«بدون العودة السريعة لن يتم التوصل لاتفاق نووي»

كان هذا تعليق أحد الدبلوماسيين الغربيين الذي فضل عدم ذكر اسمه لوكالة رويترز، حول مسألة إعادة العقوبات على إيران مرة أخرى سريعًا في حال مخالفة إيران لبنود الاتفاق النووي، وينم تعليق الدبلوماسي الغربي عن قلة الثقة إن لم يكن انعدامها بين الطرفين الإيراني والغربي، خصوصًا وأن المفاوضات حاليًا تمر بعقبات تجعل من الصعب التوصل لاتفاق نهائي في 30 يونيو القادم، مثل مسألة “قناة المشتريات” وهي آلية للموافقة على المشتريات الإيرانية من التكنولوجيا النووية الحساسة المحظورة حاليًا بموجب عقوبات الأمم المتحدة، وفي هذا الإطار، يحاول كل جانب أن يأخذ عددًا من الخطوات الاستباقية التي من شأنها ردع الجانب الآخر والعودة إلى نقطة ما قبل اتفاق لوزان بدون خسائر كبيرة، في حال فشل التوصل إلى اتفاق نهائي.

وازدادت حالة عدم الثقة هذه خصوصًا، بعدما أفاد تقرير سري للجنة عقوبات تابعة للأمم المتحدة اطلعت عليه رويترز الأسبوع الماضي أن بريطانيا أبلغت اللجنة عن وجود شبكة مشتريات نووية إيرانية نشطة مرتبطة بشركتين مدرجتين على قوائم العقوبات.

وخلال السنوات الأخيرة الماضية، استخدمت روسيا والصين حق النقض “الفيتو”، لدعم النظام السوري ضد أي مشروع قرار يعرض في مجلس الأمن الدولي، من شأنه أن يضعف أو يطيح بنظام الأسد، حيث تم استخدام الفيتو لصالح سوريا حوالي 4 مرات، كان آخرها في مايو 2014، عندما قامت روسيا والصين باستخدام حق الفيتو ضد مشروع قانون يقرر إحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب من قبل طرفي النزاع.

لكن الآن وبهدف عدم تكرار هذه التجربة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد وسيلة جديدة أو “ميكانيزم” وفقًا لوصف أحد الدبلوماسيين، وفي هذا قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، “سمانثا باور” أن واشنطن لا تريد تكرار استخدام روسيا والصين للفيتو على قرارات تتعلق بأي اتفاق نووي مع إيران كما حدث مع سوريا، وأضافت “باور” في مقابلتها مع تشارلي روز على تلفزيون بلومبرج “سنقوم بذلك بطريقة لا تتطلب دعمًا روسيًا أو صينيًا أو تصويتًا لإعادة (العقوبات) سريعًا، لأننا في عالم مختلف في 2015 عما كان عليه عندما طبق أسلوب العقوبات”، وقالت باور إن واشنطن تأمل في إبرام اتفاق نووي مع طهران يؤدي إلى تغيير في الموقف الإيراني بشأن سوريا.

الكونجرس الأمريكي ومحاولات الالتفاف

«إن الكونجرس الأمريكي قد يكون “الكابح الأخير” لمنع إبرام اتفاق نووي مع إيران»‬‬

كان هذا تعليق أحد المسؤولين الإسرائيليين القلقين من احتمالية عقد اتفاق نووي بين الغرب وإيران، فبعد أن نفضت إسرائيل يدها من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وضعت إسرائيل جام ثقتها في الكونجرس الأمريكي الذي يستحوذ الجمهوريون على أغلبية مقاعده، لضمان عدم خروج اتفاق نووي يهدد وجود إسرائيل أو رفضه بالكلية.

لهذا قام مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية ساحقة أمس الخميس، بالموافقة على مشروع قانون يمنح الكونجرس الحق في مراجعة وربما رفض اتفاق نووي دولي مع إيران، وتعني الموافقة إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب الذي من المتوقع أن ينظر فيه قريبًا ربما الأسبوع القادم.

وكان البيت الأبيض قد قال إن الرئيس باراك أوباما سيوقع على المشروع إذا وافق عليه مجلس النواب أيضًا – كما هو متوقع – ليصير قانونًا.

ومنذ التوصل لاتفاق أولي في سويسرا في الثاني من إبريل كثف البيت الأبيض ضغوطه لإقناع أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ بعدم تأييد مشروع قانون قدمه الحزبان يعطي الكونجرس حق مراجعة أي اتفاق نهائي، لكن في النهاية تخلى أوباما عن قرار معارضته لمشروع القانون بعد أن تفاوض أعضاء حزبه الديمقراطي على إجراء تغييرات على مشروع القانون الذي حظي بدعم قوي من الحزبين.

من جهته، أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني تحفظه إزاء القانون الأمريكي، وذكر روحاني في كلمة ألقاها في مدينة رشت بشمال إيران الشهر الماضي، ونقلها التلفزيون الرسمي، أن منح الكونجرس الأمريكي سلطة مراجعة أي اتفاق نووي مع إيران شأن داخلي، وإن كان قد أكد على أن بلاده “في محادثات مع القوى الكبرى وليس مع الكونجرس”، وقال “إذا لم توضع نهاية للعقوبات فلن يكون هناك اتفاق، يجب أن يشمل هدف هذه المفاوضات وتوقيع اتفاق إعلان إلغاء العقوبات الجائرة على الأمة الإيرانية العظيمة”.

مجلس الشورى: لن يمر من تحت أيدينا

في نفس الوقت الذي يقوم فيه البرلمان الأمريكي بتقييد حركة أوباما خلال عملية المفاوضات النووية مع إيران، تحرك أيضًا مجلس الشورى الإيراني الذي يمثل التيار المحافظ الأغلبية فيه، في نفس الاتجاه لتقييد الرئيس روحاني، حيث أعلن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني حسين نقوي، في أواخر أبريل الماضي، عن مشروع قرار في البرلمان يلزم الحكومة بالحصول على موافقته لإبرام أي اتفاق نووي مرتقب.

ويتضمن مشروع القرار تشكيل لجنة من سبعة نواب تشرف على سير المفاوضات النووية، وقال نقوي، أنه لا ضمان لتنفيذ الاتفاق النووي مع الدول الستة دون مصادقة مجلس الشورى الإيراني عليه، كما أكد على أن نواب الشعب في مجلس الشورى اتخذوا هذا القرار، وفقًا لما ینص علیه الدستور بأن أي اتفاق بین إیران وبلد آخر، لا یصادق علیه نواب الشعب، یفتقد إلی المصداقیة القانونیة.

ضمانات إيران في حال فشل المفاوضات

ويأتي هذا في الوقت الذي تجرى فيه مناوشات بين أعضاء الشورى الإيراني وبين أعضاء الفريق المفاوض بسبب انعدام الثقة، ففي أبريل الماضي دخل وزير الخارجية الإيرانية، محمد جواد ظريف، في مشادة لفظية غير مسبوقة مع جواد كريمي قدوسي، أحد الأعضاء المحافظين بلجنة الأمن الوطني التابعة للبرلمان الإيراني التاسع، حيث اتهم قدوسي ظريف بتجاهل ملاحظاته قبل عقد الاتفاق المبدأي النووي، مما دفع 212 نائبًا في مجلس الشورى الإيراني لاحقًا، لإصدار بيان يطالب بنشر “ورقة حقائق” سريعًا حول المفاوضات النووية.

لم يكن البرلمان هو الجهة الوحيدة المطالبة فقط بإصدار ورقة الحقائق، فرغم إعلان الرئيس روحاني يوم 30 أبريل الماضي إصدار إيران لورقة الحقائق، قام 7200 أستاذ وطالب في حوزة قم للعلوم الدينية يوم 5 مايو الماضي بإرسال رسالة إلى نواب الشعب، يطالبونهم فيها باستخدام صلاحياتهم القانونية من أجل نشر الورقة الإيرانية الخاصة بحقائق الاتفاق النووي الأخير وانتقدوا في ذات الوقت عدم نشرها حتى الآن.

ضمانات إيران في حال فشل المفاوضات

تبرز إيران من وقت لآخر كارت التهديد بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم بالنسب القديمة في حال فشل المفاوضات، حيث هددت إيران أكثر من مرة على لسان العديد من المسؤولين بذلك، ففي حال فشل المفاوضات وعدم الوصول لاتفاق نووي نهائي ورفع العقوبات من عليها، فإنها ستقوم بالعودة لتخصيب اليورانيوم بالنسب القديمة البالغة (20%)  بدلًا من النسبة المستهدفة وفقًا للاتفاق النووي والتي تبلغ (3.5%)، وفي إطار ذلك قال رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، في 4 مايو الماضي، إن بلاده ستواصل تخصيب اليورانيوم بقدر احتياج البلاد واحتياج المؤسسات النووية، في حال مارس الغرب تحايلًا على الشعب الإيراني وطرح كلامًا مزدوجًا حول الاتفاق بشأن البرنامج النووي.

وتضع إيران ضمانات حتى الآن تمكنها للعودة في أي وقت لبرنامجها النووي ومعدلات التخصيب القديمة، فإيران لم تتخلّ عن أجهزة الطرد المركزي في الاتفاق النووي الإطاري الذي عقد في لوزان بسويسرا بشكل كلي، حيث خفضت إيران فقط من عدد أجهزة الطرد المركزي – التي تستخدم في تخصيب اليورانيوم – بمعدل الثلثين، ورغم إعلان بعض المراكز البحثية أن الاتفاق ينص على اقتصار إيران على أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول (IR)، أعلن النائب الإيراني كريم قدوسي في 8 أبريل الماضي عن حصوله على توضيحات من جانب جواد ظريف وعلي أكبر صالحي، بأنه سيتم بعد بدء الاتفاق ضخ الغاز لأجهزة الطرد المركزي IR8، وهذه فعاليتها تتفوق بعشرة إلى عشرين مرة على أجهزة الطرد المركزي الحالية من طراز IR-1، لكن تشغيل هذه الأجهزة على نطاق شبه صناعي سيستغرق على الأرجح ما لا يقل عن ثلاث سنوات، لكن في حين تركيب هذه الأجهزة فسيتم تخفيض أوقات تجاوز العتبة النووية بشكل كبير.

كما رفضت إيران نقل اليورانيم المخصب خارج البلاد وفقًا للمقترحات الغربية التي اقترحت في السابق، حيث أعلن عباس عراقجي المسؤول الثاني في فريق المفاوضين الإيرانيين خلال جريان المفاوضات في لوزان، أن إيران ترفض إرسال مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج لكنها اقترحت حلولًا لطمأنة القوى الكبرى، حيث أعلن ظريف عقب الاتفاق أن بلاده ستقوم ببيع اليورانيوم المخصب لتصبح في المستقبل أحد المساهمين في السوق العالمية للوقود النووي، مما يعطي لإيران فرصة الاحتفاظ بالمخزون في حال عدم التوصل لاتفاق نهائي.

وفي الحقيقة لم يمس الاتفاق بشكل كبير أصول المنشآت النووية في إيران، بما يعني قدرتها على استئناف برنامجها في وقت لاحق من نقطة متأخرة نسبيًا يجبرها الاتفاق عليها، كما تم السماح بتشغيل عدد من أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو سيتم تغذيتها بعناصر مثل الزنك، أو الزينون أو الجرمانيوم لفصل النظائر المشعة المستخدمة في الطب والصناعة والعلوم، في حين أن العقوبات سابقًا لم تؤثر في الأصل بالسلب على البرنامج النووي الإيراني بالشكل الكافي الذي يمنعها من استكماله، فالعكس هو الذي حدث، حيث ارتفعت نسبة أجهزة الطرد المركزي خلال فترة العقوبات على إيران من 164 جهاز إلى 20 ألف جهاز.

أقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته حول الاتفاق بشأن برنامج إيران النووي: 7 أسئلة تشرح لك

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد