كريس هدجيز مراسلٌ لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية. ألَّف العديد من الكتب مثل “الحرب أداة في يد الفاشيين: اليمين المسيحي والحرب على أمريكا”. وأحدث كتبه هو “إمبراطورية الخداع: نهاية الجهل وانتصار العلم”.

أطلقنا صواريخ من الجو تحرق العائلات المحتشدة في منازلها؛ فيحرقون هم طيارًا يرتعد في قفص. عذَّبنا رهائن في مواقعنا السرية وقمنا بخنقهم حتى الموت بحشر قماش في حناجرهم؛ فيعذبون هم رهائن في أكواخ قذرة، ثم يقومون بقطع رؤوسهم. ننظم نحن فرق الموت الشيعية التي تقتل السنة؛ فينظمون هم فرق موت سنية لقتل الشيعة. ننتج نحن أفلامًا بميزانيات ضخمة مثل فيلم “قناص أمريكي” (American Sniper) تمجيدًا لمجرمي الحرب من جنودنا؛ فينتجون هم أفلامًا ملهمة لتمجيد نسختهم المشوهة من الجهاد.

البربرية التي ندينها هي نفس البربرية التي نرتكبها. فالفرق بيننا وبين الدولة الإسلامية في العراق والشام تكنولوجي وليس أخلاقيًّا. فنحن ومن نقاتلهم وجهان لعملة واحدة.

كتب برايمو ليفي “العنف يولد من العنف فقط، فبعد وقوع فعل إجرامي، وبدلاً من أن يخفت مع مرور الوقت، يصبح أكثر وحشية”.

لقد كان إعدام الملازم الأردني معاذ الكساسبة حرقًا من قبل مسلحي داعش بعد أن تحطمت طائرته بالقرب من محافظة الرقة في سوريا عملاً وحشيًا كالتي كان يشهدها مدرج رومانيا الشهير، وقد قُصد له أن يكون كذلك. إن الموت هو المشهد الرئيسي على مسرح الحرب. لو كان لدى داعش طائرات مقاتلة وصواريخ وطائرات بدون طيار وأسلحة ثقيلة لقصف المدن الأمريكية، فلن تكون في حاجة لإشعال النيران في طيار أسير، فوقتها ستكون داعش قادرة على الحرق البشر مثلما نفعل، من على ارتفاع عدة آلاف من الأقدام. ولكن بما أن التنظيم محدود القدرات الحربية، فلا بد له أن يبث للعالم نسخة مصغرة لما نفعله بالبشر في الشرق الأوسط. إن أفعال تنظيم داعش أفظع من أفعالنا، لكن النتيجة واحدة.

نحن من صنعنا الإرهاب. هل تتذكرون “الصدمة والرعب”؟ لا بد أن يرى الناس الإرهاب ويشعرون به حتى يكون فعالاً. يتطلب الإرهاب صورًا وحشية، ولا بد أن يغرس رعبًا مميتًا. يتطلب الإرهاب التسبب في معاناة العائلات وجثثًا مشوهة. يتطلب مناشدة بائسة من الرهائن والسجناء الذين لا حول لهم ولا قوة. الإرهاب هو رسالة ترسل في هذا الاتجاه وفي الاتجاه المعاكس في حوار حربي مروع. الإرهاب يخلق عاصفة عاتية من الغضب والهلع والخزي والألم والتقزز والشفقة والكراهية والعجز. إنه يستنفذ طاقة المدنيين والمحاربين على حد سواء. إنه يرفع من مستوى العنف إلى أقصى درجة، ويُبرر باسم قيم نبيلة. إنه يطلق كرنفالاً من الموت ويغرق المجتمع في جنون ملطخ بالدماء.

خلال الحرب البوسنية التي وقعت في التسعينيات، دفع أشخاص أموالاً طائلة لاستعادة جثث أبنائهم أو أزواجهم التي بقيت رهينة لدى تجار الجثث على الجانب الآخر. بل وقد دفعوا أكثر في محاولات تأمين إطلاق سراح أبنائهم أو أزواجهم الذين ظلوا أحياءً. مثل تلك المبادلات التجارية قديمة قدم الحرب نفسها. والبشر هم ضحية الحرب سواءً كان ذلك في مواقعنا السرية أو على أيدي المسلحين الإسلاميين.

لا يثير كل الرهائن أو السجناء نفس حالة الغضب الشعبي، ولا يساوي جميعهم نفس الثمن، ولا يتم تحديد موعد إطلاق سراح لهم جميعًا. القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (FARC) حولت أنشطتها إلى عمليات خطف الرهائن لإنها تجارة رابحة وأمسكت بالمئات من الرهائن. كانت قيمة الفدية المفروضة على الرهائن من المشاهير، بما في ذلك إنغريد بيتانكورت التي جرى خطفها أثناء خوضها سباق الرئاسة في كولومبيا وتم تحريرها من قبل الجيش الكولومبي بعد أن ظلَّت رهينة لمدة ست سنوات، لا نظير لها في سوق الرهائن. كما كانت القوات المسلحة الثورية في كولومبيا تفرض فدية متوسطة على الرهائن من رجال الشرطة والجيش، وفدية قليلة على رهائن مثل الفلاحين. فالرهائن المشاهير لهم قيمة عالية لكل أطراف الصراع أثناء احتجازهم. هؤلاء الرهائن من المشاهير، أحدهم كان رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو الذي جرى خطفه وقتله من قبل منظمة الألوية الحمراء عام 1978، رفعوا من مستوى الدراما في الحرب. كما خدم وضع صدام حسين في قفص هذا الغرض. وعادة ما يحكم على الرهائن من المشاهير بالموت مقدمًا، لأن الفدية المطلوبة مقابل إطلاق سراحهم عادة ما يكون مبالغًا فيها. أشك أن هذا كان هو الحال مع الصحفي الأمريكي جيمس فولي، الذي جرى قطع رأسه أثناء أسره. لقد كانت الفدية المعروضة مقابل إطلاق سراحه باهظة جدًا، 100 مليون يورو وإطلاق سراح متشددين إسلاميين تحتجزهم الولايات المتحدة، لدرجة أن خاطفيه على الأرجح لم يتوقعوا أنها سوف تُسدد.

تعاني الحكومة الأردنية لاحتواء حركة إسلامية متشددة خبيثة. هناك حالة من عدم الارتياح بين سكان الأردن، كما هو الحال في الولايات المتحدة بشأن الضربات الجوية الأمريكية ضد داعش. إلا أن إعدام الطيار الأردني يدعم مزاعم واشنطن وعمان بأن المعركة مع داعش هي صراع بين دولتين ديمقراطيتين متحضرتين (على الرغم من أن الأردن ليس ديمقراطيًا) وبين الجهاديين الهمج. وقد نظر إلى إعدام الأردن اثنين من أعضاء القاعدة، إلى جانب الغارات الجوية من قبل المقاتلات السورية على عاصمة الأمر الواقع الخاصة بداعش، على أنه يمثل تلك الاختلافات المفترضة ويلهب الصراع.

ساجدة الريشاوي، إحدى السجينتين اللتين جرى إعدامهما، حكم عليها بالموت منذ عام 2005 لدورها في الهجمات التي تعرضت لها الفنادق في عمان، والتي خلفت 60 قتيلاً. لقد كانت مساعدة لأحد قادة تنظيم القاعدة الأردنيين، أبو مصعب الزرقاوي، الذي قتل في العراق في 2006. إن عمليات الإعدام المتبادلة بين الأردن وداعش، حالها كحال الضربات الجوية، مفيدة في ممارسة لعبة الإرهاب ضد الإرهاب. فهي ترعى النظرة الثنائية للمعركة بين الخير والشر التي تعتبر عنصرًا هامًا في الحفاظ على لهيب الحرب. أنت لا تود أن يبدو عدوك آدميًا، وأنت لا تود أن يشعر الشعب بالضجر من حمامات الدم، لذا عليك دومًا تصنيع الرعب والإرهاب.

إن فرنسا ومعظم الدول الأوروبية الأخرى، وعلى عكس الولايات المتحدة، تتفاوض مع الخاطفين وتدفع فدية مقابل الرهائن. وقد تطوَّر هذا إلى تدشين ممارسة تجارية. فعشرات ملايين الدولارات التي يجمعها تنظيم داعش عبر عمليات الخطف تمثل مصدرًا هامًا لإيرادات التنظيم، بما يشكل حتى نصف ميزانية تشغيل التنظيم. كتبت صحيفة النيويورك تايمز في تحقيق أجرته في يوليو عام 2014 أن “القاعدة والتنظيمات التابعة له جنت حوالي 125 مليون دولار من عمليات الخطف منذ عام 2008، من بينها 66 مليون دولار في العام السابق فقط”. لكن التفاوض ودفع الفدية له تبعات، فبينما هو مرجح أنه سيتم دفع فدية مقابل اختطاف أي مواطن فرنسي أو أوروبي، فعلى الأرجح أيضًا أن ذلك سيزيد من عمليات اختطافهم. لكن فرنسا تنجو من المواقف التي يرفض الأمريكيون تحملها. ولهذا تبقى فرنسا قادرة على الحفاظ على توازنها نسبيًا.

إن الإرهاب يخدم مصالح المُروجين للحرب على كلا الجانبين. هذا ما حدث خلال عملية احتجاز الرهائن الأمريكيين في إيران، التي دامت 444 يومًا بين عامي 1979 و1981. ولهذا فإن الأردن، وبخلاف اليابان التي رأت اثنين من مواطنيها يعدمان ولكن لم تتورط في عمل عسكري ضد داعش، رد بغضب شديد وبدأ حملة الانتقام. ولهذا السبب عزز مقتل فولي من نداءات لوبي الحرب في واشنطن بشن حملة قصف ضد تنظيم داعش. إن الإرهاب، الذي نرتكبه والذي يرتكب بحقنا، يغذي فظائع الحرب. إنه أداة حشد لأمراء الحرب. ولو كان تنظيم داعش غير وحشي، لجرى العمل على إظهاره بشكل وحشي. نحن نعارض أمنيات المتعصبين -والمتعصبون متواجدون بيننا- القائلة بأن لكل شخص احتياجات دعاية يجب الوفاء بها. لكن المأساة هي أن العديد من الأبرياء يعانون.

لقد راقبت حكومات الشرق الأوسط المتحالفة مع الغرب، بما فيها الأردن والعراق والسعودية، بهلع تنظيم داعش وهو يستولي على أجزاء من سوريا والعراق لإنشاء دولة الخلافة التي تقترب من حجم ولاية تكساس. وقد أصبح التنظيم مكتفيًا من التمويل بشكل ذاتي عبر تصدير البترول والحصول على فدية مقابل اختطاف الرهائن. لقد أصبحت المنطقة الخاضعة لسيطرة التنظيم قبلة للجهاديين، فقد جذبت حوالي 12000 مقاتل أجنبي، منهم 2000 من أوروبا.

كلما طال أمد بقاء دولة الخلافة المتوحشة، أصبح تهديدها شديدًا على حلفاء الغرب في المنطقة. لن يقوم تنظيم داعش بغزو دول مثل السعودية والأردن، لكن وجوده المتواصل سيشجع الساخطين والمتشددين في تلك البلدان، الذين يرزح معظمهم تحت اقتصاديات منهارة، على إحداث اضطرابات داخلية. إن الولايات المتحدة وحلفاءها مصممون على محو داعش من على الخريطة، سيسبب هذا اضطرابات شديدة. وسوف يجري تمثيل مسرحيات كتلك، لأنها تخدم أهداف داعش فضلاً عن أهداف تلك الأمم الساعية إلى تدمير داعش، طالما بقيت دولة الخلافة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد