10,033

غادر حزب «النهضة» الإسلامي سُلطة الحكم، الذي ارتأته دولة الإمارات أحد أسباب جمود العلاقة معها، قبل أن تتوسع دوائر الخلاف مع حليفهم الباجي قائد السبسي، الذي وجد دعمًا إماراتيًا سياسيًا وماليًا خلال فترة ترشحه، قبل أن ينقلب هذا الدعم تمامًا، ويتحول إلى تضييق على تونس من خلال ورقة الاستثمارات والتأشيرات.

كانت الدلالة الأهم في التوتر القائم بين الإمارات وتونس خلال ولاية السبسى؛ عندما سعى الرئيس التونسى لتذويب الخلافات بزيارة، في سبتمبر (أيلول)  إلى دبي للمشاركة في تشييع الشيخ راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم، نجل أمير دبي، لكنه لم يتمكّن من الاجتماع بمحمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي. لاحقًا تحدد موعد جديد لزيارة السبسي إلى أبوظبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، لكنه أرجئ بقرار من الإماراتيين.

توسعت هذه الخلافات، بعد ذلك،  بقرارات بدت كأنها عقابية تجاه سياسات تونس، كان آخرها قرار منع المواطنات التونسيات من السفر على متن طائرات الإمارات المتوجهة من تونس إلى دبي. ويرسم التقرير التالي صورة كاملة عن خلافات الإمارات وتونس وفقًا لوقائع مُحددة ترويها المصادر الدقيقة، وشهادات حية من تونس لفهم هذا الخلاف الذي تصدر وسائل الإعلام العربية علي مدار اليومين السابقين.

كيف تحولت الإمارات من دعم «السبسي» إلى الانقلاب عليه؟

في نهاية 2014،  تمكن السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي بالفوز في الانتخابات الرئاسية بتونس، بعدما قدم نفسه «كمنقذ للبلاد من الإرهاب وهيمنة إسلاميي حزب النهضة»، خلال حملته الانتخابية. تزامن هذا الفوز باحتفاء إماراتي رسمي، فقد أعلنت الإمارات دعمها الكامل لتونس تحت قيادة «السبسي»، وذلك بعدما تدهورت علاقة الإمارات مع تونس، وسحبت سفيرها، على خلفية اتهامات تتعلق بأن النهضة هي فرع تنظيم «الإخوان المسلمين» في تونس، الذي تصنفه الإمارات «إرهابيًا».

وكدليل على دعم الإمارات للسبسي في انتخابات الرئاسة، منحته الدولة الخليجية سيارتين فاخرتين مُصفحتين قبل موعد الانتخابات بشهرين، حسبما أظهرت وثيقتان رسميتان من مصلحة الجمارك التونسية، تُطالب في الوثيقة الأولى السفارة الإماراتية في تونس مصلحة الجمارك التونسية بتسهيل دخول سيارتين فاخرتين حتى يتم إهداؤهما للباجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس، بينما جاءت الوثيقة الثانية في شكل وثيقة رسمية ببيانات السيارتين العائدة ملكيتهما حسب الوثيقة للباجي قائد السبسي.

ظن الكثيرون أن العلاقات بين تونس والإمارات ستنتقل من مرحلة الخصومة التي كانت عليها خلال مرحلة النهضة إلى التحالف كحال العلاقة بين مصر خلال ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي والإمارات بعد عزل مُمثل الإخوان المسلمين من السلطة، محمد مرسي.

ذهبت هذه الظنون أدراج الريح، وتجاهل الإماراتيون وعودهم تجاه السبسي، ونكثت الدولة الخليجية أحاديث مسئوليها عن دعم مالي لتونس، واستثمارات كبرى بل تحولت لحصار تونس عبر عدد من الأوراق التي استخدمتها في سبيل ذلك.

التأشيرات الممنوحة والاستثمارات.. أوراق ضغط إماراتية على تونس

سعت الإمارات لاستخدام عدد من أوراق الضغط السياسي والاقتصادي على تونس في سياق التجاذبات السياسية بينهما على خلفية تباين عدد من المواقف. تضمنت هذه الأوراق مسألة التأشيرات التي تمنحها الإمارات للمواطنين التونسيين الراغبين في السفر، أو الذين يعملون في الدولة الخليجية بشكل دائم.

التأشيرات الممنوحة

كان على رأس هذه الأوراق التأشيرات الممنوحة للمواطنين التونسيين المُقيمين في الإمارات، حيث استخدمت الإمارات هذه الورقة للتضييق علي التونسيين، ومنعت الإمارات في سبتمبر 2015 منح تأشيرات للتونسيين، أو حتّى تجديد تأشيرات الإقامة لمن تحصّلوا عليها سابقًا، والتي انتهت مدة صلاحيتها.

Embed from Getty Images
وفي شهر مارس (أذار) الماضي، رفضت السلطات الإماراتية تمكين طالبين وأستاذ جامعي تونسيين من الدخول لأراضيها لحضور فعاليات أحد المؤتمرات العلمية حول البحث الإكلينيكي في دول المغرب العربي، والذي جرى تنظيمه من جانب منظمة دولية علي الأراضى الإماراتية.

كُل ذلك أدى إلى إطلاق مجموعة من التونسيين حملة جمع توقيعات تتعلق بلائحة، وتوجهوا بها إلى رئيس الجمهورية  السبسي، والتي أوضحت كم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي لحقت بهم جراء سياسة الإمارات في عدم منحهم تأشيرات سفر، أو تجديدها للمُقيمين على أراضيها.

هذا التضييق في منح التأشيرة امتد كذلك  للمواليد الجدد من زوجين تونسين يعيشان في الإمارات، حيث لم يقع تسجيلهم، بالرغم من مرور ثلاثة أشهر على ولادتهم، وظلوا بلا وثائق هوية رسمية؛ لأن القنصلية ترفض تسجيلهم لمجرّد أنهم من تونس.

على خلاف ما يقع الآن من تضييق على التونسيات في السفر للإمارات؛ كان هذا التضييق قاصرًا علي الرجال فقط، وذلك في نهاية 2015، حيث كانت التونسيات لا يجدن مانعًا من الحصول على التأشيرة أو تجديدها من جانب القنصلية الإماراتية في تونس.

وربطت الإمارات آنذاك هذه الإجراءات بالأمن والسلامة داخل بلادها، والحيلولة دون وقوع أي أعمال إرهابية، خصوصًا في ظل ارتفاع أعداد الملتحقين بـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» من تونس.

الاستثمارات المالية

شكلت الاستثمارات المالية أحد أوراق الضغط التي مورست بحق تونس من جانب الإمارات خلال ولاية السبسى؛ حيث أوقفت الإمارات عدد من المشاريع التجارية كانت قد تعاقدت معها بشكل فعلي لأسباب التوتر السياسى القائم بين البلدين.

Embed from Getty Images
في عام 2007، وقعت الدولة التونسية (ممثلة في وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية) اتفاقية مع شركة «سما دبي» لتنفيذ مشروع «باب المتوسط»، أحد أهم المشروعات الاستثمارية الكُبرى في تونس، قبل أن تتراجع الشركة الإماراتية في عام 2008 لاعتبارات تتعلق بالظروف المالية والأزمة المالية العالمية. جُمد المشروع لأكثر من 10 سنوات، حتى بدأت ولاية السبسي، وعادت معها اللقاءات الرسمية باستقبال الرئيس التونسي عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي، ولبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي، وتنتشر أخبار عن استئناف المشروع الضخم الذي تعول عليه تونس، قبل أن يجمد من جديد على خلفية التوترات السياسية القائمة بين البلدين، ويتم تعطيل استثمارات إماراتية ضخمة أخرى معها في تونس، مثل مشروع أبوخاطر، وهو مشروع مدينة رياضية في العاصمة التونسية تنفذه شركة إماراتية.

كما شكل الحضور الإماراتي الضعيف في مؤتمر «تونس 2020» للاستثمارات الذي عُقِد في نوفمبر (تشرين الثاني)  2016 رمزية على التشنج القائم بين البلدين، حيث اقتصر هذا الحضور على مديرَين تنفيذيين من شركة «دبي القابضة» المملوكة من أمير دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان الإعلان الوحيد من جانب الإمارات خلال هذا المؤتمر هو أن شركة «الإمارات الدولية للاتصالات» (جزء من دبي القابضة) ستبيع حصتها في شركة اتصالات تونس، والتي تبلغ 35% من الأسهم.

ما وراء توتر العلاقات بين البلدين: الأزمة القطرية والنهضة وليبيا

ارتبطت أزمة الفتور في العلاقات بين تونس والإمارات بأسباب لا تنفصل عما آلت إليه العلاقة إلي المرحلة الحالية. كان أحد أهم هذه الأسباب الموقف التونسي الرسمي من الأزمة القطرية، ورفضها الانصياع والتماهي الكامل مع الحلف السعودي الإماراتي في قطع العلاقات وسحب السفير، وكذلك مسألة وجود حزب النهضة في الحياة السياسية، وحضور أعضائه في البرلمان كأعضاء تشريعيين، وممثلين لبعض الحكومات، علي خلاف الرؤية الإماراتية التي ترى محوهم من الحياة السياسية في تونس، كالحال في مصر.

الأزمة القطرية

منذ بداية أزمة حصار الدول الأربع، وعلى رأسهم السعودية والإمارات لحصار قطر، سعت الإمارات للضغط على تونس لأخذ موقف مشابه، والاصطفاف معها تجاه قطع العلاقات مع قطر؛ لكن تونس أخذت مسارًا مغايرًا، وأخذت موقفًا محايدًا من كلا الطرفين، بل دعت إلى الحوار بينهما.

Embed from Getty Images
تمثل هذا الموقف الرسمي في التصريح الذي صدر من وزير خارجية تونس خميس جنيهاوي، الذي أشار إلى «أنّ تونس تقف على المسافة نفسها من كلّ أطراف الصراع، وعليها الحفاظ على علاقتها الجيّدة مع كلّ الدول، وقال: إنّ العالم العربيّ يشهد مشاكل عدّة، ولا نريد المزيد من الأزمات».

وعلي خلاف الحضور الضعيف للإمارات في مؤتمر «تونس 2020»، وعدم تقديم منح مالية أو التعهد باستثمارات داخل الدولة الافريقية، كان الحضور القطري مُمثلًا  فى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهو رئيس الدولة الأجنبية الوحيد الذي شارك في المؤتمر، والذي قدم لتونس منحة مالية قدرها 1.25 مليار دولار لدعم الاقتصاد التونسى، ووقّع السفير القطري في تونس شيكًا إضافيًا قدره 2.2 مليوني دولار لتغطية تكاليف المؤتمر، وتزامن ذلك مع الصورة الإيجابية التي قدمتها قناة الجزيرة المملوكة لقطر عن تونس تحت ولاية السبسي.

حزب النهضة

لم يكف الإمارات ترك حزب النهضة الإسلامي عن السلطة؛ إذ كانت السياسة الإماراتية ترى ضرورة تغييب النهضة التونسي تمامًا عن الحياة العامة والمجلس التشريعى الذي يحظى النهضة بتمثيل كبير داخله.

Embed from Getty Images
زعيم حزب النهضة التونسى في أحد المؤتمرات الصحافية

وحسب مداخلة تلفزيونية للإعلامي التونسي سفيان بن فرحات على قناة نسمة التونسية الخاصة في 18 من شهر مايو (أيار) 2015، «فإن الرئيس التونسي الباجي القائد السبسي أعلمه في لقاء خاص أن دولة الإمارات طلبت منه إعادة سيناريو مصر وإزاحة حركة النهضة التونسية للإيفاء بتعهداتها المالية لتونس، إلا أن الأخير رفض ذلك، وفضل سياسة الحوار والتوافق لتفادي الحرب الأهلية بالبلاد وإراقة الدماء».

ويندرج تحت أسباب التوتر القائم بين الجانبين ما كشفت عنه بعض التقارير الصحافية الأجنبية بأنه يعود إلى ملف قضية تولاها قاض مقرب من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يترأسه الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، وتضمن اختلاس في القطاع العقاري، وقام القاضي المذكور بتوجيه استدعاء إلى حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لكن المرصد التونسي لاستقلال القضاء نفى تلك القضية برمتها.

حفتر وليبيا

سعت دولة الإمارات لدفع تونس نحو الاعتراف بالحكومة القائمة في شرق ليبيا وبخليفة حفتر، رجلها العسكري القوي وحليف أبوظبي، وعلى عكس الرغبة الإماراتية، أعلنت تونس وقوفها إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وزار رئيس وزراء تونس العاصمة الليبية طرابلس في أول زيارة لمسؤول رسمي عربي لليبيا منذ وصول حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج إلى ليبيا.

Embed from Getty Images
رئيس حكومة الوفاق الوطني في أحد المؤتمرات الصحافية بتونس

وبحسب رئيس الوزراء التونسي، فإن «لحكومة الوفاق الوطني بليبيا دورًا تاريخيًا ومهمًا في إرساء أسس الدولة وإحلال الأمن ومقاومة الإرهاب».

شكلت الخيارات التونسية في الأزمة الليبية إحدى الركائز الأساسية لتوتر العلاقات بين البلدين؛ فالرئيس التونسي الذي كانت تراهن عليه الإمارات في محو آثار حركة النهضة الإسلامية، وكذلك في اصطفافها مع الدولة الخليجية في خياراتها الإقليمية، سار منفردًا بسياسة بعيدة عما كانت تُخطط له الدولة الخليجية.

شهادات تونسية لـ«ساسة بوست» حول العلاقة المتوترة بين الإمارات وتونس

تعتقد شيراز بن مراد، مؤسسة موقع «الجمهورية.كوم» التونسي الذي تتولى إدارته، أن القرار الإماراتي بمنع المواطنات التونسيات من امتطاء الطائرات التابعة لطيران الإمارات يُشكل مخالفة واضحة لقوانين ومعاهدات الطيران المدني، فضلًا عن كونه تجنيًا مفضوحًا وإهانة للمرأة التونسية، مؤكدة أن التوضيح الإماراتي لإجرائهم «المهين» جاء متأخرًا، فضلًا عن كون ذلك لا ينفى توتر العلاقات التونسية الإماراتية منذ فترة.

وتوضح «شيراز» في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أسباب التوتر الحقيقية، قائلة: «إنه منذ تحالف حركة نداء تونس بحزب النهضة إثر الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2014، تغير الموقف الإماراتي، وهو الذي عرف برفضه للحركات الإخوانية ومنها النهضة».

وتستشهد شيراز بتغريدات ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي السابق الذي تنبأ بسقوط «حكومة الإخوان» حسب تعبيره في تونس كتأكيد علي التحليل السابق، على حد قولها، وتؤكد أنه «يبدو أن النظام الحاكم في الإمارات لم يقبل بأن تعود حركة النهضة للحكم من جديد، مؤكدة كذلك أن الإمارات وقطر لعبتا دورًا ذا وزن في المشهد السياسي التونسي بعد اندلاع الثورة، حيث أثرت التمويلات التي وفرها البلدان، سواء كان ذلك لأحزاب سياسية أو لمنظمات من المجتمع المدني في تشكل المشهد، وذلك في إطار لعبة مصالح إقليمية بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة التونسية».

وتبرهن «شيراز» على صحة موقفها بالأثر السلبي وراء التمويلات السياسية من جانب الدول الخليجية بانحدار وتخلخل التوازنات السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية في تونس اليوم، حيث فقد العامة الثقة في الساسة، وشهدت الانتخابات الجزئية في تونس انخفاض معدل مشاركة بـ4%؛ مما يعكس انخرام المشهد السياسي برمته، سواء كان ذلك لأسباب داخلية او خارجية.

بينما يقول الكاتب والإعلامي التونسي هادي يحمد، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «إن قرار شركة الطيران الإماراتية الأخير غير مفهوم، ولَم يكن مقنعًا بالنسبة لقطاع مهم من الرأي العام».

ويفسر رأيه: «بالطبع السلطات الإماراتية قدمت حجة المخاطر الأمنية من أجل تفسير الأمر، دون الإفصاح عن تفاصيل هذا الخطر الأمني، ويتساءل: «هل يتعلق الأمر بمجرد أزمة عابرة أم ستعقبها تبعات؟»

يُكمل: «أنا من المعتقدين أن الأمر يتعلق بأزمة عابرة تحاول بعض القوى المحسوبة على المحور القطري – التركي استغلالها من أجل تعميق الخلاف، وإحداث القطيعة بين الدولتين. هل جذور الأزمة تعود الى التحالف الحكومي الموجود بين حركة النهضة ونداء تونس؟ في الواقع لا يبدو الأمر مقنعًا تمامًا، بالرغم من عدم الأريحية التي تنظر بها أبوظبي لهذا التحالف الذي يدمج أحد فروع حركة الإخوان المسلمين التي تعتبرها الإمارات منظمة إرهابية».

أخيرًا يقول هادي: «إنه في كل الحالات، أنا من المعتقدين أن التوازنات الحالية في تونس؛ ستعجل بطي ملف الأزمة العابرة؛ لأن القوى الديمقراطية في تونس لا ترى نفسها في ذات خندق المحور الإقليمي للإسلام السياسي».