7,056

«ابحث عما تحب ودعه يقتلك»، تلك المقولة للكاتب والروائي تشارلز بوكوفسكي أبهرت الكثير من القراء منذ خطها بقلمه، وأصبحت دافعًا للعديد من المبدعين للبحث وإيجاد الشغف؛ ليفنوا فيه أعمارهم.

الشغف عادًة ما يكون المحرك الأساسي لأي مبدع، ليساعده على الإستمتاع بالحياة وبعمله، والقدرة على إنتاج أعمال تسعد جمهوره وتسعده برد فعلهم، ولكن هناك بعض المشاهير، اندفعوا وراء الشغف؛ حتى انفصلوا عن أرض الواقع وتحول معهم الشغف من سبب للحياة إلى وسيلة للموت.

هيث ليدجر.. «لقد حذرته!»

الممثل العالمي الراحل هيث ليدجر، الذي قام بدور«الجوكر» في أحد أفلام سلسلة «باتمان»، والذي كان بعنوان «فارس الظلام»، يعتبر من أهم الأمثلة على الانجراف وراء الشغف حتى الموت.

كان ليدجر – من قبل التحضير لهذا الدور- يعاني من الأرق والإغراق في التفكير، حيث صرحت حبيبته السابقة ميشيل وليامز لمجلة الإنترفيو بعد وفاته قائلة «منذ أن عرفت هيث، وهو يعاني من الأرق بسبب طاقته الزائدة بشكل مبالغ فيه، فعقله يعمل طوال الوقت دون توقف».

وعندما بدأ ليدجر في التحضير من أجل دور الجوكر؛ وجد في هذا الدور ضالته، حيث وضع كل مجهوده وطاقته الزائدة في تقمص هذا الدور، فاستنزفه الدور حتى آخر نفس، حيث اختلى ليدجر بنفسه تمامًا قبل التصوير، ليتوحد مع شخصية الجوكر الشريرة، التي تكره البشر، وتريد الانتقام منهم، وأخبر ليدجر الإعلام الامريكي – في هذا الوقت – أنه استأجر غرفة بأحد الفنادق في لندن، ولم يخرج من تلك الغرفة إلا للضرورة لمدة شهر كامل، ليكتب يومياته وكأنه الجوكر، حيث كتب ليدجر بخط يده الحوار الكامل من مشهد المسشتفى الشهير بالفيلم قبل التصوير بشهور طويلة.

وقام بتسجيل تلك اليوميات والخواطر صوتيًا بأكثر من أداء؛ حتى يختار الصوت الأنسب، وهو الصوت الذي سمعناه جميعًا عند عرض الفيلم.

الدور الذي قدمه ليدجر في هذا الفيلم؛ يؤكد لنا أن سعيه وراء شغف تقمص تلك الشخصية نجح بالفعل، وقد تم تصنيفه بأنه أفضل من قام بدور الجوكر في السينما الأمريكية، على الرغم من أن أحد منافسيه على هذا اللقب هو النجم العالمي ذو التاريخ الحافل بالروائع جاك نيكلسون والذي صرح للإعلام، بعد سماع خبر وفاة ليدجر قائلًا «لقد حذرته!.. لقد حذرته من قبول شخصية بهذا الشر والقتامة».

والمثير للمفارقة ربما الكئيبة أن وفاة هيث ليدجر حدثت في مرحلة مونتاج الفيلم، فلم يسمح القدر لهذا المبدع، أن يرى إنجازه على الشاشة الكبيرة، ولم يمنحه الوقت الكافي ليتلسم جائزة الأوسكار عن هذا الفيلم، ليتحول هيث ليدجر إلى أيقونة تحذير لجميع المبدعين عن الحدود التي يجب أن يقف عندها الفنان، وهو يلهث وراء شغفه ورغبته في الكمال.

يذكرنا ليدجر هنا بالفيلم الشهير «البجعة» السوداء، الذي قامت ببطولته النجمة ناتالي بورتمان، وقدم مثالًا على الانجراف وراء الشغف والرغبة في الكمال من قِبل راقصة البالية نينا، التي تسعى لتجسيد دور البجعة السوداء بشكل يقترب إلي الكمال، لدرجة أثرت على توازنها النفسي والعقلي، وأصيبت بالهلاوس التي دفعتها لقتل نفسها، لتموت على خشبة المسرح وآخر كلماتها هي «لقد وصلت للكمال».

لكن النجمة ناتالي بورتمان كانت أكثر حذرًا وهي تستعد لهذا الدور، وراقبت تقمصها حتى لا تتعدى هذا الخط الأحمر، وعلى الرغم من مشاكل التغذية التي تعرضت لها أثناء التحضير للفيلم، حيث فقدت الكثير من الوزن، إلا أن الخسائر كانت بسيطة، والمكاسب كانت رائعة، وتسلمت ناتالي بورتمان جائزة أوسكار أفضل ممثلة عن هذا الفيلم، وهي حامل.

«لماذا كل هذه الجدية!»، هذه هي الجملة التي رددها الجوكر كثيرًا في فيلم فارس الظلام، ولكن لم يرددها هيث ليدجر على نفسه في الواقع.

وداعًا ليدجر.. «إنه لا يتنفس»

«إنه لا يتنفس» قالها أحد المسعفين الذين وصلوا إلي منزل ليدجر، بعد أن أبلغت خبيرة التدليك الخاصة به أنها جاءت في موعدها الاسبوعي؛ لتجده غائبًا عن الوعي.

فيما بعد أكد الطب الشرعي أن سبب الوفاة هو جرعة زائدة لمجموعة مختلفة ومتعارضة من الحبوب المنومة والمهدئات، والتي قد حذرته شقيقته منها كثيرًا، ولكنه كان يؤكد لها دائمًا أنه بخير.

جثة النجم الشاب لم تكن المفاجأة الوحيدة في إنتظار المسعفين، بل إن مسرح الحدث كان أكثر غرابة، حيث قام ليدجر بتحويل منزله إلي منزل يناسب شخصية الجوكر، وكان المنزل به تماثيل صغيرة لشخصية الجوكر، وللضباع، وأعداد كبيرة من مجلات «الكومكس» في كل مكان، بالإضافة إلى كتب ودراسات عن أصول المهرجين، والتسجيلات الصوتية التي كان يتمرن فيها على أداء الدور.

ويبدو أن توحد ليدجر مع الجوكر، كان أقوى من قوة احتماله، فبعد الانتهاء من التصوير، لم يستطع هيث أن يتخلى عن هذا الرفيق الذي تلبسه تمامًا، فأحاط نفسه بكل ما قد يذكره به، ولكنه في نفس الوقت كان يمضغ روحه، فعانى المزيد من الأرق والإحباط، وربما – في لحظة ما – عانى من رهبة المجد الذي ينتظره عند عرض هذا الفيلم، ربما عانى من حالات فزع لتخيله أن هذا الدور يستحق الأوسكار والخلود، وشعر بأمعائه تتقلص من الخوف والحماس، بينما القلق المزمن الذي كان يعانى منه؛ وجد لنفسه تربة خصبة لينمو ويكبر ويتحول إلى وحش يجسم على صدره، ويمنعه من النوم، حتى وضع ليدجر نفسه في «حالة نوم دائمة» كما وصف والده طريقة موته لوسائل للإعلام.

اقرأ أيضًا: الجارديان: كيف يعيق القلق قدرة العقل على التعلم؟ وكيف يمكن القضاء عليه؟

وداعًا هيث ليدجر! «وداعًا» هي الكلمة الأخيرة التي كتبها الجوكر في يومياته عندما أنهاها، وهي الكلمة التي كتبها ليدجر على حوائط آخر مكان تصوير للفيلم.

ستيف إروين.. صائد التماسيح وقائمة الموت

وقبل أن نترك أستراليا، موطن ليدجر الأصلي، يجب أن نتحدث عن رجل آخر، قد أخذه الشغف إلي خط النهاية، وهو الإعلامي وخبير الطبيعة الشهير ستيف إروين أو كما عرف إعلاميًا بـ«صائد التماسيح» على اسم البرنامج الذي كان يقدمه واشتهر به عالميًا.

كان إروين يقدم هذا البرنامج بالإشتراك مع زوجته وشريكة حياته ومشواره العملي، حيث اشتركوا في إدارة حديقة حيوان بمساحة 50 ميل، ورثها إروين عن والديه؛ الأمر الذي يفسر عشقه للحيوانات والعيش بينهم لفترات طويلة، حيث دارت حياته منذ صغره حول الحيوانات فقط، فالأب كان خبير في الحياة البرية وأولى إهتمامه بالكامل للزواحف، بينما كانت الأم نصيرة للحياة البرية وفي عيد ميلاد إروين السادس، كانت هديته من ابيه وأمه ثعبان طوله أربعة أمتار.

تطور شغف إروين عن أبيه وأمه، حيث اتخذ لنفسه طريقًا مختلفًا، وقرر أن يجوب العالم، باحثًا عن «قائمة الموت» في الطبيعة، وقدم في برنامجه سلسلة حلقات تحمل نفس الأسم، وكان أشهر حلقة تدور حول الثعابين الأكثر خطورة وفتكًا حول العالم، وتميز إروين في تقديم حلقاته، بالإقبال على الاحتكاك بكل أنواع الحيوانات الخطرة، دون أن يعطي اهتمامًا لقدرتهم على قنص حياته في أي لحظة، بل بالعكس، كلما كان الحيوان أكثر خطورة، كلما اشتعل حماس إروين، ولمعت عيناه، وأشرق وجهه.

إذا كنت تقرأ عن إروين للمرة الأولى من خلال هذا التقرير، فغالبًا أنك قد توقعت النهاية، وهي وفاة إروين علي يد أحد ثعابينه الخطرة التي ظل يطاردها، ولكن إليك المفارقة، فثعابين إروين كانت مخلصة لصديق طفولتها، ووفاة إروين حدثت على يد سمكة.

في عام 2006 قرر إروين أن يخرج من دياره، وهي اليابسة، حيث أصدقاؤه المرعبين المقربين، وقفز إلي المحيط باحثًا عن قائمة موت جديدة وشغف جديد، بالنسبة للكائنات البحرية؛ إروين هو شخص غريب، دخيل عليهم، ولذلك الترحيب لم يكن رائعًا، فتم إيقاف تصوير فيلم إروين «قائمة الموت في المحيط» بسبب سوء الأحوال الجوية، ولكن هذا لم يوقف إروين، فقرر أن يغطس إلى المحيط ليقوم بتصوير بعض اللقطات، وأثناء التصوير استهدف إروين أحد سمكات «الراي اللاسع» والتي بلغ طولها مترين أو أكثر، وظل يطاردها هو والمصور، وهذا لم يعجب السمكة؛ فهجمت على إروين وطعنته بذيلها – الذي يشبه السيف- في صدره طعنات متعددة حتى وصلت إلي قلبه؛ لينزف إروين حتى الموت.

من البرامج التي قدمها إروين، تستطيع أن ترى بسهولة رغبته المميتة وشغفه القاتل لتقديم شيء لم يقدمه أحد من قبل، وواقعة وفاة إروين كانت تحقيق لحلمه، فلقطات موته على يد سمكة الراي تعتبر حالة القتل الوحيدة الموثقة بتصوير الفيديو لهذا النوع من السمك، ولذلك يعتبر هذا الفيديو نادر للغاية، ولكن إروين لم يصمد حتى يراه، حيث أعلن فريق الإنعاش وفاته قبل أن يخرج إلى البر.

وعلى الرغم من رغبة المصور بجعل وفاته لحظة خاصة، إلا أن جزء من الفيديو تم عرضه في الإعلام تحت عنوان «مغامرة إروين الأخيرة»، وبهذا يكون حقق حلمه كما صرحت زوجته في حوارها مع «سكاي نيوز» حيث قالت «إروين كان يشعر بأن نهاية حياته ستكون بهذا الشكل، وكان دائمًا يقول إنه يريد أن يصل إلى أقصى ما يستطيع الوصول إليه».

ماري كوري وكتاب الطبخ المميت

ومن أستراليا إلى بولندا، ونعود بالزمن إلى منتصف القرن الثامن عشر، لنقابل عالمة الفيزياء والكمياء ماري كوري، لندرك أن الشغف ليس له مجال واحد، وليس مرتبط بالأضواء والكاميرات والشهرة، فالعالمة كوري قضت سنوات طويلة من عمرها في معملها تجري أبحاث في مجال إضمحلال النشاط الإشعاعي، والذي حققت نجاحات كبيرة فيه، لتكون أول امرأة تحصل على جائزة نوبل، وأول شخص يحصل عليها مرتين في مجالين مختلفين، هما الفيزياء والكمياء.

كانت حياة كوري وزوجها وأبنائهم كلها تتمحور حول الدراسات الفيزيائة وخاصة الإشعاعية منها، وقد اكتشفت هي وزوجها عنصري البولونيوم والراديوم وهما من العناصر الكيميائية المشعة، وهذا الاكتشاف هو ما أهل ماري وزوجها للحصول على جائزة نوبل – الأولى – بالمناصفة.

في عام 1934 توفت ماري في إحدى المستشفيات نتيجة حالة من فقر الدم اللاتنسجي، والذي علم الأطباء بعد ذلك أنها أصيبت بها بسبب شغفها العلمي منقطع النظير، حيث قضت ماري ساعات وأيام وسنوات طويلة في معملها بين تجاربها وعناصرها المشعة التي قامت باكتشافها، دون أن يكون هناك دراية علمية في هذا الوقت بخطورة التعرض لتلك الإشعاعات، وبالتالي لم يكن هناك العوامل الوقائية المناسبة للأشخاص الذين يتعرضون لتلك الإشعاعات.

من بعد وفاة ماري أصبحت كل أوراقها وممتلكاتها التي تعاملت معها في فترة تعرضها للإشعاعات؛ مصدر للتلوث الإشعاعي ويجب التعامل معها بحذر وكأنها سلاح مميت، حتى إن كتاب الطبخ الخاص بها، لم يسمح بنقله وعزله إلا من خلال وسائل وقائية مثله مثل باقي ممتلكاتها.

بول ووكر.. الذي تسعى إليهِ يسعى اليك

«أنا رجل مجنون بالسيارات، ولدي مستودع كامل مليء بالسيارات»، قالها الممثل بول ووكر بطل سلسلة أفلام السرعة والغضب، والتي تدور أحداثها حول سباقات السيارات والمطاردات في الشوراع الأمريكية وبالطبع حوادث السيارات أيضًا.

قام ووكر ببطولة أكثر من خمسة أجزاء من هذا الفيلم، حيث تمحورت حياته الشخصية والمهنية حول السيارات والحوادث التي يمكن أن يتعرض لها المتسابق، وهذا ما عاشه في خياله لفترات طويلة وشاهده على شاشات السينما.

جاء خبر وفاة النجم الشاب في عام 2013 كالصاعقة على مسامع جماهيره، وكان من الصعب تجاهل المفارقة في سبب وفاته، حيث مات ووكر في حادث سيارة أليم، ليؤكد لنا جميعًا أن جملة جلال الدين الرومي القائلة «واعلم أن الذي تسعى اليهِ يسعى اليك» واقعية للغاية.