سلط إسقاط تركيا لمقاتلة روسية فوق جبل التركمان الضوء على التركمان في سوريا وطبيعة أوشاعهم وحقيقة الدور الذي يلعبونه في الحرب الدائرة في سوريا في الوقت الراهن.

(1)  بداية: من هم التركمان؟

تناسل التركمان من العرق التركي لجدهم أوغوزهان وأحفاده الـ24  حفيدًا، وعاشوا كقبائل تتنقل في مناطق آسيا الوسطى قبل أن يتفرقوا بتركمانستان وتركيا وأذربيجان وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وليبيا.

أما تركمان سوريا فقد عاشوا بها منذ العهد السلجوقي والعثماني ووصل عددهم 3 ملايين تواجدوا بمناطق عديدة مثل محافظة حلب حيث تحوي 145 قرية تركمانية – بخلاف تواجدهم في أحياء بالمدينة – و 20 قرية في محافظة الرقة وتل أبيض، وفي محافظة حمص ذات الأكثرية من الأصول التركمانية، حيث تبلغ نسبتهم المدينة 65% وفي الريف توجد حوالي 57 قرية تركمانية، كما في محافظة حماه في حوالي 30 قرية تركمانية و 5 قرى في طرطوس و 20 آخرين في القنيطرة و 23 بين إدلب ودرعا ودمشق التي سكنوها منذ طردتهم القوات الإسرائيلية من الجولان عام 1967.

أهم من هذا التوزيع هو الوجود الحالي للتركمان في محافظة اللاذقية في قسمها الشمالي بالقرب من حدود تركيا في منطقة راس البسيط ومرتفعات الباير حيث توجد 70 قرية تركمانية مع حارتين للتركمان في مدينة اللاذقية علي الجمال ورمل الشمالي وهي منطقة الأحداث اليوم.

 (2) ما فعله نظام الأسد بالتركمان لسنوات

112615_0957_1.png

كانت هجمة النظام السوري الأسد ضد التركمان في التسعينيات عندما اعتقل مئات من مثقفيهم وتحفظ عليهم بالسجون بتهم وصفت بأنها ملفقة، غير هذا فالأقلية التركمانية تتحدث بلغة خاصة هي التركمانية التي تمت محاربتها وتجريم النشر والكتابة بها ومنع نشر ثقافتهم المختلطة بالتركية وعدم الترخيص للجمعيات الثقافية التي تعنى بذلك، بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية التي تهدف لمنع تطوير مناطق التركمان خاصة في الساحل السوري ووضع اليد على كثير من ممتلكاتهم.

تركمان الجولان أيضًا ساعد النظام في تهجيرهم بعدما وقفوا مع الإرادة الوطنية في رفض الوجود الإسرائيلي وأبقاهم في أحياء فقيرة للخدمات وتخوينهم، كما مُنعوا من التجمع حتى على مستوى الجمعيات الخيرية أو الفكرية، وحوربت التجمعات العائلية والعشائرية التي كانت قد تسهم في لم شمل التركمان مثل الأطياف داخل سوريا.

هذا جعل التركمان يرفضون نظام الأسد بداية بالمظاهرات التي خرجت في اللاذقية وحلب وحمص وتركزها في حي بابا عمرو، الذي يشكل التركمان حوالي ٤٠ ٪ من سكانه، وفي دمشق وبقية المناطق التي يقطنها التركمان كما شاركوا في التمرد المسلح ضد نظامه حيث شكلوا كتائبهم المقاتلة في كل المناطق التي يعيشون فيها وتنظيمات سياسية تعبر عن تطلعاتهم وتطالب بحقوقهم على مستوى المعارضة السورية، وأطلقوا الأحزاب السياسية، منها: الحركة التركمانية الديموقراطية السورية والكتلة الوطنية التركمانية السورية معلنين تمسكهم المبدئي بوحدة الأراضي السورية.

(3)  أهميتهم بالنسبة لأطراف الحرب (سوريا روسيا تركيا)

112615_0957_2.png

ضعف الجيش السوري بشكل ملحوظ منذ الشهور الأولى في 2015 مقابل انتشار القوات الروسية في اللاذقية – بالأخص – بطول الساحل السوري الشمالي .

في تقرير له، وصف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مدينة اللاذقية الساحلية بأنها “كعب أخيل” الأسد، حيث لم تعد آمنة بشكل كامل للنظام السوري ولا يمكن التفريط فيها لأنها بوابة الوصول إلى الساحل إضافة لأنها تمكن المقاتلين من الاقتراب من القرداحة ومطار اللاذقية الذي تم تسليمه لروسيا كقاعدة جوية ما، سيمكنها – أي روسيا – من نقل صواريخ غراد ذات مدى الـ 40 كيلو مترًا ويمكن الأسد من إجراء عمليات برية تجاه محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة الفصائل المقاتلة، وكل هذا سيتم حال استطاعوا ترحيل التركمان من منطقتهم.

هناك الآن 4 آلاف مقاتل يدافعون عن جبل التركمان تدعمهم تركيا بشكل مباشر لحماية المدنيين المتبقين بعد نزوح 1500 تركماني لتركيا منذ بداية العنف، وهو ما تعتقد تركيا أنه تكثيف للضغط مقصود من جانب نظام الأسد لكيلا يعود أبدًا هؤلاء التركمان إلى سوريا  توطين عائلات علوية موالية للأسد في أماكنهم، وهو خط أحمر بالنسبة لتركيا، وتستمر المعارك بين التركمان وقوات الأسد للسيطرة على جبل برج قصب أو جبل التركمان حتى يقال من عنفها إن صوت نيرانها يصل مقاطعة يايلاطاغي في ولاية هطاي التركية الحدودية.

مسلح بجبهة النصرة على جبل التركمان

مسلح بجبهة النصرة على جبل التركمان

وللتركمان ألوية تنشط حيث سقطت الطائرة الروسية، وقد تشكلت عام 2012 بقوام 10 آلاف فرد ليس لهم أي بنية عسكرية، ينشط منهم “لواء جبل تركمان” باللاذقية منذ 2013 ولديهم مجموعة مرتبطة بالجيش السوري الحر ومجموعات مسلحة أخرى منها جبهة النصرة وأحرار الشام منذ 2015 بامتداد البحر على طول الحدود التركية في الشمال الغربي أمام خصمهم الرئيسي وهو الجيش السوري النظامي وتنظيم داعش وأحيانا قوات إيرانية ومقاتلين من حزب الله.

 

بدورها تقوم روسيا بوضوح بدعم الأسد جوًّا بالطائرات بالإضافة إلى القصف بالصواريخ  والتي عبرت إحدى منظوماتها المحمولة من مضيق البوسفور بعد إسقاط الطائرة الروسية مباشرة، فيما يبدو أن الحكومة قد قررت المبادرة هي الأخرى عبر شحن السلاح للتركمان الموجودين باللاذقية تحت إشراف الاستخبارات التركية.

الأمر الذي يفسر القلق حول سقوط الطائرة الروسية وعدم ضبط النفس من جانب القوات في تصعيد غير متوقع للموقف بين الدولتين. حيث تتجه روسيا لزعم وجود قوات لتنظيم داعش بجبل التركمان وتتجه تركيا – ومن خلفها حلف الناتو – للتمسك بمسألة خلق منطقة آمنة والسماح لكافة الفصائل القومية حتى المتطرفة منها داخل تركيا بالحشد لدعم التركمان، مثلما أعلن حزب الاتحاد الكبير القومي التركي عن إرسال مقاتلين متطوعين لحماية التركمان.

هل تخسر تركيا علاقتها بروسيا من أجل رابطة الدم وحدها؟

112615_0957_4.png

في كل المناسبات تعبر تركيا عن تضامنها مع التركمان الذين يعيشون في سوريا من أصول تركية، وبخلاف العرق الواحد الذي يجمعهما ترفض تركيا الضغط عليها بالتركمان بتهجيرهم إليها للأبد جراء أحداث عنف أو التلاعب على الحدود بين سوريا وتركيا حيث يقطن التركمان وهي المنطقة التي تسعى تركيا لجعلها آمنة للمدنيين بعيدًا عن الطيران الروسي ويعتبرها الكثير بالفعل جزءًا من الأراضي التركية ومنهم نواب برلمان يخطبون بضرورة التحرك وتظاهرات تضامن مستمرة ضد العنف بحق “إخوة الوطن”.

منذ أحداث الثورة السورية منحت تركيا الكثير من التركمان الجنسية التركية وهو ما يدفعهم للانحياز للثورة السورية تماشيا مع الموقف التركي، ومن ثم تحمل مواجهة نظام الأسد – ليس وحدهم – فقد دعت الحكومة التركية مجلس الأمن إلى بحث الوضع حول بلدات للتركمان لتعرضها لغارات الجو الروسي وتعهد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” باستمرار الدعم الإنساني والعسكري لتركمان سوريا وعدم التخلي عنهم الموقف الذي يكلفه علاقته بروسيا.

أمر اخر هنا يشكل قلقًا لتركيا هو سيطرة الأكراد على ثلثي الحدود معها مما يجعل تركيا تخشى تشكيل كيان كردي مستقل شمالي سوريا مقابل الأقلية التركمانية وهو ما دفعها لاستمالة أطراف دولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإبرام اتفاق أمني مشترك لتأمين الحدود التركية السورية بهدف إنشاء المنطقة الآمنة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد