغنيًا.

كل ما كانت هايدي تبغيه هو أن تجرب شيئًا جديدًا عليها، ولا تنكر أبدًا أن هذا العمل مربح جدًا، ففي المرة التي كانت تدور الكاميرا ويجلسون أمامها ليقوموا بأداء دور الجمهور كان يتراوح أجرهم ما بين الخمسمائة إلى الألف جنيه.

تُعد الإعلامية المصرية فريال صالح التي توفيت عام 2013، هي أول من قدّم ما يُعرف ببرامج التوك شو في مصر، حيث كان لها السبق في تقديم برنامج حواري يحضره الجمهور بالاستوديو، واهتمت خلال برنامجها بكل التفاصيل التي تهم المجتمع المصري.

القصة تبدأ بالمعارف

استعانت هايدي بأحد أقاربها الذي كان يعمل في إعداد واحد من تلك البرامج الحوارية التي تحتاج إلى جمهور «مؤجر»، ليُدخلها إلى هذا العالم، ويُرشحها للمعدّ المكلف بإحضار مجاميع الجمهور والاتفاق المادي معهم، وتفهيمهم الدور الذي سيؤدونه في الاستوديو على وجه الدقة.

«كان أغلب أصدقائي وصديقاتي يعملون في هذه البرامج ويقولون إنها وسيلة رزق مريحة ومربحة، كما أنها تتيح لهم التعرف على الإعلاميين والفنانين، كل المزايا التي كانوا يتحدثون عنها خلقت لدي فضولًا أن أجرب أنا الأخرى.. وقد كان»، تقول هايدي.

وبالفعل بدأت هايدي عملها، وجاء وقت تصوير أول حلقة لها، وفي الكواليس فوجئت أن كل ما كانت تراه على الشاشة من ردود أفعال للجمهور الذي يحضر الحلقة في الاستوديو، والأسئلة التي يسألونها، وحتى مواضع الضحكات والتصفيق، كلها معدّة سلفًا، وباتفاق مع  معدّ البرنامج قبل بدء التصوير، المفاجأة بالنسبة لهايدي كمنت في أن الذي كانت تراه في البرامج الحوارية من التفاعل الشديد بين الضيف والجمهور داخل الاستوديو، أو بين الجمهور وموضوع الحلقة، ما هو إلا تفاعل زائف ومُعد سلفًا، فكل ما كانت تتوقع أنه يحدث بتلقائية شديدة ليس كذلك في واقع الأمر.

رأت هايدي أنه قبل أن يتم التصوير، يجلس المعد مع الشباب الذي يُفترض به أنه سيقدم دور الجمهور ويشرح له دوره بالتفاصيل؛ بمعنى: «أننا بعد هذه الكلمة سنصفق وبعد هذه الكلمة سنُبدي اعتراضًا ما».

وإذا كان هناك أسئلة يسمح البرنامج بطرحها على الضيوف من قبل الجمهور، فإن المعد هو الذي يعطيها للجمهور، بل يختار منهم الذي سيقوم بإلقائها، ويشرح له الطريقة التي يجب عليه أن يُلقي السؤال بها، وبعد ذلك يقوم المعد بالحديث مع المذيع ويوضح له الأشخاص الذين سيقومون بإلقاء الأسئلة.

متفاعلون مع سبق الإعداد

في بحث أجراه الدكتور تامر محمد صلاح الدين سكر، مدرس الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام وفنون الاتصال في جامعة الإسكندرية، بعنوان «معالجة البرامج الحوارية بالقنوات الفضائية المصرية للقضايا السياسية ما بعد 25 يناير 2011»، قامت الدراسة على  البرامج الحوارية اليومية التي تذاع على القنوات الفضائية، واشتملت على أربعة برامج حوارية على قناة الحياة وقناة «مصر 25»، وقناة «CBC» وقناة الناس، لإظهار المسؤولية الاجتماعية لتلك القنوات في تناول القضايا السياسية، وتأثير الأيديولوجية والسياسة التحريرية على هذا التناول.

ترى الدراسة أن برامج الرأي تتيح قدرًا كبيرًا من التفاعل والمشاركة مع المتلقي، وإفساحها المجال له لإبداء رأيه في القضايا المطروحة واحترام حق الآخرين في إبداء آرائهم، وحق المتلقي أيضًا في التعرف على وجهات النظر المتعددة، ولكن ظهر ما يثير حفيظة بعض المشاهدين من أن المشاركين والمتفاعلين في بعض هذه البرامج هم سابقو التجهيز وغير موضوعيين في أحيان كثيرة، وبالتالي توصف بعض تلك البرامج بأنها برامج متحيزة إذا كانت تناقش قضية سياسية أو أزمة بعينها.

توضح هايدي: «حينما يقوم مقدم البرنامج بفتح باب الأسئلة للجمهور أمام الكاميرات فمن المفترض أن يرفع كثير من الجمهور أيديهم طلبًا لأخذ مجال للكلام، لكن كثيرًا منهم لا يكون لديهم أسئلة أصلًا ولا متابعون لموضوع الحلقة الذي يُعرض أمامهم، فبعضهم يكون شاردًا، والبعض الآخر لا يفهم شيئًا مما يقال، وغير مهتم أن يفهم كذلك، ومع ذلك فهم يرفعون أيديهم وهم مطمئنون تمامًا أن المقدم لن يقوم باختيارهم لأنه يعرف من سيختار مسبقًا. ولو فكر الضيف في مناقشة الشاب الذي يطرح عليه السؤال فإن الشاب يضطرب عادةً ويتلجلج لأنه غير مدرب سوى على إلقاء السؤال فحسب».

الوصف السابق الذي قالته هايدي كان يقتصر على البرامج الحوارية السياسية والثقافية، التي كانت تسمح بوجود جمهور داخل الاستوديو كإحدى فقرات حلقاتها، فالكثير منهم أصبح لا يسمح الآن بوجود فقرة الجمهور هذه، ويرى – وفقًا لهايدي – أن «قلّتها أحسن».

تضيف هايدي: «في البرامج الثقافية والسياسية كنا مجرد كومبارس صامت نصفق عندما يقول المقدم الكلمة التي اتفق معنا المعد أن نصفق بعدها، ونبتسم ونتصنع التركيز عندما تجيء الكاميرا على وجه أحدنا رغم أننا في أحيان كثيرة لا نركز في الموضوع ولا نتابعه أساسًا وأحيانًا لا نفهمه وإن حاولنا التركيز، فأنا طالبة في كلية تجارة خارجية وليست لي أي اهتمامات بالشأن العام».

في المنوعات الحذر أفضل

وعن برامج المنوعات والبرامج الترفيهية تقول بسمة وهي طالبة بكلية الآداب: «أنا ما زلت طالبة بالجامعة، ومثلي مثل زملائي أبحث عن أي فرصة عمل من الآن حتى نشعر بالاطمئنان من شبح البطالة الذي خيم على من سبقونا في التخرج في الجامعة، ولم يبرحهم سنوات طويلة؛ حتى نطمئن لذلك الغد الذي لا نعرف حقيقة نواياه تجاهنا، وما الذي يريد أن يفعله بنا».

ترى بسمة أن كل ما كانت تبغيه بالمشاركة التمثيلية التي تؤديها في البرامج الحوارية هو محاولة لنزول سوق العمل، ومعرفة المهن التي قد تدرّ عليها دخلًا جيدًا، وتناسب متطلباتها إمكانياتها، وتراعي محدودية ثقافتها، عرفت بسمة الطريق للبرامج الحوارية عن طريق صديقاتها، فقد أخبرنها أن تلك البرامج تحتاج إلى شباب كثيرين وخاصة من البنات ليقمن بدور الجمهور في الاستوديو، عرفت بسمة من صديقاتها أيضًا أنهن يشاركن في برامج المنوعات الخفيفة التي تستضيف أحد نجوم التمثيل أو الغناء أو الرياضة، وأنهن يحصلن في الحلقة على مقابل مادي قد يتجاوز الألف جنيه، في يوم تصوير واحد.

وتعلق بسمة ساخرة: «بالطبع لم أكن لأرفض، الناس بتدفع فلوس لحضور حفلات مطرب معين عشان تشوفه وتسمعه، واحنا هيدفعلنا مقابل مادي لكي نفعل هذا، فبالطبع كان إغراء الاشتراك في برامج التوك شو لا يقاوم، فأنا أعتبره كحفلة ستستمر لمدة ساعتين أو ثلاث ثم نأخذ بعدها مقابلًا مجزيًا ونذهب لبيوتنا».

ورغم أنها كانت ترى بعض الخروج عن الآداب العامة من وجهة نظرها من بعض الفتيات الحاضرات، حيث يبدأن في وصلة من الرقص حينما يشرع المغني الضيف في غناء إحدى أغانيه، إلا أنها ترى أنها ليست مسؤولة عن تصرفات أحد، هي لا تقوم من مكانها، وفقط تنظر للكاميرا في ابتسامة حالمة حينما ترى أنه يتم تصويرها.

في تلك النقطة اختلفت نيرمين – خريجة معهد خدمة اجتماعية – مع بسمة في أنها رأت أن تبتعد تمامًا عن تلك البرامج التي تسمح للحاضرين بالرقص أو تطلب منهم هذا، وعن ذلك تقول: «أنا لا أشترك إلا في البرامج المحترمة فقط».

وعن المعيار الذي تُقيم به نيرمين البرامج المحترمة من غير المحترمة قالت «هناك بعض البرامج الترفيهية التي يصل أجر الحلقة بها إلى ما يقارب 2000 جنيه، بالإضافة إلى وجبة غذائية نأخذها بعد التصوير، لكن المقابل هو أن نقبل الملابس التي يختارها فريق الإعداد لنا لكي نرتديها أثناء تصوير الحلقة، وبالطبع تكون هذه الملابس غير محترمة بالمرة، كما أنهم يملون علينا بعض الأشياء التي يجب أن نفعلها إذا كان الضيف مطربًا، مثل الرقص إذا قام بالغناء».

وتضيف نيرمين قائلة: «هناك بنات تقبل هذا وتراه فرصة جيدة لأنه يضمن لها فرصة أكبر في الظهور، وتسليط الكاميرا عليها، وقد يجعل أحد المخرجين أو مكتشفي النجوم يراها ويقتنع بموهبتها، وكثير من البنات تبالغ في أداء الدور إذا كان أحد ضيوف البرنامج مخرجًا بالفعل، وتحلم بأن يقدم لها فرصة عمرها».

تفرقة عنصرية

لا يقتصر الأمر على الفتيات فقط فهناك بعض الشباب الذين يعملون في هذا المجال أيضًا، ومن بينهم صلاح – 23 عامًا – خريج كلية الآداب، والذي يشكو من التفرقة العنصرية في هذه البرامج، حيث إن البنات مطلوبات أكثر في هذا العمل ويحصلن على مقابل مادي يفوق الذكور.

ويضيف قائلًا: «إنه يُفضل كثيرًا الاشتراك في البرامج الترفيهية وبرامج المنوعات، لأنها تشبه حفلة يحضرها مع أصدقائه، وهي أفضل كثيرًا من الصداع الذي تسببه البرامج الجادة والثقافية»، على حد تعبيره.                                                                                      ­­

تضيف سهام، خريجة كلية تجارة وإحدى العاملات في هذا المجال، «بدأت معرفتي ببرامج التوك شو من خلال صديقاتي، اللاتي تعرفن على أحد الأشخاص، كانت تجمعه علاقة صداقة بأحد مديري الإنتاج في قناة من القنوات الفضائية، وبدأ هذا الشخص الذي لا يخضع لأي مكتب (كاستنج)، ولا لأي جهة،  في توريد الشباب والفتيات من معارفه وزملائه لمدير الإنتاج صديقه مقابل عمولة يحصل عليها، وبالطبع ما يحصل عليه من عمولة لن يُقارن بالمبلغ الكبير الذي كان سيتكبده مدير الإنتاج إذا لجأ إلى أحد مكاتب الكاستنج لتوفير جمهور حلقات برنامجه».

­­

وتختم سهام حديثها معنا قائلة: «في البدء فوجئت بما يحدث في كواليس هذه البرامج، فأحيانًا يقف أحد العاملين في الاستوديو بلافتات مكتوب عليها (تصفيق) فنصفق ثم يرفع لافتة أخرى فنتوقف، وهكذا لا يوجد أي شيء تلقائي أو طبيعي فكل الحركات وردود الأفعال مُعدة سلفًا في كثير من هذه البرامج، وكم التلقائية التي نراها من أمام شاشات التليفزيون ما هي إلا خداع».

عرض التعليقات
تحميل المزيد