هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010- 2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ إلى وثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

بعد أقل من أسبوع من بدء الحصار الرباعي على دولة قطر، خرج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مؤتمر صحفي قائلًا: إنه «لطالما مولت دولة قطر الإرهاب على مستوى رفيع… على قطر قطع هذا التمويل». انتهى كلام ترامب، وانطلق اللوبي الإماراتي في جهوده لشن حرب إعلامية في واشنطن على قطر.

بعد إعلان الإمارات حصارها لقطر مع السعودية ومصر والبحرين، وظَّف اللوبي الإماراتي شبكة علاقاته مع اليمين الأمريكي المحافظ والمتطرِّف في الولايات المتحدة، واستطاع توظيف أطراف من هذا التيار لتشويه الجارة العربية بكل ما أوتي من وسيلة.

وفي هذا التقرير القصير، نعرض لكم عقودًا للوبي الإماراتي في واشنطن مع شركات أمريكية لها ارتباطات بشخصيات يمينية ومعادية للإسلام، مثل ستيف بانون، كبير مستشاري ترامب وكبير الاستراتيجيين بالبيت الأبيض سابقًا، وستظهر لاحقًا ثمار المال الإماراتي على لسان بانون.

«قطر: حلف خطير».. وثائقي تشويهي بنصف مليون دولار

عندما تضغط سياسيًّا في واشنطن، لا يكفي فقط التواصل مع الساسة من أعضاء الكونجرس، وكبار العاملين في البيت الأبيض، بل عليك تجنيد جيش إعلامي لبناء الصورة التي تريدها عن نفسك أو ضد خصومك؛ فالرأي العام أحد أعمدة التأثير الرئيسة.

يفهم اللوبي الإماراتي هذه اللعبة تمامًا. ولهذا؛ استأجر اللوبي بعد الحصار عدة شركات إعلامية يمينية لتشويه دولة قطر، وتصويرها على أنها «محور الإرهاب» في المنطقة، وأنَّها الداعم الرئيس له، وسبب تزعزع الاستقرار في المنطقة، وأن على إدارة ترامب قطع علاقتها مع قطر تضامنًا مع دول الحصار.

ووفقًا لوثائق وزارة العدل الأمريكية التابعة لقانون «فارا»، سجَّلت شركة «لابيس الشرق الأوسط وأفريقيا – Lapis Middle East and Africa» من مقرها في دبي، عقدًا مع شركة «أندريا أسوشيتس – Andrea Associates» في 17 أغسطس (آب) 2017، مقابل خدمات إعلامية وترويجية، تستهدف قطر وما يصفه الوثائقي بـ«دورها في دعم الإرهاب العالمي»، بالإضافة إلى تقديم الشركة خدمات تواصل مع أعضاء في جهات حكومية وغير حكومية، مثل مراكز الأبحاث، لترويج هذه الصورة عن قطر.

جزء من الوثائقي الدعائي

وبحسب الملفات، عملت الشركة على صناعة فيلم وثائقي عن قطر وعلاقتها بـ«الإرهاب»، تحت عنوان «قطر: حلف خطير – Qatar: A Dangerous Alliance»، وأنشأت الشركة صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي لترويج الوثائقي، وبعض المحتويات الإعلامية التي تصور قطر داعمة للإرهاب، ويمكن زيارة هذه الصفحات في الروابط التالية: «فيسبوك، تويتر، إنستغرام».

ولاحقًا بثَّت قناة «أبوظبي» التابعة للإمارة مقاطع من الوثائقي على شاشتها.

رئيس شركة أندريا هو شارليس أندريا، الذي عمل سابقًا مسؤولًا للتواصل والإعلام في البنتاجون، وقد عمل في شركة العلاقات العامة «بيل بوتينجير – Bell Pottinger»، عندما ساعد في الإشراف على عقد قيمته 500 مليون مع البنتاجون لإدارة عمليات سرية خلال الحرب في العراق.

أما بالنسبة لشركة «لابيس»، فهي تتبع لمجموعة «موبي» الإعلامية، التي يترأسها رجل الأعمال والإعلام الأفغاني، سعد محسني، وللمجموعة مكتب في إمارة دبي.

وذُكر في الملفات اسم كولين جود، الذي عمل سابقًا في شركة «بوتينجير» في مكتب أبوظبي، وعمل مديرًا إقليميًّا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «لابيس». ومن الجدير بالذكر أن روبرت موردوخ، أحد أقطاب الإعلام في العالم، يستثمر في المجموعة.

وبعد إنتاج الوثائقي وتنفيذ حملات تشويهية، وزعت الشركة نسخًا من الوثائقي في مؤتمر نظمته مؤسسة هدسون البحثية، تحت اسم «مواجهة التطرف العنيف: قطر، وإيران، والإخوان المسلمين». وعقد المؤتمر في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، واستضاف عدة شخصيات يمينية للحديث عن «دور قطر والإرهاب»، مثل ستيف بانون، زعيم التيار الشعبوي اليميني في العالم، الذي قال في كلمته: «كان لا بد من مطالبة قطر بتحمل مسؤولية التمويل المستمر للإخوان المسلمين وحركة حماس». بالإضافة إلى السيناتور الجمهوري توم كوتون، والنائب الجمهوري إيد رويسي، وحضر الجلسة ليون بانيتا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق.

وكان إليوت برويدي، جامع تبرعات لحملة ترامب عام 2016، من المتبرعين الممولين لهذا المؤتمر، ويعرف برويدي بمواقفه المعادية لقطر.

Embed from Getty Images

ستيف بانون أثناء رحلة ترامب إلى الرياض مايو (أيار) 2017

ويذكر موقع «الإنترسبت» أن مؤسسة هدسون مركز بحثي يتبع لتيار «المحافظين الجدد»، وكان قد كثف نشاطه بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وتظهر وثائق الشركة على موقع وزارة العدل أنها تحصلت على 565 ألف دولار أمريكي مقابل خدماتها، وانتهت العلاقة معها في 1 يوليو (تموز) 2018.

ومن اللافت للنظر أن الشركة التي أنتجت الفيلم الدعائي ضد قطر، كانت قبل شهور من إنتاجها للفيلم على علاقة مع قطر، في عقد سجِّل منذ أغسطس 2016، بعد الحصار عليها، وانتهى في 31 مايو 2017، وبعد ذلك بثلاثة شهور فحسب تعاقدت مع الإمارات، وقد حصَّلت الشركة من قطر قرابة 200 ألف دولار أمريكي.

الإمارات وستيف بانون.. حملة تشويهية أخرى

في كل سنة تُعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث تتاح الفرصة للقيادات الدولية لاستعراض إنجازات دولهم، وتطلعاتهم المستقبلية. استغل اللوبي الإماراتي أهمية هذا الحدث الدولي، واستعد له أفضل استعداد في حربه على دولة قطر.

ففي 25 أغسطس 2017 سجَّل المجلس الوطني للإعلام في الإمارات عقدًا مع شركة العلاقات العامة والاستشارات الاستراتيجية: «بروجكت أسوشيتس – Project Associates UK»، والتي يعمل بها روبرت وورثينتون، البريطاني – الأسترالي، الذي يدير قسم الاستشارات الدولية والسياسية في الشركة، والذي عمل سابقًا في الخارجية البريطانية، كما عمل مستشارًا في حكومة توني بلير.

وكان ريان جالاجهير هو المسؤول عن تنسيق خدمات الشركة للإمارات، ويذكر جالاجهير على حسابه في منصة «لينكدإن» انتقاله للعمل في مايو 2019، في وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، بأبوظبي. حصلت الشركة على 250 ألف دولار، وما زالت علاقتها مستمرةً بالإمارات.

واستأجر المجلس الوطني للإعلام في الإمارات بواسطة بروجكت أسوشيتس «سي إس إل سوشيال ليميتد – SCL Social Limited»، المتخصصة في علوم البيانات، وتتبع الشركة لـ«مجموعة سي إس إل»، التي تملك الشركة الشهيرة «كامبريدج أنالتيكا»، وأحد مؤسسيها وملاكها هو ستيف بانون، مستشار ترامب الذي وضع الشركة في خدمة حملة ترامب عام 2016 لتكون واحدة من أهم الأدوات التي صعدت به لسدة الحكم في أمريكا.

والمدير التنفيذي لمجموعة «سي إس إل» هو نيجل أوكيس، رجل الأعمال البريطاني، ومثل زميله السابق، قام أوكيس بتغيير بلد إقامته من بريطانيا إلى الإمارات في يوليو (تموز) 2017. وسُجِّل العقد لدى وزارة العدل الأمريكية في 18 سبتمبر 2017؛ أي قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بيوم واحد، ونفذت الشركة قبل أيام الجمعية وأثناءها حملة تشويهية ضد دولة قطر، وترويج صورة لربطها بتمويل جماعات «إرهابية»، وتمويل جمعية «مسلم إيد – Muslim Aid»، وهي جمعية خيرية بريطانية محظورة في إسرائيل.

Embed from Getty Images

أمير قطر، تميم بن حمد، في الأمم المتحدة

وأنشأت الشركة صفحة على «فيسبوك» وأخرى على «تويتر»، تدعو فيهما إلى مقاطعة قطر، ونشرت مقالًا هجوميًّا على مؤسسة «مسلم إيد»، ويتهم المقال قطر بتمويل هذه المنظمة. وقد روَّجت للمقال هند مانع العتيبة، مسؤولة التواصل الاستراتيجي في الخارجية الإماراتية، والإعلامي السعودي عبد العزيز الخميس. ونشرت الشركة مقالًا آخر للصحافي المصري، عبد اللطيف المنياوي، يهاجم في المقالة قطر ويتهمها بتمويل الإرهاب.

تكشف هذه الوثائق عن وجود تعاون مباشر بين الإمارات وشركة «كامبريدج أنالتيكا» وتفريعاتها المختلفة، وتذكر إحدى الوثائق أن قيمة العقد الأصلية 330 ألف دولار، مقابل خدمات حملات عالمية على منصات التواصل الاجتماعي، كان من ضمنها الحملة ضدَّ قطر، وباقي الأنشطة لم يُصرَّح عنها؛ لأنها لا تقع في إطار قانون «فارا». ما يعني وجود مشروعات أخرى لنشر الدعاية الإماراتية بشكل موجَّه لمستخدمين محددين.

من إحدى وثائق شركة «سي إس إل سوشيال ليميتد»، واحدة من تفريعات شركة «كامبريدج أنالتيكا»، وتكشف الوثيقة عن وجود تعاون بين الإمارات والشركة على مستوى «عالميٍّ» بحملات على منصات التواصل الاجتماعي. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

استمر تعاقد المجلس الوطني للإعلام في الإمارات مع شركة «سي إس إل» فقط خمسة أيام، لتنتهي في 23 سبتمبر (أيلول) 2017، وبلغت قيمة فاتورتها 166 ألف دولار، وأنفق على حملات الشركة التشويهية ضد قطر في منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، «تويتر» و«فيسبوك» و«يوتيوب»، أكثر من 64 ألف دولار.

وبعد انتهاء الموجة الأولى من الحملات التشويهية على قطر، بدأت الإمارات موجتها الثانية في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2017، باستئجار سفارتها لشركة «ديفانيرز كورب – Definers Corp»، وقدمت الشركة خدمات إعلامية وتشويهية ضد قطر، فوفقًا لتحقيق عن الشركة؛ فقد أدارت مواقع إعلامية مصطنعة وموجهة تهاجم قطر، مثل «Qatar Crisis News» و«Partnership for Peace»، ودفعت الإمارات نظيرًا لذلك 527 ألف دولار أمريكي.

ويترأس الشركة جوزيف بوندر، الذي عمل سابقًا في قسم الأبحاث التابع للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وتقدم الشركة خدمات تشويهية بحثية وإعلامية، تسمى باللغة الإنجليزية «Opposition Research»، وتقدم أيضًا خدمات تواصل استراتيجي لتشويه الصورة العامة لأفراد، أو مؤسسات. وغالبًا ما تدعم الشركة مؤسسات إعلامية بنشر قصصها، مثل منصة «بريتبارت- Breitbart»، الإعلامية التي أسسها ستيف بانون.

صداقات قديمة.. العلاقة مع المحافظين الجدد في وزارة الخزانة

لم تبدأ علاقات الإمارات باليمين المتطرف مع صعود ترامب فقط، بل علاقتها ممتدة منذ عقود. وتكشف وثائق وزارة العدل عن استئجار شركة «آوتلوك إنيريجي إنفسمينت – Outlook Energy Investment» المملوكة من إمارة أبوظبي، مجموعة تسمى «مجموعة كامستول – Camstoll Group» في ديسمبر 2012. ووفقًا لما ذُكر من أنشطة للشركة، فقد استأجرت الإمارات الشركة مقابل خدمات تواصل مع صحافيين أصحاب ميول إسرائيلية ويمينية لكتابة تقارير ومقالات تُهاجم قطر وتربط اسمها بالجماعات «الإرهابية».

ويعمل في هذه الشركة مجموعة من الموظفين السابقين في وزارة الخزانة الأمريكية، مثل المدير التنفيذي للشركة، ماثيو إبستين، الذي عمل ملحقًا ماليًّا في أبوظبي والرياض بوزارة الخزانة. بالإضافة إلى بينيامين شيمدت، الذي عمل محللًا في وزارة الخزانة في مكتب الإرهاب والاستخبارات المالية، وبنيامين دافيز، الذي عمل عام 2008، ملحقًا ماليًّا لوزارة الخزانة في شؤون البنوك الفلسطينية والإسرائيلية.

ونسقت الشركة اجتماعاتٍ مع مسؤولين حكوميين مثل اجتماع مع كاتي باور، وهي ملحق مالي لدول الخليج، وتعمل من السفارة الأمريكية بأبوظبي. ونسقت اجتماعًا مع دانييل جلاسر، مساعد لوزير الخزانة في شؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية.

وعقدت اجتماعات أخرى مع مراكز أبحاث أمريكية، مثل اجتماع مع مايكل روبين، من معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة، واجتماع مع مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.

وشملت حملة التواصل مع صحافيين، مثل: إلي لاك من صحيفة «الديلي بيست»، وألانا جودمان من صحيفة «الفري باكون». وتواصل مع إليزابيث ديكينسون، التي كتبت مقالة عن علاقة قطر بالإخوان المسلمين، وعن دور قناة «الجزيرة» في الإقليم. وعقدت الشركة أيضًا اجتماعات مع الصحافي من «واشنطن بوست» جوبي واريك، الذي كتب مقالة في ديسمبر 2013 يتحدث فيها عن تمويل قطر لبعض الجماعات الإرهابية، بعد اجتماعٍ عقدته الشركة معه في يونيو (حزيران) 2013.

ووفقًا لوثائق الشركة على موقع وزارة العدل التابع لقانون فارا، بلغت المدفوعات للشركة منذ ديسمبر 2012 حتى اليوم 41 مليون دولار أمريكي، وهذا مبلغ كبير مقارنة بالخدمات المذكورة، ويشير إلى احتمالية وجود خدمات أخرى غير مذكورة في الملفات.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد