جيش يعجز عن مواجهة جماعات متطرفة تتفوق عليه شكلًا وجوهرًا في ظل وضع أمني متردٍ منذ الاضطرابات السياسية في 2015؛ ما ألجأه إلى حيلة جديدة – قديمة لمكافحة هذا الخطر: تسليح المدنيين. هذا هو ملخص تجربة بوركينا فاسو المريرة مع الجماعات المسلحة، التي نجحت في قتل المئات منذ شهر أبريل (نيسان) الماضي، ويتسع تمردها يومًا بعد يوم، بعد أن اخترقت البلاد من بوابة حدود مالي، وأشعلت منطقة الساحل الأفريقي.

لكن التجربة تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات التي تتجاوز مدى الخبرة العسكرية التي يتمتع بها هؤلاء المدنيون الذين يستعين بهم الجيش، وحقيقة قدراتهم وكفاءتهم في أداء المهام المطلوبة منهم، وتشمل أيضًا احتمالية ارتكاب هؤلاء المدنيين انتهاكات لحقوق الإنسان بمجرد وضع السلاح في أياديهم.

جذور التهديد.. كيف تفوقت الجماعات المسلحة على الجيش البوركيني؟

تخوض عدة دول في منطقة الساحل في شمال وغرب أفريقيا حربًا ضد الجماعات المسلحة كما هو الحال في الجزائر، ومالي، والنيجر، ونيجيريا. وعلى الرغم من العمليات العسكرية المتواصلة في أنحاء المنطقة لاحتواء أنشطة الجماعات المتشددة، إلا أنها تواصل نموها هناك، وأسست جبهة في شمال بوركينا فاسو.

انتقل التمرد لبوركينا فاسو، في بداية 2019، حين انطلقت جماعات على صلة بتنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية (داعش)» من مالي المجاورة إلى بوركينا فاسو؛ مما ساهم في إذكاء التوتر العرقي والديني، وخاصة في المناطق الشمالية. وبصفة عامة هناك ثلاث جماعات جهادية رئيسة في شمال وشرق بوركينا فاسو وهي: «أنصار الإسلام»، و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، و«الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى».

ومنذ الهجوم الذي نفذه تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على أحد الفنادق في واجادوجو عاصمة بوركينا فاسو في يناير (كانون ثاني) عام 2016؛ ما أسفر عن 30 قتيلًا، اندمجت القاعدة في المنطقة مع تنظيمين آخرين، هما: «أنصار الدين» و«المرابطون»، لتشكل تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين».

وينشط التنظيم في مالي والنيجر وبوركينا فاسو ويقف وراء هجومين آخرين في واجادوجو؛ أولاهما استهدف مقهى في أغسطس (آب) 2017، وثانيهما استهدف السفارة الفرنسية ومقر قيادة الجيش في مارس (آذار) عام 2018. أما جماعة «أنصار الإسلام» فهي جماعة محلية تأسست عام 2016 على أيدي رجل الدين المتشدد مالام ديكو الذي يعتقد على نطاق واسع أنه قاتل مع المتشددين في مالي لدى استيلائهم على شمال البلاد عام 2012، ومات ديكو في أبريل (نيسان) عام 2017، لكن شقيقه جعفر يقود الجماعة التي تتلقى الدعم اللوجستي من «القاعدة» و«تنظيم الدولة» في المنطقة، بحسب منظمة «ووتش» لحقوق الإنسان.

وتساهم حالة الإحباط الشديد في بوركينا فاسو الناجمة عن نقص الوظائف وضعف البنية الأساسية في جعل البلد تربة خصبة لتجنيد المسلحين «الجهاديين»، ويقول لويس أوديت غوسلين، من الشبكة الكندية لمكافحة «الإرهاب» إن «الوضع الأمني في البلد يتدهور يوميًا، فالجماعات المتطرفة تكسب أرضًا كل يوم؛ مما يضطر المسؤولين للنزوح من مناطق ريفية عديدة، بل من بعض المدن أحيانًا».

ويستهدف المسلحون مسؤولي الدولة من عُمَد وضباط شرطة وموظفين مدنيين، إذ يتهمونهم بالتعاون مع الجيش، ويعد المدرسون والمدارس أهدافًا سهلة للمسلحين الذين يعارضون التعليم العلماني. وبسبب ذلك أغلقت السلطات أكثر من ألف مدرسة في شمال البلاد مؤخرًا؛ مما أثر على الحياة الدراسية لنحو 15 ألف تلميذ.

وقال أحد سكان مدينة ديجو الشمالية لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «العديد من المنازل هجرها سكانها، والكثير من الأحياء في جيبو باتت خالية»، وأضاف قائلًا: «إن الأنشطة الاقتصادية توقفت، ولم نعد نسهر، وغادر الغربيون المنطقة»، متابعًا «يقوم مسلحون من وقت لآخر بأعمال سلب ونهب للمتاجر وللناس».

وقال أحد سكان قرية إيناتا الشمالية: «عندما يأتي المسلحون وهم يطلقون النار في الهواء يهرب الناس من بيوتهم، ولا يعودون إلا بعد مغادرة المسلحين». وتابع قائلًا: «إنهم عادة لا يقتلون، بل غالبًا يمارسون السلب والنهب، نحن في حالة ذعر. لقد أغلقت المدرسة المحلية، بل أغلقت كل المدارس في إقليم سوم»، ويقول السكان المحليون: إن هناك المزيد من الجنود العاملين في المنطقة، وبالرغم من ذلك فإن المسلحين الإسلاميين يتفوقون عليهم.

برنامج مكثف لتحويل المدنيين إلى عسكريين في 14 يومًا!

لمواجهة هذا الوضع المتردي أقر برلمان بوركينا فاسو منذ أيام تشريعًا يسمح للجيش باستقدام متطوعين مدنيين في القتال ضد المتطرفين، بسبب نقص عدد جنود الجيش، وقال وزير الدفاع شريف سي في تصريحات صحافية إن جميع المجندين سيخضعون للتدريب لمدة أسبوعين، ببرامج تتراوح بين كيفية استخدام الأسلحة إلى الانضباط. وأضاف: «إنها ليست مسألة صنع جنود مشاة. نريد منع هؤلاء المتطوعين من أن يصبحوا ميليشيات». وتابع «لابد أن يتجاوز سن أي متطوع 18 عامًا ويخضع لــ(تحقيق أخلاقي) قبل السماح له بالالتحاق بالخدمة».

وتابع «من المقرر منح مكافآت تسريح لكل متطوع في مسعى لإعادة دمجهم في المستقبل بالحياة المدنية»، لافتا إلى أن الدولة ستمنح تعويضات صحية لأولئك الذين يصابون أثناء أداء الواجب، بحسبه. وأوضح وزير الدفاع أن استخدام متطوعين مدنيين سيتيح للجيش تشكيل شبكة أوسع لمكافحة التطرف، واعترف قائلًا «نعم، نحن نعاني نقصًا في عدد الجنود». يكافح جيش بوركينا فاسو، بالرغم من التدريب والمساعدة من فرنسا والولايات المتحدة، لاحتواء انتشار التطرف، لكن عدد القتلى ازداد جراء الهجمات التي تعرضت لها البلاد زيادة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، من قرابة 80 عام 2016 إلى أكثر من 1800 عام 2019، وفقًا للأمم المتحدة.

ماذا يمكن أن يحدث حين توضع الأسلحة في أيدي المدنيين غير المحترفين؟

قوبلت خطة وضع الأسلحة في أيدي المدنيين المتدربين حديثًا بقلق نشطاء حقوق الإنسان، الذين أثاروا علامات استفهام تتكئ على علامات تعجب حول انتهاكات ارتكبها جنود الجيش خلال حملته ضد المسلحين خلال الأشهر الماضية.

وفي هذا السياق قالت كورين دوفكا، مديرة قسم غرب أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»: إن الحكومة فشلت في التحقيق في نمط عمليات القتل المزعومة على أيدي أجهزة الأمن التابعة لها. وأضافت: «هذه الخطة الجديدة بتسليم عمليات أمنية للمدنيين تهدد بارتكاب مزيد من الانتهاكات».

وكان جيش بوركينا فاسو تعرض لانتقادات على خلفية اتهامات بانتهاكات قام بها. وقالت «هيومن رايتس ووتش» العام الماضي إن ما يزيد على 150 رجلًا، معظمهم من عرقية بيول، قُتلوا على أيدي قوات الأمن بعدما اتُهموا بدعم أو إيواء متطرفين. 

كما حذرت لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالتعذيب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من أن جماعات الأمن الأهلية التي يطلق عليها «koglweogo»، وتعمل بشكل غير رسمي مع قوات الأمن، لا تخضع للمراقبة الكافية. وأعربت اللجنة عن مخاوفها من تورط المجموعات الأهلية في مذبحة العشرات من الرعاة في يناير 2019، لافتة إلى أن عمليات قتل كهذه تؤدي إلى زيادة نفوذ المتطرفين، بحسب نشطاء.

«دولة داخل الدولة».. ماذا تخبرنا التجارب السابقة عن تسليح المدنيين؟

خلال السنوات الثلاثة السابقة، تردد مصطلح «تسليح المدنيين» في مناطق مختلفة من العالم، وبالتحديد في فنزويلا «أمريكا الجنوبية»، وأفغانستان والفلبين «آسيا». ولكن اختلفت أسباب السير في هذا الطريق بين «حماية المساجد الشيعية» في أفغانستان، و«مواجهة التدخل الأمريكي» في فنزويلا، و«محاربة الإرهابيين وتجارة المخدرات» في الفلبين.

مجتمع

منذ 5 سنوات
ماذا تعرف عن ميليشيات الحشد الشعبي في العراق؟ التشكيل والتمويل والممارسات الطائفية

ومن بين كل هذه الأمثلة، كانت تجربة العراق مع الحشد الشعبي، هي الأكثر بروزًا واكتمالًا، حيث تشكلت الميلشيا الشيعية من متطوعين مدنيين، بهدف قتال تنظيم «داعش» في 2014، وتطورت حتى باتت دولة داخل الدولة. وفي 13 يونيو (حزيران) 2014 أطلق المرجع الشيعي علي السيستاني دعوة لمساندة الجيش العراقي في حربه ضد تنظيم «داعش»، من خلال تشكيل ميليشيات من المتطوعين؛ ما أدى لظهور «الحشد الشعبي»، وهي قوات شبه عسكرية تعتمد بالأساس على تجنيد وتسليح المدنيين المتطوعين.

وخلال السنوات الماضية، اتُهمت هذه القوات بارتكاب أعمال عنف طائفية بحق العراقيين السنة، في المناطق التي تستولي عليها، فقتلت عشرات المدنيين، خاصة السنة، بـ«إعدامات عشوائية»، فيما اعتُبر دوليًا على نطاق واسع «جرائم حرب».

ووفق المستشارة في منظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا، نفذت المليشيات الشيعية «عمليات انتقام ذات طبيعة مذهبية بحق السكان السنة الذين لم ينخرطوا في الأعمال العدائية».

ومع مرور الوقت، ونجاح الحشد الشعبي في دحر تنظيم «داعش» بمساعدة غطاء جوي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، نمت قوة هذه القوات شبه العسكرية وباتت دولة داخل الدولة، توجه السياسات، وتحتفظ بامتيازات كبيرة لعناصرها.

وبصفة عامة يتقاضى كل عنصر في الحشد الشعبي 500 دولار أمريكي شهريًا تدفعها الحكومة العراقية التي اشترطت على كل فصيل، ليحظى بالدعم المالي، أن يكون بحجم لواء ويتمتع بهيكلية واضحة، كما تقلى الحشد الشعبي الدعم من رجال الأعمال الشيعة. 

وفي هذا الإطار قال قيادي (لم يذكر اسمه) في «سرايا الجهاد»، أحد تشكيلات الحشد الشعبي: «عناصر الحشد يستلمون مرتبات شهرية وبدل طعام، أما الإجازات التي يتمتع بها المقاتل فتحدد حسب القطاعات العسكرية التي يتبع لها والوضع الأمني فيها».

وأوضح «عناصر الحشد يعملون بطريقة 50% دوامًا، و50% استراحة، فيما يتلقون عناية صحية من قبل الوحدات الطبية التي نشرتها وزارة الصحة في المناطق التي يتواجد فيها الحشد الشعبي»، أما فيما يتعلق بعدد هذه المليشيات، فبلغ 250 ألف متطوع غالبيتهم من الشيعة.

«المداواة بالتي كانت هي الداءُ».. تجربة بوركينا فاسو في الميزان

يقول الخبير الألماني في شؤون أفريقيا وخبير المواد الخام لدى الرابطة الاتحادية لشركات الصناعة الألمانية، ماتياس فاختر، في تصريحات خاصة عبر الهاتف لـ«ساسة بوست»: إن «الوضع في بوركينا فاسو معقد للغاية، ويشكل تحديًا أمنيًا كبيرًا»، موضحًا أن «الميلشيات تزداد قوة، وتعرف دروب البلاد والصحراء، وتملك حرية حركة كبيرة عبر الحدود مع مالي؛ ما يجعلها ندًا قويًا للجيش، بالرغم من الدعم الفرنسي والأمريكي للأخير».

دولي

منذ 9 شهور
كيف تزاحم روسيا الغرب الآن على كعكة الساحل الأفريقي؟

وتابع الخبير الذي يكتب بشكل دائم في صحيفة «هاندلاس بلات» الألمانية وغيرها من المطبوعات أن «الوضع الإنساني في المنطقة الشمالية، وهي منطقة المواجهات الرئيسة، متدهور لأبعد حد، والميلشيات المتطرفة تهاجم المؤسسات الحكومية، والمدارس، وتنهب المنازل بشكل دائم».

ومضى قائلًا: «هذا الوضع المتدهور، بالإضافة إلى حالة جيش بوركينا فاسو المتردية، ومعاناته من نقص في العنصر البشري، يحتاج أساليب غير تقليدية لمواجهته». الخبير الألماني أوضح «أعتقد أن خطوة تدريب المدنيين جيدة من الناحية النظرية، لكن هناك ملاحظات عليها، وتكتنفها صعوبات في التنفيذ».

واستطرد قائلًا: «14 يومًا غير كافية إطلاقًا لتحويل شخص مدني إلى عسكري، وسيكون التدريب غير كافٍ؛ ما سيساهم بشكل مباشر في زيادة ضحايا الاشتباكات من الجماعات المسلحة». 

وأضاف «مدنيو المناطق الأكثر تضررًا من الجماعات المسلحة يحركهم الانتقام في الأساس؛ ما يفتح الباب أمام انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان، وحتى ارتكاب جرائم حرب»، ولفت فاختر إلى أن اخضاع تشكيلات المتطوعين لقيادة ورقابة عسكرية مباشرة وإدماجهم في الجيش، وزيادة مدة التدريب لشهر على الأقل، وتنظيم ندوات توعوية للمتدربين حول انتهاكات حقوق الإنسان، شروط أساسية لنجاح تجربة تسليح المدنيين في بوركينا فاسو.

وحذر فاختر من السماح للمدنيين بتكوين تشكيلات قائمة بذاتها ومستقلة عن الجيش، على غرار أمثلة كبيرة مثل الحشد الشعبي في العراق؛ لأن ذلك سيكون مقدمة لميلشيات ذات نفوذ واسع تتحدى نفوذ المؤسسات الرسمية وتدخل البلاد في مرحلة جديدة من الفوضى.

المصادر

تحميل المزيد