سواء كنت من المؤمنين بتناسخ الأرواح أم لا، فلا شك أن قصة دورثي، أو «أم سيتي» كما عرفها المصريون، ستطرح الكثيرة من التساؤلات في عقلك.

تبدأ الحكاية بفتاة بريطانية اسمها دورثي لويس إيدي، ولدت في 16 يناير (كانون الثاني) 1904 بضاحية من ضواحي لندن هي بلاك هيث بمنطقة إيست جرينيتش، وكانت الابنة الوحيدة لأب يعمل بمهنة الخياطة.

وفي عمر الثالثة سقطت الصغيرة سقوطًا أدى إلى إعلان الطبيب وفاتها حينذاك، إلا أنها قد تعافت من أثر السقطة بشكل ما، وسرعان ما أظهرت أعراض هلوسة وهي في هذه السن الصغيرة.

بحسب سيرتها الذاتية فقد رأت دورثي أول رسومات لمصر القديمة في موسوعة الأطفال التي كتبها الكاتب الإنجليزي آرثر ميي (1875-1943) وظلت منشورة لفترة طويلة من 1908 حتى 1964، وبمجرد رؤيتها لهذه الرسومات هتفت في سعادة بأن هذا هو بيتها الآخر.

واستجابة للشغف الذي حملته الفتاة الصغيرة تجاه هذا البلد البعيد المسمى مصر، قام والدها باصطحابها إلى المتحف البريطاني في لندن عام 1908 وهي في عمر السادسة، وبمجرد دخولها إلى قاعة الآثار المصرية القديمة، كانت تمشى فرحة بينها، وتلمس التماثيل الضخمة بيديها الصغيرتين؛ لتخبر والدها في سعادة غامضة بالغة أنها في «بيتها» وبين «أهلها».

لم تتوقف زيارتهما إلى المتحف البريطاني منذ ذلك الحين، وفي عمر العاشرة وضمن إحدى زياراتها قاعة الآثار المصرية، قابلت الصغيرة دورثي عالم المصريات الإنجليزي والاس بدج – كان أحد أمناء المتحف حينذاك – والذي أبدى إعجابه الشديد بحماسها ورغبتها في تعلم الهيروغليفية، حتى تطوع أن يعلمها الهيروغليفية بنفسه كما أشاد بسرعة تعلمها.

قاعة الآثار المصرية في المتحف البريطاني. المصدر: Flickr/ Elliott Brown.

وما بين العاشرة والثانية عشرة قضت دورثي عامين في زيارات مستمرة ومكثفة للمتحف البريطاني، وبخاصة «بيتها»، أي قاعة الآثار المصرية.

وحالت الأقدار بينها وبين زيارة المتحف البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، التي قصفت فيها مدرستها بالقنابل؛ فاضطر والداها أن يرسلاها إلى مزرعة جدتها في ريف ساسكس لحمايتها، ولتساعد الجدة في شؤون المزرعة. لكن الفتاة الشغوفة بمصر القديمة قضت تلك الفترة في قراءة الكتب عنها بمكتبة إيستبورن العامة.

وفي سن الخامسة عشرة بدأت دورثي بالتحدث عن استقبالها «زيارات» من قبل الملك المصري القديم سيتي الأول، وبأنها كانت داخل مشاهد من البيئة المصرية خلال ما يشبه أحلام اليقظة، كما عانت بشدة في تلك الفترة من الكوابيس والمشى أثناء النوم.

نقلت على أثر ذلك إلى مصحة نفسية لتوضع تحت المراقبة مرات عدة، لتترك بعدها المدرسة وهي في السادسة عشر. لكن تعلم دورثي واهتمامها بمصر القديمة لم يتوقف؛ فقد استمرت في قراءة كتب الآثار المصرية، وزيارة المتاحف، والمواقع الأثرية ببريطانيا، مثل ستونهنج وغيرها.

«أم سيتي» تدعم استقلال المصريين وتتزوج منهم

كان والد دورثي الذى بدأ حياته خياطًا قد رأى اتجاه السوق الصاعد حينذاك في صناعة السينما فقام باستثمار أمواله في إحدى دور سينما مدينة وميناء بليموث الواقعة جنوبي غرب إنجلترا، وحقق استثماره نجاحًا ماديًا كبيرًا سمح له بأن تلتحق دورثي بدوام جزئي بكلية بليموث للفنون، حيث اهتمت إلى جانب دراستها بجمع القطع الأثرية المصرية رخيصة الثمن – لم تكن تجارة الآثار مجرمة آنذاك – كما التحقت أيضًا بفرقة مسرحية، وأدت أحد العروض بمسرح يمتلكه والدها.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
«كتاب الموتى».. ماذا يقول قدماء المصريين عن الحياة بعد الموت؟

في السابعة والعشرين من عمرها انتقلت دورثي إلى لندن للعمل بمجلة بريطانية تختص بالعلاقات العامة المصرية، حيث كتبت المقالات، ورسمت الكاريكتر السياسي من أجل مساندة المصريين في حقهم ومطالبهم بالاستقلال عن بريطانيا، لقد كانت دورثي مصرية حتى قبل أن تطأ قدماها أرض مصر بعد.

أثناء عملها بتلك المجلة تعرفت على طالب مصري من المبتعثين للدراسة بإنجلترا اسمه إمام عبد المجيد، وظلت على تواصل معه بعد عودته إلى مصر، وفى عامها التاسع والعشرين تقدم إمام بطلب يدها للزواج فوافقت دورثي رغم اعتراض والديها على الزيجة؛ لتحجز تذكرة على متن أول سفينة تغادر نحو في مصر عام 1933.

«أم سيتي» أخيرًا في بيتها

الآن فقط شعرت دورثي بأنها في «بيتها»، حتى أنها قبلت الأرض بمجرد وصولها مصر، وبعد زواجها من إمام قامت عائلته بمنحها اسمًا مصريًا هو بلبل عبد المجيد.

خلال تلك السنوات التي عاشتها في القاهرة لم تتوقف عن اهتمامها الشديد بمصر القديمة، ولا حتى تعرضها لما كانت تسميه بـ«زيارات» الملك سيتي الأول لها، وحالات «الخروج من الجسد» التي كانت تمر بها وسط انزعاج عائلة الزوج من هذه الظواهر الغريبة بالنسبة لهم.

سرعان ما فشل الثنائي السعيد بضغط من الأهل المنزعجين من دورثي وعالمها، بالإضافة إلى فرصة ذهبية جاءت إلى الزوج للعمل مدرسًا بالعراق، فانفصلا وعاشت مع ابنهما الوحيد الذي أسمته سيتي تيمنًا بزائر الأحلام الملكي القديم، الذي ستحمل اسمه لبقية حياتها، وتعرف بـ«أم سيتي».

بعد الانفصال عن زوجها انتقلت أم سيتي وابنها إلى قرية نزلة السمان بالقرب من هضبة الجيزة، حيث اعتادت أن تصلي وتضع القربان بالقرب من تمثال «أبي الهول»، وازداد اهتمامها بالديانة المصرية القديمة.

أول امرأة في مصلحة الآثار ومساعدة لأشهر علماء المصريات

حتى توفر لنفسها وابنها مصدر دخل ثابت عملت أم سيتي في مصلحة الآثار المصرية، وكانت أول امرأة تعمل في المصلحة منذ تأسيسها عام 1858 على يد الخديو سعيد باشا.

عملت أم سيتي مساعدة لعالم المصريات الشهير سليم حسن، والذي اكتشف حينذاك مقبرة الملكة خنت كاوس الأولى بهضبة الجيزة، ونشر اكتشافه في 10 أجزاء أشاد فيها بمجهود ودور أم سيتي في الرسومات الخاصة بالمكتشفات، وكذلك مهامها التحريرية للنصوص، وعمل القوائم والسجلات الخاصة بثلاثة مجلدات من المجلدات العشرة التي نشرها سليم حسن.

استغلت أم سيتي فرصة وجودها بالقرب من سليم حسن حتى تتعلم منه أكبر قدر ممكن عن مصر القديمة، فقامت بأرشفة مكتبته، واستعانت بها، وكذلك مكتبة المتحف المصري بالتحرير؛ لمتابعة وإثراء دراستها عن الهيروغليفية القديمة، كما قامت بترجمة قاموس «سيث» للهيروغليفية من الألمانية إلى المصرية الذي يعد من أهم قواميس الهيروغليفية المصرية القديمة.

وفي عام 1939 حصل إمام عبد المجيد زوجها السابق على حضانة الابن سيتي، لتكون من بعدها أم سيتي حرة في حركتها وتجوالها قبل انتقالها إلى أبيدوس، مستقر ملكها المفضل الذى رأته في أحلامها حين كانت في إنجلترا، إنه الملك سيتي الأول.

في عام 1951 عينها عالم الآثار المصري أحمد فخري الذي كان مسئولًا في ذلك الوقت عن مشروع البحث العلمي الخاص بالهرم في دهشور، وفي ذلك الموقع قامت أم سيتي ببعض الترميمات للمقابر المتهالكة – وسط دهشة المتخصصين حولها – كما سجلت في كتالوج مستقل كل الآثار المستخرجة من الموقع آنذاك مع استمرارها في مساعدة سليم حسن في نشر أبحاثه.

وقد علق عالم الآثار الأمريكي د. كلاوس باير بأن دورثي «كانت تأتيها رؤى»، وبأنها كانت «تقدس الآلهة المصرية القديمة»، كما كانت مساعدة ممتازة بالنسبة لفخري وحسن في إعداد أبحاثهما للنشر بالإنجليزية، وقيامها بالتحرير وعمل الرسومات اللازمة والقوائم.

كذلك عملت أم سيتي بجريدة «إيجيبشن جازيت»، وهي جريدة مصرية كانت تصدر باللغة الإنجليزية، وكتبت بها مقالات عن التعليم، والمجتمع، والسياسة.

وفي مطلع الخمسينات عملت أم سيتي بشكل رسمي في هيئة السياحة المصرية لتترك القاهرة كلها بعد ذلك التاريخ بعامين.

لقد قضت أم سيتي بالقاهرة حوالى 19 عامًا من العمل في المواقع الآثرية بصحبة الأثريين المصريين والأجانب، وتعلمت كل ما يخص مصر القديمة على أكمل ما يكون استعدادًا لرحلة أعمق.

الحج إلى أبيدوس.. اكتشافات أثرية معتمدة على «الرؤى»

أبيدوس، أو العرابة المدفونة، موقع من أقدم المواقع الأثرية المصرية القديمة يقع في محافظة سوهاج الحالية، وكان يعد مقصدًا للحج في مصر القديمة لإعادة تمثيل أسطورة بعث أوزيريس من بين الأموات، في إشارة إلى إعادة الحياة على الأرض من خلال الزراعة.

وصلت أم سيتي إلى أبيدوس بالقطار في ليلة ذات قمر مكتمل عام 1952، لتذهب مباشرة إلى معبد الملك سيتي الأول، وتشعل البخور، وتقوم بأداء الطقوس المصرية القديمة التي طالما أدهشت الناس، بما فيهم علماء الآثار، بقدرتها على معرفتها وأدائها كما لو كانت بالفعل تعيش هناك.

وكنوع من رد الجميل قام عالم الآثار أحمد فخري بعد إيقاف مشروع هرم دهشور سالف الذكر عام 1956 بتعيينها بمصلحة الآثار في وظيفة ذات راتب منخفض بمعبد أبيدوس، لتقرر أم سيتي – في 3 مارس (آذار) 1956، وهي في عمر 52 عامًا – البقاء في قرية العرابة المدفونة بأبيدوس بالقرب من ملكها المفضل – سيتي الأول – إلى الأبد.

أطلال معبد أبيدوس قبل الكشف الكامل عن المعبد كما صورها هنري بوشارد 1887.

قضت الشهور الطويلة في نقل النقوش على بقايا المعبد، وكذلك على معبد ابن سيتي الأول، الملك رمسيس الثاني، فقد كان هو الآخر بالقرب من معبد والده، كما حددت بدقة مكان حديقة المعبد – التى قالت إن سيتي أخبرها عنها في إحدى زياراته – وحديقة المعبد لم تكن حينئذ قد اكتشفت بعد، لكنها كانت محقة تمامًا في تحديد مكانها.

وحتى نتصور المجهود الذي قامت به، وغرابة معرفتها مكان حديقة المعبد قبل علماء الآثار، علينا أن نلقي نظرة على شكل المعبد قبل اكتشافه بالكامل، فهو لم يكن بالحالة التي نراه عليها الآن.

لقد تحدث عنها كل من عالمي الآثار المصريين سليم حسن وأحمد فخري بكل إجلال وتقدير مبدين إعجابهم الشديد و«حاستها السادسة» المذهلة في اكتشاف المواقع الأثرية ومعرفتها العميقة بالمعبد والمنطقة المحيطة به.

وكانت أم سيتي تقول إنها تأتيها خلال نومها «رؤى»، أثبتت صحتها بشكل دقيق وقريب؛ مما جعل مصلحة الآثار المصرية تقول عن هذه الرؤى إنها «مهمة ولا غنى عنها» لأي عمل أثري بمنطقة أبيدوس.

تجدر الإشارة إلى أن أم سيتي لم تكن تحاول نشر أو بث أفكارها فيما يتعلق بالبعث وتناسخ الأرواح الذي آمنت به كونها كانت روحًا مصرية قديمة – كما رأت – محبوسة في جسد بريطانية اسمها دورثي.

في عام 1960 بدأت أم سيتي في كتابة سلسلة من المقالات والتقارير الصحافية لمركز البحوث الأمريكي بالقاهرة حول استمرارية وامتداد الطقوس المصرية القديمة، وتجليها في العادات الشعبية لجيرانها المصريين المحدثين البسطاء.

صورة تجمع أم سيتي وهاني الزيني (يمينا) ولبيب حبشي. المصدر: جامعة كليرمونت.

ورغم بلوغ سن الستين وهو سن التقاعد قامت مصلحة الآثار المصرية بمد عملها إلى خمس سنوات أخرى للاستفادة من وجودها وخبراتها، ثم تقاعدت عام 1969، لكنها استمرت في إرشاد السياح والزائرين في المنطقة مقابل مبالغ زهيدة كانت تعطيها لحارسها وجيرانها.

وفي مطلع الثمانينات قابلت كيميائي مصري اسمه هاني الزيني، والذى ساعدها في إصدار كتاب عن مدينة أبيدوس «أبيدوس المدينة المقدسة بمصر القديمة»، بمشاركة عالم الآثار لبيب حبشي، وصدر عام 1981.

الوريث المصري لتراث أم سيتي

يقص الحاج محمد خضر لـ«ساسة بوست» جوانب أخرى من حياة أم سيتي، بحكم نشأته بجوارها وفي كنفها بمدينة أبيدوس في سوهاج منذ أن كان طفلًا. ولا يناديه أحد باسمه هذا، فإما تسمع الأجانب وأصدقاءه ينادونه بـ«حورس»، وإما تسمع العاملين في المنتجع ذي الأربعة نجوم الذي يملكه ينادونه بالـ«مدير».

مدرس لغة إنجليزية ترك عمله في وزارة التربية والتعليم، وتفرغ لممارسة العلاج الطبيعي بالطب المصري القديم – الفرعوني – كما تعلمه على يد أم سيتي شخصيًا.

أم سيتي مع محمد خضر وهو طفل

المعلومات التي كانت تعرفها أم سيتي – يخبرنا حورس – كانت تخبره أنها تحلم بها أثناء نومها في الكوخ بجوار المعبد، وأهم تلك الأسرار هي الطب الفرعوني.

وكان معبد سيتي الأول في مصر القديمة مُلحقًا به دار رعاية وعلاج يشرف عليها الكهنة، حيث كان يلجأ المرضى إلى كهنة هذا المعبد كأنهم أطباء، ويصف الكهنة لهم وصفات طبية هي خليط من الأعشاب والمواد الطبيعية، تلك الوصفات التي حلمت بتفاصيلها ومكوناتها أم سيتي، وكانت تمررها إلى حورس، والذي ظل بجوارها فترة طفولته وحتى سن المراهقة حينما توفيت، والذي نشر كتابًا بتلك الوصفات باللغة الإنجليزية.

اختفاء غامض وأسرار تُكشف

تحولت أم سيتي – كما أطلق عليها سكان القرية – إلى أسطورة في مدينة أبيدوس، أسطورة يمكنك أن ترى ملامحها حتى الآن إذا زرت أبيدوس من خلال لوحات المقاهي والبازارات التي تحمل اسم أم سيتي، واكتسبت تلك الشهرة في القرية في البداية بسبب غرابة موقفها ورغبتها الملحة في الإقامة بأبيدوس وإصرارها أنها مصرية.

وبعد ذلك تشكلت للأسطورة أبعاد أخرى، حينما بدأت في الكشف عن أسرار العلاج التي تعلمتها في أحلامها من أرواح المصريين القدماء – أو هكذا كانت تصدق – والتي كانت تصفها لسكان القرية والأجانب وتحصل على المال في المقابل، ولكنها كانت تتبرع بهذا المال للحارس الصعيدي الذي كان يسير خلفها لحراستها.

يتذكر حورس وهو يحكي لـ«ساسة بوست» حادثة شهيرة في تلك القرية، عندما اختفت أم سيتي لمدة يومين دون أي أثر، ثم ظهرت مرة أخرى لتخبرهم أن أرواح المصريين القدماء استضافتها؛ ليخبروها المزيد والمزيد من الأسرار، تلك الأسرار التي كانت أحيانًا تساعد البعثة الأمريكية التي كانت تنقب عن الآثار في العرابة المدفونة.

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
«ساسة بوست» يسافر الصعيد مع السياح.. هل تنقذ السياحة العلاجية الاقتصاد المصري؟

توجد منطقة مميزة بالجبل خلف معبد سيتي الأول، يظن البعض أنها واحدة من بوابات نجوم الكوكب، وكانت أم سيتي أيضًا تعتقد في تميز تلك النقطة من الجبل، وكانت تقضي فيها الكثير من وقتها، وطلبت أن تُدفن فيه بعد موتها، وهذا ما حققه لها سكان القرية بالفعل.

يقول حورس: «كان العقرب هو حيوانها الروحي، ولذلك دائمًا ما كانت تعثر على آثار مصرية قديمة مرسوم عليها العقرب، وكانت تستخدم تلك الأحجار الأثرية في علاج المرضى من خلال وضعها على مكان الألم أثناء نوم المريض».

تعودت أم سيتي – بحسب حورس – أن تهيم على وجهها في صحراء القرية بروح كاهنة مصرية قديمة، مقتنعة تمامًا أنها خطت على بقعة من بقاع تلك الأرض آلاف المرات من قبل، ولم يكن مصرحًا لأحد مصاحبتها في تلك الفترات سوى حارسها الشخصي الذي كان يقوم بتلك المهمة مقابل المال الذي يحصل عليه من كل ما يلجأ لأم سيتي.

وكان الأجانب يعطونها المال أحيانًا دون علاجهم بغرض مساعدتها على المعيشة؛ لأنها لم يكن لها هُناك وظيفة محددة تجني من خلالها المال، فهي كانت على استعداد أن تعيش حتى مشردة مقابل أن تكون بجوار معبد سيتي الأول.

احتضنت أم سيتي حورس في طفولته، ونقلت إليه كل ما تعرفه، وعندما كبُر حورس لم يترك وراءه ما علمته إياه أم سيتي، فحوّل واحدة من غرف منزله إلى دار للعلاج بالطب الفرعوني، وأصبح مع الوقت قبلة للكثير من السائحين المهتمين بالسياحة العلاجية.

مع الوقت تطورت تلك الغرفة في منزله إلى منتجع سياحي كبير في القرية أسسه للهدف نفسه؛ العلاج بالطب الفرعوني. ويعد المنتجع الصحي الذي بناه محمد خضر وجهة للعديد من محبي السياحة العلاجية في مصر، كما أن معبد سيتي الأول يتميز بمكانة خاصة بين الآثار المصرية القديمة حيث كان وجهة الحجاج قديمًا، وكان بمثابة الكعبة للديانة المصرية القديمة.

مدفن أم سيتي بأبيدوس في محافظة سوهاج. المصدر: موقع منتجع بيت الحياة.

وطالما ذكرت معبد سيتي الأول، أو قرية أبيدوس، عليك أن تذكر أم سيتي أو دورثي، وإن لم تكن تعلم قصتها لترويها، مع أول زيارة لك إلى المكان، وأنت جالس على مقهى «أم سيتي» المجاور للمعبد، ستسأل النادل عن سر الاسم، ويحكيها لك بالتفصيل مع إضافة بعد التفاصيل الغامضة والأسطورية التي لن تصدقها، ولكنها ستوضح لك الأساطير التي تحوم حول تلك السيدة، وما يكنه لها أهل القرية من تقدير.

توفيت أم سيتي في 21 أبريل (نيسان) 1981 ودفنت بأبيدوس لتستقر بجوار ملكها المفضل سيتي الأول، وتبقى علامة شهيرة من معالم أبيدوس في مخيلة السياح والزائرين الأجانب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد