تحولت الصورة الذهنية لتركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه، في عيون الإعلام الرسمي السعودي ومتابعيه، لكونه الرجل الذي اختاره ولي العهد السعودي من أجل صناعة «الفرحة»؛ عبر إطلاق فاعليات ترفيهية ورياضية، تستقطب نجوم العالم داخل المملكة، وإقامة بطولات رياضية  من أجل «المتعة الكروية».

يُخفي هذا الوجه الرسمي أدواراً محورية، ومهام خارج نطاق وظيفته الرسمية، اضطلع بها الشاب الثلاثيني، والتي ساهمت في صعود نجم ولى العهد، والتي كان على رأسها دوره في الإطاحة بولي العهد السابق محمد بن نايف، ومُباشرة التحقيقات مع مئات الأمراء المعتقلين، ووضع ملامح السياسة الخارجية لبلاده في العديد من البلدان.

يرسم التقرير التالي ملامح الوجه الآخر للحارس السابق لولي العهد السعودي، والتعرف عما إذا كان سعي المملكة إعلاميًا، لربط هيئته بقطاعات غير مؤثرة، محاولة منها للحفاظ على آخر أصدقاء ولي العهد السعودي في القصر.

«يجسّد كلّ ما هو خطِر في الأمير محمد بن سلمان»

«يجسّد كلّ ما هو خطِر في الأمير ابن سلمان» تُشكل هذه الجملة، التي وصف بها  الكاتب السعودي الراحل جمال خاشقجي، أدوار تركي آل الشيخ، مدخلًا هامًا لتتبع أدوار ومهام هذا الشاب الثلاثيني في الكثير من الملفات الأمنية والسياسية، على خلاف الصورة التي راجت عنه إعلاميًا، بوصفه مستشارًا للديوان الملكي، ومسئولًا عن الرياضة والترفيه؛ يُغدق الأموال من أجل متعة الجماهير، وتحسين ذائقة المواطن السعودي الفنية، عبر تنظيم عشرات الحفلات لكبار مطربي العالم، كما يُقدمه إعلام المملكة الرسمي.

Embed from Getty Images

ماضي الرجل باعتباره حارسًا شخصيًا في فريق الحراسة الأمنية لوليّ العهد السعودي، تجعل مسألة تداخله في الكثير من الملفات الأمنية والثقة الكاملة التي يضعها ولي العهد السعودي فيه، أمرًا طبيعيًا؛ وهو ما ظهر كثيرًا في أدوار محورية منذ صعود نجم محمد بن سلمان، بعيدًا عن الفن والرياضة، التي ارتبط اسم آل الشيخ بهما.

أحد أهم هذه الأدوار هو قيادته للمجموعة الأمنية التي اضطلعت بإرغام ولي العهد السابق، ووزير الداخلية الأشهر في تاريخ المملكة، الأمير محمد بن نايف، على التخلى عن منصبه. إذ كان آل الشيخ على رأس فريق أمني احتجز ابن نايف عدة ساعات، ومارس تجاهه أساليب مختلفة من التهديد والترويع، من أجل التخلي عن منصبه، وفقاً لشهادات مقربون من الديوان الملكي، لصحيفة «نيويورك تايمز»، ووكالة «رويترز».

ويربط المحللون بين هذا الدور وبين ظهوره في مقطع فيديو أذاعه التلفزيون الرسمي، يظهر فيه آل الشيخ، وهو يحوم خلف ولي العهد المخلوع وهو يتعهد بالولاء للأمير محمد بن سلمان.

تتفق هذه المعلومات مع ما ذكره حساب «مجتهد» على موقع تويتر، والذي يعد واحدًا من أكثر السعوديين تأثيرًا على «تويتر»، ويُتابعه حوالي 1.7 مليون مستخدم، من أن تركي آل الشيخ هو الشخص الذي تم تكليفه من جانب ابن سلمان للإشراف على عملية احتجاز ابن نايف بعد تخليه عن منصبه، إلى جانب كونه وسيطًا لنقل أي رسائل منه للأمير الشاب.

وذكر «مجتهد»: «أن هذا الدور شمل مراقبة مستمرة، ووضع سوار تتبع في الكاحل، وتجميد أمواله، فضلًا عن منعه من الاتصال بأي جهة إلا بإذن، كما كان قد سمح له برحلة صيد مع فريق مراقبة وجرى تحذيره إن فكر بأي محاولة هرب سيقتل فورًا».

أجاد آل الشيخ هذه المهمة، وأنجز دوره على أتم وجه؛ فقد نجح في السيطرة على محمد بن نايف، مُهندس هيكلة الأجهزة الأمنية في المملكة، وكذلك أهم رجاله في الأمن الفريق أول عبد العزيز الهويرني الذي كان يلعب دورًا محوريا في التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، دون أي رد فعل عنيف من كليهما أو انشقاقات مؤثرة في صفوف الأمن، ليعزز بهذا الدور ثقة ولي العهد فيه، ويضطلع بدور جديد في الإشراف على متابعة سير التحقيقات مع مئات الأمراء والوزراء السابقين في حملة الاعتقالات الشهيرة، ممن جرى إيداعهم في فندق «ريتز كارلتون» بالرياض، والتي جاءت في إطار ما سميت حملة تطهير حكومية.

فوفقًا لشهود وأمراء محتجزين فإن آل الشيخ هو أحد الأشخاص الذين باشروا معهم التحقيقات وهم معصوبو العينين، وكان على رأس المجموعة التي نفذت الاعتداءات الجسدية تجاه الأمراء الذين رفضوا التنازل عن ثرواتهم، خلال التحقيقات، بما فيها من ضرب، وصعق بالكهرباء، وتعليق من القدمين لفتراتٍ طويلة، فيما ذكر آخرون أنهم رأوا آل الشيخ من نوافذ غرفهم يأتي إلى الفندق ويغادره محاطًا بالحرّاس المسلّحين.

وكان آل الشيخ قد بارك حملة الاعتقالات التي أمر بها ولي العهد، إذ كتب تغريدة على حسابه في «تويتر» يقول: «ليلة الأحد.. لن ينجو أحد»، في إشارة لليوم الذي جرت فيه قرارات الاحتجاز.

محمد بن نايف.. الخاسر الأكبر من التغييرات السعودية الأخيرة

مُهندس سياسة المملكة الخارجية في مصر «الجديد»

قبل عامين، وبالتزامن مع صعود نجم ولى العهد السعودي، سحبت المملكة العربية السعودية، سفيرها أحمد القطان، من مصر، ومُهندس سياساتها الخارجية تجاه مصر طيلة سنوات خدمته، وحل محلها سفير جديد هو أسامة نقلي، وسط تساؤلات من جانب المتابعين للشأن المصري – السعودي، على دلالات الخطوة، خصوصًا في ظل النفوذ الواسع  الذي حققه القطان للمملكة في القاهرة.

Embed from Getty Images

شبكة النفوذ التي بسطها القطان اتضحت بصورة كبيرة على رموز الإعلام المصري، حيث تجسدت انعكاساتها في عدم خروج أي جريدة مصرية طيلة الأعوام الماضية عن النص الرسمي الذي تصدره المملكة في بياناتها الرسمية فيما يخص شأنها الداخلي، وتجنب نشر مقالات رأي تهاجم السعودية، حتى في القضايا الخلافية مع مصر بعد «ثورة 25 يناير».

في هذه الفترة، تكرر ظهور تركي آل الشيخ في مصر، من بوابة الرياضة، باعتباره مُحبًا للنادي الأهلي المصري، الذي منحه لقب الرئاسة الشرفية للنادي، بعدما تبرع بملايين الدولارات للنادي، وذلك قبل أن ينشب خلافًا بينهما، ليقرر دعم غريمه التقليدي نادي الزمالك، ويشتري نادي رياضي، ويؤسس قناة تلفزيونية، ويصير اسمه حاضرًا ونافذاً في كل وسائل الإعلام، التي اعتادت مدحه وتمجيده، وأفردت له برامجها الفضائية مداخلات هاتفية برغبة شخصية منه.

لكن الرياضة لم تكن سوي بوابة عبور ومظلة لتحركات آل الشيخ في المشهد السياسي وصناعة القرار في مصر؛ ليحل بديلًا للقطان، ويصير مهندسًا جديدًا لنسج شبكة نفوذ سياسي ومالي لولي العهد مع مصر، والتي كانت شواهدها عديدة أهمها دخوله في تفاوض مع جهاز المخابرات العامة المصرية.

تركي آل الشيخ ليس الأول.. الأندية المصرية ورحلة عقود من البحث عن «شوال الرز»

أما الشاهد الأهم على أدواره البعيدة عن الرياضة، فمفاوضاته مع جهاز المخابرات العامة المصرية، لتمويل قناة إخبارية تعبر عن السياستين المصرية – السعودية تبث من القاهرة بكوادر مصرية وأموال سعودية لمواجهة المد الإعلامي القطري، والتي توقفت بعد واقعة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

ويمكن القول بأن أدواره لم تقف عند حدود تمويل قناة إخبارية، بل امتدت تطلعاته إلى السيطرة على سوق الإعلام المصري عبر الاستحواذ على نسبة حاكمة في شركة إعلام المصريين، المملوكة لجهاز المخابرات العامة، والتي باتت المالك لغالبية الإعلام المصري الخاص، وذلك وفقاً لمصادر رسمية لموقع «مدى مصر»، والتي أوضحت: «آل الشيخ عرض في مقابل ذلك قرابة 750 مليون دولار، إضافة إلى توفير تمويل كبير للقناة الإخبارية».

ويعزز من صلاته النافذة مع الأجهزة السيادية داخل مصر، الصورة التي قدمتها له وسائل الإعلام المصرية المملوكة للدولة والأشخاص المُقربين من السلطة، مثل مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، الذي ربط بين تصالحه معه، وتقدير الأجهزة السيادية له، قائلًا: «إننا لما نقعد في أجهزة سيادية محترمة، وتتحدث عن هذا الراجل بهذا الحب وكيف هو مخلص، هو وطبعًا ولي العهد محمد بن سلمان وجلالة الملك المحترم خادم الحرمين سلمان بن عبد العزيز، وعن حبهم لبلدي مصر».

وتصديقًا على أدواره التي تتجاوز قطاع الرياضة، تعلل الناقد الرياضي عصام شلتوت، بعدم الاستغراق في انتقاده، إلى أسباب لها علاقة بمهامه المتجاوزة ذلك، قائلًا: «أنا مش عايز أنجرف زي ما قلت لحضرتك، ﻹن الرجل في يده ملف ساخن جدًا، وهو ملف مصر والسعودية».

«تركي آل الشيخ».. الشاعر السعودي الذي حاول السيطرة على الرياضة المصرية

إلى جانب دوره في صناعة السياسة الخارجية للمملكة في مصر، فقد مثل تركي وسيطًا بين ولي العهد السعودي، والدبلوماسيين الغربيين والعرب في المملكة، ممن يبتغون نقل رسائل للأمير الشاب، مثل دينيس هوراك، سفير كندا السابق في الرياض، والذي طُرد من المملكة، بعد نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين، عقب مطالبة كندا بإطلاق سراح نشطاء حقوقين محتجزين في سجون المملكة.

إذ قال هوراك لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية: «المبعوثون الخارجيون عادةً ما يلجأون إلى سعود القحطاني وتركي آل الشيخ نظرًا لما لهما من نفوذ».

لا يظهر في دائرة ضوء الأدوار السياسية

على خلاف بقية مستشاري ولي العهد السعودي، ممن تبرز أدوارهم في صناعة القرار السياسي، تبتعد وسائل الإعلام السعودية الرسمية في تغطيتها لمهام تركي آل الشيخ، خارج دائرة الرياضة والسياسة، وتركز عليه دومًا باعتباره «مسؤول غير عادي وغير تقليدي، على مستوى العالم، في قطاع الرياضة».

Embed from Getty Images

«تركي آل الشيخ.. الحلم الرياضي»، عنوان لكتاب صادر عن المشرف العام على كأس العالم للأيتام مساعد بن مبارك السهلي، والذي يحكي فيه عن «أبرز القرارات والمحطات المهمة في رياضة المملكة خلال العام الماضي التي تحقّقت بفضل حزم آل الشيخ  ومتابعته وفقاً للكتاب، الذي قصر إنجازاته في قطاع الرياضة، وأن مهامه محصورة في هذا القطاع فقط.

لا يبدو حصر أدواره أمرًا معتادًا بالنسبة لأقرانه، وهو ما قد يكون محاولة من جانب ولي العهد السعودي لربط صفته، وتسويق مهامه إعلاميًا بقطاعات غير مؤثرة خشية تعرضه لانتقادات غربية، ومطالبات بتغييره حال ذيوع صلاته ببعض الأفعال والانتهاكات لحقوق الإنسان.

وربما يكون ذلك قد اتضح في واقعة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي؛ إذ تم تسليط الأضواء بشكل كبير على دور محتمل لسعود القحطاني، من جانب وسائل الإعلام الغربية في هذه الحادث، لأسباب لها صلة بانتقاداته السابقة الحادة للمعارضين السعوديين، وتسويق وسائل الإعلام السعودية لهذا الأمر، وهو ما شكل عاملًا سلبيًا ضده، ودفع في نهاية الأمر ولي العهد إلى عزله من منصبه.

وربما يُشكل التصريح الأخير لخاشقجي لمجلة «نيوزويك» الأمريكية، الذي وصف به آل الشيخ بـ«البلطجي؛ المعروف بقسوته» مُبررًا هامًا لولي العهد السعودي، كي يرسم صورة لصديقه المُقرب ومستشاره الأمين، بعيدة عن الوجه الحقيقي وأدواره الرئيسة.

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

المصادر

تحميل المزيد