مشاكل العصر الحديث؛ عادة ما تحتاج لحلول حديثة، ولكن هل كل الحلول الحديثة تصلح للتنفيذ؟ وهل كلها صحية ومفيدة بالفعل؟ في الفترة الأخيرة ظهر على الساحة العالمية مصطلح جديد يطلق عليه صيام الدوبامين، وبدأ الترويج له على كونه طريقة فعالة للتغلب على العادات الإدمانية التي يمارسها المرء في يومه، وما يترتب عنها من اكتئاب وفقدان للشغف والشعور بالرتابة، وبعد أن كان صيام الدوبامين مصطلحًا متداولًا في الأوساط الغربية خاصة العاملين بالتكنولوجيا فيها، بدأ في الظهور عربيًا من خلال بعض قنوات المعلومات العربية التي تتحدث عن المعلومات الصحية وغيرها، ما قد يدفع البعض لتجريب تلك الموضة الجديدة.

ولذلك في هذا التقرير نشرح لكم كل ما يخص صيام الدوبامين من مميزات وحقائق وأفكار خاطئة عنه.

المتعة على بعد نقرة واحدة

قبل أن نشرح لك ما هو هذا النوع من الصيام يجب أن نخبرك ما هو الدوبامين؛ فهو هرمون يفرزه جسم الإنسان بشكل طبيعي، ودوره تعزيز شعور الإنسان بالنشوة، وهو أيضًا ناقل عصبي يرسل إشارات بين الجسم والدماغ، وتوازن هذا الهرمون في جسم الإنسان من العوامل المهمة في تشكيل صحته والتحكم في مهاراته واستجاباته العاطفية، ولذلك لا غنى عن هذا الهرمون في تشكيل صحة الإنسان العقلية والجسمانية.

النظرية الكامنة وراء صيام الدوبامين الذي يروّج له مؤخرًا؛ هو أنه في العصر الذي تكون فيه مقاطع الحيوانات الممتعة والمبهجة، ووصفات الطعام الجديدة، والألعاب المسلية على بعد نقرة واحدة على هاتفك؛ يحصل الإنسان على الكثير من التحفيز يوميًا، ما يؤدي إلى إفراز كميات كبيرة من الدوبامين، ومع الوقت يفقد الجسم القدرة على الاستمتاع بإفراز الهرمون، والحل الذي يسعى إليه هذا الصيام – لتبسيط الفكرة – هو أقرب إلى إعادة ضبط المصنع لهاتفك ولكن بدلًا عن ذلك فأنت تعيد مخك من خلال هذا الصيام إلى أقرب حالة خُلق عليها في فطرته الأولى.

يكون هذا عن طريق الامتناع عن أي متع – خاصة التكنولوجية منها – لمدة قد تصل إلى 24 ساعة كاملة، قد تعاني خلالها من الملل والفتور ولكن هذا جزء من الصيام، وهذا الجزء – وفقًا للنظرية – هو الذي يعيد إليك الشعور بالمتعة بعد أن تفطر على تصفح صفحتك الشخصية على أي موقع تواصل اجتماعي تحبه ويجلب لك السعادة، والهدف الأساسي من هذا الصيام هو إدارة السلوك الإدماني لدى الفرد.

قرب نهاية العام الماضي 2019 نشر الطبيب النفسي الأمريكي كاميرون سيباه على موقع لينكد إن مقالًا يقدم فيه تقنية صيام الدوبامين باعتباره وسيلةً للتخلص من العادات الإدمانية خاصة التكنولوجية منها، وبعد وقت قليل من نشر هذا التقرير حصل على مشاهدات مكثفة من أنحاء العالم وغطت المقالة أكثر من وسيلة إعلام منها شبكة البي بي سي، والنيويورك تايمز وغيرها من وسائل الإعلام البارزة في أمريكا وأستراليا وفنلندا وفرنسا والهند واليابان وتركيا ومؤخرًا الشرق الأوسط، وتحول إلى موضة جديدة للعاملين في وادي السيليكون. ولكن هذا الانتشار كان له جوانبه السلبية، بسبب سوء الفهم الذي استقبل به بعض القراء موضة صيام الدوبامين، وهو ما دفع الأوساط العلمية للحديث عن هذا الصيام وشرحه شرحًا علميًا.

«لا تتحدث معي أو تنظر إلي».. التطرف في تنفيذ الفكرة

تلك الموضة التي ظهرت – صيام الدوبامين – والتي بدأ البعض ممارستها دون الإشراف الطبي، مارسها البعض ممارسة متطرفة وبدأوا في الابتعاد عن كل ما يثير حماستهم أو ويسعدهم، حتى أن بعضهم كان يرفض الأحاديث الطويلة مع أصدقائه حتى لا تثير حماسته، وصرح مؤسس شركة ناشئة في سان فرانسيسكو يدعى جيمس سينكا لصحيفة نيويورك تايمز أنه يتجنب النظر في عين الآخرين أثناء صيام الدوبامين لأنه يعرف أن هذا النوع من التواصل الانساني يثير حماسته، كما أنه يتجنب الشوارع المزدحمة ويمتنع عن تناول أي طعام يجده لذيذًا.

وهذا التطرف في ممارسة صيام الدوبامين يعود إلى ممارسة الأشخاص لهذا الطقس بمفردهم، عن طريق البحث على الإنترنت عن محفزات الدوبامين والامتناع عنها، فهل هي تلك الطريقة الصحيحة لممارسة هذا النوع من الصيام؟

في تقرير طبي نشرته جامعة هارفارد في بداية هذا العام 2020، شرح فيه الطبيب بيتر جرينسبون المفاهيم الخاطئة حول صيام الدوبامين، موضحًا أن في الأوساط الطبية والعلمية أصبح مصطلح صيام الدوبامين يعتبر مصطلحًا مضحكًا، وهذا لأن الإنسان لا يستطيع الصوم عن مادة كيميائية تُفرز تلقائيًا في الجسم، والامتناع عن الممارسات التي تحفز جرعات الدوبامين السريعة؛ علميًا لا تقلل مستويات الدوبامين في جسم ممارس هذا الطقس.

وأكد التقرير أن الكثير من الناس أساءت تفسير صيام الدوبامين ظنًا منهم أنه مادة مخدرة مثل الهيروين أو الكوكاكين، وظنوا خطأ أيضًا أن الامتناع عن الملذات التي تمنحهم المتعة مثل الطعام والجنس والتواصل البشري، ستجدد الدوبامين في الجسم ويزداد إفرازه عند ممارسة تلك الطقوس مرة أخرى، ولكن – يوضح التقرير – الجسم البشري لا يعمل بتلك الطريقة.

ووضح التقرير أن أهم المفاهيم الخاطئة عن صيام الدوبامين هو التطرف في ممارسته، خاصة وأن البحث الذي أجرته الجامعة حول ممارسي هذا الصيام؛ وجد أن بعض الصائمين لا يأكلون أو يمارسون الرياضة، أو يستمعون إلى الموسيقى، ولا يتواصلون اجتماعيًا، ولا يسمحون لأنفسهم بالحديث أكثر من اللازم. على الرغم من أن مقال سيباه كان واضحًا بأن تلك الطريقة يجب أن تتبع في البداية باعتدال، ولمدة ساعة أو أربع ساعات بالكثير يوميًا، ومع ذلك اتبعها البعض لبضعة أيام متواصلة.

ما هي حقيقة صيام الدوبامين؟

ردًا ما ورد على ألسنة العديد من الأطباء الذين أشاروا إلى أن صيام الدوبامين ليس سوى أمر مضحك ليس له أساس من الصحة، وضح سيباه وجهة نظره أن مصطلح صيام الدوبامين ليس سوى تبسيط مفرط لفكرته، لأن الدوبامين هو واحد فقط من العديد من المواد الكيميائية في الدماغ التي تشارك الدوبامين في الاستجابة للمنبهات والملذات، وأكد لجميع متابعيه الذين اقتنعوا بفكرته أن العنوان لا يجب أن يؤخذ حرفيًا في تنفيذه، لأنه لاحظ أن البعض قد تجاوز الفكرة الاصلية لنهج الصيام الذي شرحه تحت عنوان صيام الدوبامين.

علوم

منذ شهر
هل الإفراط في المتعة الجنسية يمكن أن يجعلك تعيسًا؟

هذا الأمر أيضًا ما أكد عليه الأطباء موضحين أن صيام الدوبامين ليس سوى تفسير خاطئ لعنوان جذاب، وكان هدف سيباه الأصلي هو تقديم اقتراحات عملية للانفصال عن نمط الحياة السريع المدفوع باللهاث وراء التكنولوجيا واستبدال تلك النشاطات بأنشطة أبسط، ولكن ما وضحه الأطباء أن هذا الاقتراح ليس جديدًا لا على الطب ولا الثقافات عمومًا، والكثير من الثقافات الشرقية والأديان يدعون إلى أيام راحة من كل شيء حتى الحرب ذاتها والنزاعات.

يرى الطبيب جرينبسون أن المواد الإعلامية التي تعتمد على الترويج لأساليب صحية جديدة، جعلت المروجين لها يصنعون عناوين سريعة وجذابة لأفكار قديمة ومتعارف عليها ويمكن فهمها فهمًا أبسط، لمجرد أن يصنعوا موضة جديدة تجذب الانتباه لموادهم الإعلامية على الإنترنت بغرض كسب المال.

ولكن في المقابل من يشاهدون هذه الأفكار والعناوين الجذابة وينفذونها دون إشراف طبيب أو أي خبير، قد يؤدي ذلك إلى مخاطر وسلبيات صحية كثيرة، خاصة وأن الشخص الذي يبدأ في معالجة أي إدمان لديه يجب أن يكون تحت إشراف متخصص، يتابع حالته عن كثب، حتى لا يبالغ الشخص في ممارسته لهذا الطقس، ويعود منتكسًا للإدمان الذي يعاني منه، حتى لو كان إدمانًا إلكترونيًا.

في النهاية، كان الغرض الأساسي من مقال سيباه هو مناشدة متابعيه أن يأخذوا استراحة من الارتباط النفسي الإدماني بمواقع التواصل الاجتماعي والأجهزة التكنولوجية بشكل عام، موضحًا أن تلك الراحة اليومية من إشعارات التطبيقات، وصوت الهاتف، والتلفاز والجلوس صامتًا في هدوء؛ مهم لصحته النفسية، والعودة إلى تلك النشاطات بطاقة أفضل ومتعة أكبر، ولكن العنوان الذي اختاره أساء فهمه الكثير وعليه مارسوا هذا الطقس بتطرف، وهذا أثار جدلًا وغضبت الأوساط الطبية التي رأت أنه من الضروري توضيح أن مفهوم صيام الدوبامين يعد توصفيًا خاطئًا علميًا.

المصادر

تحميل المزيد