بُعث السياسي التونسي الباجي قائد السبسي كـ«طائر العنقاء» يستأنف مسيرته السياسية بعد غياب تجاوز العشرين عامًا، فقد مكنته الانتخابات الرئاسية في عام 2014 من الفوز على خصمه وخصم منتخبيه «حركة النهضة» الإسلامية.

لكن المفاجئ أن «البجبوج» كما يحلو للتونسيين تسمية الباجي سرعان ما تحالف وتوافق سياسيًّا مع هذا الخصم، إذ أدرك المحامي المخضرم أهمية أن يحافظ على مكتسبات «ثورة الياسمين»، وإن لم يكن في صفها ويؤمن بعدالتها، فالقائل ذات يوم إن: «النداء والنهضة (حزبه وحزب الإسلاميين) عبارة عن خطين متوازيين لا يلتقيان إلا بإذن الله، وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله»، اختار أن يزيل ما وصم به «قائدًا للثورة المضادة الناعمة» في تونس، وأن يتخلى عما تفرضه عليه علمانيته الصارمة، من أجل حماية الديمقراطية التونسية، والنجاة من الثورة المضادة التي أتت على جل بلدان ثورات الربيع العربي.

هل توجد «ثورة مضادة» في تونس من الأساس؟

يُحكم النظام التونسي السياسي الحالي بمؤشر ديمقراطي قوي يرتكز على أن الجميع في تونس يلتزم ويتفق على هذا النظام ويحترمه كونه نظامًا يضمن حرية الفرد وحق الممارسة السياسية لمن يريد.

ذاك ما يراه الكاتب والمحلل السياسي التونسي نزار مقني الذي رأى أيضًا أن وجود بعض اللوبيات التونسية المعارضة علامة صحية على وجود نظام سياسي ديمقراطي في تونس، فهذه القوى بعد وفاة الباجي قائد السبسي كما قبله، سوف تمارس حقها في إطار سياسي انتخابي معين، تشرف عليه هيئة انتخابية مستقلة وعدة مؤسسات أخرى؛ لضمان الممارسة الحرة لكل التونسيين.

ويوضح مقني خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن هناك إجماعًا لدى القوى السياسية التونسية حول الانتقال الديمقراطي في تونس؛ مما يعني أن هذا الانتقال سيحافظ على مساره السلس بعد وفاة الباجي قائد السبسي، بدليل أن رئيس البرلمان التونسي محمد الناصر، أصبح بعد ساعات من وفاة السبسي رئيسًا مؤقتًا لتونس، استجابةً للدستور التونسي، إذ سيتولى الرئاسة لمدة تتراوح ما بين 45 يومًا إلى 90 يومًا حدًّا أقصى، تنظم خلالها الانتخابات، معقبًا: «إذن لا خوف في تونس، النقاش اليوم أصبح في مستويات الدولة وليس في مستوى الشارع أو مستويات أخرى، هناك إجماع من الشعب التونسي ومؤسساته على أن يكون هناك وصول ديمقراطي إلى السلطة».

ويتفق الباحث التونسي كريم المرزوقي على ما ذكره مقني، مؤكدًا أن النخبة السياسية في تونس على درجة من الوعي جعلتها تتعامل مع وفاة رئيس الدولة بالمسؤولية احتكامًا للدستور، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «المشهد السياسي لن يشهد تغييرًا جذريًّا بعد وفاة رئيس الجمهورية، فتفاعل النخبة السياسية من أحزاب اليمين واليسار طيلة الساعات الأولى كانت على كلمة واحدة، وهي التمسك بالوحدة الوطنية الصماء، واحترام الدستور، وكل الفاعلين نعوا الرئيس الراحل، وعلى رأسهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي».

من جانبه، يعتقد الباحث والمحلل السياسي عادل بن عبد الله أن التفكير ببراديغم الثورة والثورة المضادة لن ينفع كثيرًا أمام تعقد المشهد السياسي التونسي؛ فالقوى التي توصف بأنها جزء من الثورة المضادة لم يعد سقفها الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي برمته، بقدر ما هو تجيير هذا المسار، والدفع به لخدمة مصالحها المادية والرمزية.

ويردف قائلًا: «هذه القوى تتمتع بعقلانية أو براجماتية تجعلها تحسب كلفة أي انقلاب انطلاقًا من التوازنات الإقليمية والدولية، واستهداف هذه القوى (حركة النهضة) ليس مدفوعًا برغبة استئصالية، بقدر ما يستهدف إضعاف هذه الحركة لدفعها لمزيد من التأقلم مع منطق المنظومة»، ويستبعد عادل بن عبد الله أن يكون لمراكز النفوذ المالي والجهوي أية نية للانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي برمته، ولكنه يرجح أن تعمل على المزيد من إضعاف «حركة النهضة» لتدجينها وجعلها جزءًا وظيفيًّا وموثوقًا في منظومة الحكم (أو في السياج الأيديولوجي والعمق الشعبي اللازم لحسن اشتغال هذه المنظومة).

«ديمقراطية عرجاء».. هل يُفشل مليارديرات تونس عملية الانتقال الديمقراطي؟

هل تنفجر العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس؟

عرفت تونس قبل الانتخابات الرئاسية في عام 2014 صراعًا حادًّا بين الإسلاميين والعلمانيين، حتى أزال لقاء باريس في أغسطس (آب) 2013، الذي جمع الراحل الباجي قائد السبسي رئيس «نداء تونس» آنذاك بالشيخ راشد الغنوشي رئيس «حركة النهضة» فتيل هذا الصراع شيئًا فشيئًا، إلى أن بلغ درجة التحالف بين الحزبين إثر انتخابات 2014.

راشد الغنوشي يرحب به الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمينة فيديريكا موغيريني

يؤكد ما سبق الناشط السياسي التونسي سليمان شعباني الذي يرى التوافق بين الإسلاميين، والعلمانيين في تونس بمثابة عنوان لنجاح التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي، إذ كان الباجي قائد السبسي أحد صناع هذا التوافق والمبادر به، ويتوقع شعباني أن يستمر هذا التوافق نظرًا إلى أن تونس ما زالت في حاجة له لحماية مسارها الديمقراطي، وقد يكون هذه المرة بين حركة «النهضة» وحزب «تحيا تونس» الذي يرأسه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، إذ إن التحالف بين الطرفين قد انطلق من مدة بعنوان المحافظة على الاستقرار الحكومي.

ويقول شعباني لـ«ساسة بوست»: «في الفترة القادمة وحسب الدستور التونسي ستوزع السلطة بين حزب (تحيا تونس) في رئاسة الحكومة، وحزب (نداء تونس) في رئاسة الجمهورية؛ إذ سيصبح رئيس البرلمان رئيسًا للجمهورية بصفة مؤقتة و(حركة النهضة) في رئاسة البرلمان، أي ستتحول رئاسة البرلمان إلى الشيخ عبد الفتاح مورو النائب الأول لرئيس البرلمان».

فيما يشدد الباحث والمحلل السياسي عادل بن عبد الله على أن التوافق بين الطرفين (الإسلاميين والعلمانيين) لم يكن قرارًا سياسيًّا داخليًّا، ولا قرارًا «سياديًّا»، بل هو نتيجة ترتيبات دولية تحافظ على النواة الصلبة للحكم في تونس، وتعطي لـ«حركة النهضة» هامشًا للحركة دون أن تعطيها القدرة على حيازة مقومات الحكم (المال، الإعلام، الجيش، الأمن، الثقافة وغيرها)، ويتابع بالقول: «وانطلاقًا من أن التوافق ليس قرارًا فرديًّا ولا قرارًا سياديًّا، من المستبعد أن تخرج منظومة الحكم عن هذا الخيار حتى بعد وفاة السبسي، ومن المرجح أن تحافظ النواة الصلبة للحكم على منصبي رئيس الدولة ورئيس الحكومة، مع إمكانية إسناد رئاسة مجلس النواب للشيخ راشد الغنوشي، بعد تأكيد ترشحه عن دائرة تونس للانتخابات التشريعية القادمة».

هل يخلق الاقتصاد المزري حنينًا إلى الاستبداد؟

ثمة مؤشرات بأن الحالة الاقتصاديّة التونسية تشير إلى أزمة مالية اقتصادية حادة في ظل أزمة حكم هيكلية، وغالبًا ما يشار إلى أنّ النجاح في الانتقال السياسي وبناء الديمقراطية في تونس لم يصاحبه انتقال اقتصادي اجتماعي، في وقت البلاد بأمس الحاجة إلى توازي المسارين وتزامنهما.

متظاهر تونسي يطالب بحقه في زيادة الراتب

يوافق الأكاديمي والباحث التونسي زهير إسماعيل على ما سبق خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، ويقول: «كان مطروحًا على الثورة أن نرأب الصدع الاجتماعي بواسطة تنمية محلية مستدامة وشاملة، ولكن الشرخ ما زال على حاله بعد ثماني سنوات من الثورة، وهذه الأزمة المالية والاقتصادية المتواصلة التي امتدت إلى تفاقم المديونية، والعجز في الميزان التجاري، وارتفاع نسبة التصخّم، وتدهور وضع الدينار، تشهد بأن العلاقة بين مسار الانتقال السياسي ومسار الانتقال الاقتصادي سببية، ونعني أنّ الأول مقدمة والثاني نتيجة، بل يصبح السياسي بناءً تحتيًّا والاقتصادي بناءً فوقيًّا».

ويشير إسماعيل إلى أن الاضطراب في الأولويات، وعودة الصراع، وحدة التجاذب السياسي منعت التفرغ للتنمية وتحقيق الانتقال الاقتصادي، وكانت الثغرة التي عاد منها القديم ونجح من خلالها في تقسيم القوى المنتسبة إلى الثورة، مبينًا: «هذا الوضع ينبّه إلى نتيجة مهمة، وهو أن تحقيق الانتقال الاقتصادي مشروط بانتهاء المعركة السياسية، وما يصحبه من استقرار وتوافق سياسي واسع، وهذا ما لم يتحقق بعد، ويجعل الانتقال السياسي ممتدًا».

أما عن احتمالية وجود أصوات تونسية ترى في وصول رجل حديدي لحكم المشهد التونسي أمرًا منجيًا من سوء الوضع الاقتصادي، فيعتقد إسماعيل أن «ذلك يرتبط بأمرين، أولهما وعي سلطوي مستحكم كثيرًا ما يقود إلى حنين مرضي إلى (الاستبداد) ومحاولة الربط بين الثورة والفوضى، وبين الديمقراطية والأزمة الاقتصادية، والأمر الثاني يخص تجارب واقعية نجحت فيها الثورة المضادة في خلق احتقان سوغ للانقلاب على الاختيار الشعبي الحر (التجربة المصرية)، ولكن نتائج هذا النموذج العاجل لم تكن أكثر من جمع بين مزيد من الاستبداد، ومزيد من الإفقار».

ويبين إسماعيل أن التونسيين ورغم الأزمة المالية الاقتصادية، يؤمنون بمسار تأسيس الديمقراطية الذي عرف ترسخًا معتبرًا، وهو ما يجعل من عودة الاستبداد أمرًا غير مقبول، ولا يمكن أن تتوفر شروطه، ويتابع القول: «رغم ما عرفه المسار السياسي من مآزق آخرها مأزق قانون الانتخابات والاستعداد للاستحقاق الانتخابي القادم، والعدوان الإرهابي في قلب العاصمة في ما عرف بالخميس الأسود، وتوعك رئيس الجمهورية، ثم رحيله، فإن سقف الحرية ما زال عاليًا، وتضامن التونسيين في أعلى درجاته، فاليوم جميع التوانسة بمختلف أطيافهم السياسية يجمعهم الحزن على رئيسهم المنتخب الباجي قائد السبسي، ولكنهم أكثر إجماعًا على ديمقراطيتهم، وأكثر وعيًا بما يترصد التجربة من تهديد قوى الثورة المضادة في المجال العربي».

فيما يعتقد الكاتب والمحلل السياسي لطفي بن صالح أنه على الرغم من أن الاقتصاد بات هو المحراك الأساسي لنجاح السياسيين الحاكمين أو فشلهم، فإن إنقاذ تونس من الانهيار الاقتصادي في الفترة القادمة يبقى رهين مدى توافق الناخبين التونسيين في تصعيد الشخصيات الكفء والمثلى، ويختم بالقول: «خاصة أن تونس لم تنجح عبر تاريخها اقتصادها ولو بشكل نسبي إلا عندما كان رئيس الحكومة أو رئيس وزرائها من الضالعين الشغوفين بالهم الاقتصادي للبلاد، وإيلائه الأولوية القصوى».

هل يصبح «السبسي الابن» شوكة في ظهر الثورة؟

يعد حافظ السبسي (ابن الباجي قائد السبسي) شخصًا طارئًا على الحياة السياسية الجديدة، بخلاف أبيه المخضرم سياسيًّا، بيد أن قربه من ملابسات ظهور حزب «نداء تونس»، وبروزه، بتأثير من والده، ضمن له أن يكون في الصف الأول من قيادة الحزب، حتى بعد ما عرفه الحزب من انقسامات متتالية، فقد استقرّ حافظ في تمثيله شقًّا من الحزب.

حافظ يصافح والده الباجي قائد السبسي

حافظ يصافح والده الباجي قائد السبسي (المصدر: بوابة الشروق التونسية)

يقول الأكاديمي والباحث التونسي زهير إسماعيل إنه: «رغم كل ما أتيح لحافظ، فإنّ ضعف علاقته بالسياسة وصراعاتها، وتراثها النضالي، لم يخرجاه من وضع السياسي الخامل، فهو يدخل إلى السياسة من بوابة لوبيات المال والأعمال ومافيا السياسة، وهو يدرك أنّ مستقبله السياسي مرتبط بوجود والده في المشهد وعلى رأس مؤسسة الرئاسة».

ويضيف: «يعرف حافظ أن رحيل والده يمثّل بالنسبة إليه وأسرته قاصمة الظهر، ولذلك سعى أثناء الحالة الصحية المتدهورة لوالده أن يكون له تأثير في صياغة مستقبل التجربة في تونس في موضوع دعوة الناخبين إلى الانتخابات (دعوة ختمها رئيس الجمهورية قبل رحيله) وفي موضوع ختم قانون الانتخابات الجديد (لم يُختم)».

ويبين إسماعيل أن مستقبل حافظ قايد السبسي السياسي غامض، فإلى جانب وفاة والده، فإنّ حافظ لا يملك مقومات القيادة السياسية، وهو في نظر الرأي العام مستطيع بوالده، ومن ناحية أخرى يرى بعض المراقبين أنّ خطأ السبسي الأب القاتل يتمثل في إقحام ابنه في تجربة «نداء تونس».

كذلك، ينفي الكاتب والمحلل السياسي، لطفي بن صالح، أن يكون لحافظ السبسي تأثيرًا في المشهد السياسي التونسي في المرحلة المقبلة، فقد استبعدت مسألة التوريث غير المعمول بها، وكذلك توجه مختلف الأطراف للانتقال السليم للسلطة عبر الدستور ومقرراته، فإذا كان لابن الباجي طموح سياسي من قبيل اعتلاء رئاسة الجمهورية أو أي منصب آخر فليس أمامه لتحقيقه إلا الصعود بالانتخابات.

ويوضح المحلل السياسي لـ«ساسة بوست»: «يمكن أن يستفيد حافظ الذي يقود حزب (نداء تونس) الذي أسسه والده، من التعاطف الكبير الذي لاقاه الباجي، خاصة إثر رحيله وتقدير التونسيين لرمزيته، وبالتالي من الممكن أن يعمل حافظ على استغلال ذلك التعاطف لاستعادته في صورة مخزون انتخابي متجدد لحزبه (نداء تونس)، ومدى إعادة تجميعه للندائيين المنشقين مؤخرًا، ومدى تفوقه في اختيار تحالفات أو ائتلاف جديد يقوي به الحزب».

الإمارات والسعودية وتعفين المشهد السياسي التونسي

دعمت الإمارات الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها عام 2014، بغية تقويض «حركة النهضة» الإسلامية التي تعاديها الإمارات، فقد أراد الإماراتيون مساعدة حزب «نداء تونس» الذي تزعمه آنذاك السبسي حتى لا يتكرر النموذج المصري بوصول حزب إسلامي إلى السلطة.

بيد أن الباجي قائد السبسي الذي يعد خصمًا لإسلاميي تونس سرعان ما خيب آمال أبو ظبي في سياسته، التي قامت على خليط من التعاون والمنافسة مع الإسلاميين، وهو ما دفع الإمارات لعدة محاولات وتدخلات في الشأن التونسي، من أبرزها دعم محاولة انقلاب في تونس من قِبل وزير الداخلية المقال لطفي براهم.

وتثير الآن وفاة السبسي مخاوف من محاولات الإمارات التدخل بالشأن التونسي، لذا يعتقد الباحث والمحلل السياسي عادل بن عبد الله أن محور الثورات المضادة، أو «محور الشر» كما تسميه بعض الأطراف التونسية، سيواصل استهداف مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، كما سيحاول إفشال «الاستثناء التونسي» في مظهره السياسي الأخطر، المتمثل في التوافق بين العلمانيين والإسلاميين والإدارة المشتركة بينهما لشؤون الحكم.

بالرغم من ترك الإسلاميين الحُكم.. لماذا تواصل الإمارات التضييق على تونس؟

ويقول عادل لـ«ساسة بوست»: «هذا واقع مقلق للسعودية؛ لأن هذه التجربة تثبت تهافت نظرية الاستثناء الإسلامي، أو استحالة التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، كما أنه واقع مقلق للإمارات ومصر، لأن الإمارات ترفض وجود ديمقراطية قوية قد تكون نماذج قابلة للتصدير في الوطن العربي، وما يعنيه ذلك من ارتخاء قبضتها على الأنظمة العسكرية والاستبدادية، أما مصر فهي تريد إفشال التجربة لتأكيد رفض العالم العربي للحركات الإخوانية حتى المعتدلة منها».

لكن عادل بن عبد الله يستبعد أن ينجح هذا المحور في ضرب مسار الانتقال الديمقراطي في مقتل، وإن كان من المرجح أن يكون له تأثيرات سلبية تتمثل في تعفين المشهد السياسي، واختلاق صراعات هوية بائسة لضرب السلم الأهلية، والأمر الأخير هذا يتقارب معه أيضًا الناشط السياسي التونسي سليمان شعباني، الذي يرجح أن تعمل أبو ظبي وغيرها من الدول المعادية للتجربة التونسية على استغلال الحالة التي تمر بها تونس، وإعادة محاولات إرباك التجربة التونسية، وقد يكون ذلك عبر دعم مرشح موالٍ لها لتولي رئاسة الجمهورية في الفترة القادمة.

ويعقب شعباني بالقول: «بإمكانها النجاح هذه المرة في ظل حالة التشرذم التي تعرفها الساحة السياسية في تونس، ولا مناص من ذلك إلا من خلال العمل على توحيد جهود الأطراف الداعمة لمسار الانتقال الديمقراطي، وحثها على دعم مرشح وطني مناصر للثورة وللديمقراطية».

ويخالف الكاتب والمحلل السياسي لطفي بن صالح كلًّا من عادل بن عبد الله وشعباني بالقول إنه لا دليل على أن الإمارات تدعم قوة مضادة للثورة التونسية، ويرجع ذلك لكون الإمارات ضد «تنظيم الاخوان» أساسًا، وتنسجم مواقفها مع كل حزب أو طرف سياسي منافس أو مناهض لـ«حركة النهضة»، معقبًا بالقول: «هذه الأخيرة ليست هي من قامت بالثورة حتى نجزم أن الإمارات مضادة للثورة».

أما عن صد الباجي قائد السبسي للنفوذ الإماراتي، فابن صالح لا يعتقد أن رفض السبسي كان للإمارات بعينها، وإنما اختار السبسي سياسة خارجية دأبت تونس على أن تسلكها، وتتمثل في سياسة النأي بالنفس عن كل انتماء لمحور إقليمي دون غيره، ويستدرك القول: «ثم لا ننسى أن الإمارات دعمت السبسي ليصعد وحزبه في انتخابات 2014، ولكنه وبصعوده لم يفضل عزل «حركة النهضة» أو التصادم معها، وفضل سياسة توافق، وتحالف معها في أول الأمر، إلى أن فشلت هذه السياسية، ولم تزد الوضع السياسي إلا تعفنًا، والوضع الاقتصادي إلا تراجعًا».

الانتخابات التونسية تقترب.. من هُم خلفاء الباجي قايد السبسي المُحتملون؟

 

المصادر

عرض التعليقات
s