كان مشهد قيام بضعة عناصر من «تنظيم الدولة» بهدم تماثيل أثرية أو «أصنام» كما يسميها التنظيم يثير الكثير من القهر لدى من عرفوا قيمة هذه الآثار التاريخية، لقد كانت مقاطع الفيديو تشبه مشاهد الدراما التاريخية، ليتضح لاحقًا أن هذه المشاهد بالفعل تمثيلية وتمويهية.

فقط كان تدمير الآثار على يد هذا التنظيم مجرد غطاء لعمليات ضخمة تقوم على نهب وبيع آثار سوريا والعراق على مدار السنوات الماضية، إذ أدرك تنظيم الدولة أن بحوزته أغنى منطقة أثرية في العالم، وأدرك أيضًا منذ اللحظة الأولى حجم التمويل المالي الكامن في بيع هذه الآثار التي تفوق أرباحها تجارة السلاح والمخدرات.

تنظيم الدولة وراء أكبر عمليات نهب للآثار في التاريخ

«مادام أمر الله قد نفذ في تكسير هذه الأصنام، فيجب أن ندمرها، حتى لو تساوي بلايين الدولارات عند العالم، هذه الأصنام لم تكن موجودة في عهد الرسول (محمد)، لقد استخدمها الناس لعبادة الشيطان»، هذا ما قاله أحد عناصر «تنظيم الدولة» في شأن الآثار التي وقعت في مناطق سيطرة التنظيم في سوريا والعراق.

عنصر من «تنظيم الدولة» يحطم الآثار

التنظيم الذي نشر مقاطع فيديو متعددة ومتتالية تظهر حرصه على تحطيم التماثيل لأنها «أصنام»، استخدم التدمير خدعة وستارًا لعمليات التنقيب عن الآثار السورية والعراقية ونهبها ومن ثم بيعها في السوق السوداء، لقد كانت عملياته منهجية كما أظهرت صور الأقمار الصناعية، وقد وصف تقرير لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تلك العمليات بأنها: «إحدى أكبر عمليات نهب الآثار المنهجية والناجحة التي وقعت في التاريخ، والتي ينتظر أن تؤثر في سوق الآثار العالمية في السنوات والعقود المقبلة، هذه العمليات أتت على كل أمل بتنفيذ عمليات حفر وتنقيب أثرية عملية في هذه المواقع، التي تعتبر بعضها من أهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط».

وبينما من الصعب المعرفة كم يتكسب التنظيم من هذه التجارة، إلا أن أكثر من تقرير تحدث عن حجم مبيعات التنظيم الهائلة، آخرها ما صدر قبل أيام عن موقع «أنليزي ديفيزا» الإيطالي، فقد أفاد أنّ سقف الأرباح يصل إلى 100 مليون دولار في السنة، ويذكر التقرير أنّ: «التحف الأثرية والقطع النادرة الثمينة، التي تزخر بها المواقع الأثرية في سوريا والعراق، أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية، أحد أهم مصادر التمويل بالنسبة لـ«تنظيم الدولة»، خاصة في الفترة الأخيرة، التي تميزت بتراجع كبير في عائدات النفط»، ويضيف التقرير: «تحوّلت تجارة الآثار إلى (ضرورة) ملحة بالنسبة إلى العديد من التجار ومهربي الآثار في سوريا؛ حتى يتمكنوا من الصمود، وذلك نتيجة للصراع الذي تعيشه الدولة منذ ست سنوات».

وقدرت أرباح تجارة التنظيم في سوريا بنحو 200 مليون دولار، فعلي سبيل المثال، كانت إيرادات بيع الآثار المنهوبة من موقع أثري بمدينة النبك، غربي دمشق، 36 مليون دولار أمريكي، لذلك تُقدّر «اليونسكو» بيع ممتلكات هذه المعابد والمتاحف ببلايين الدولارات، إذ تعتبر اليونسكو أن بيع تلك الآثار،عن طريق التجارة المباشرة وغير المباشرة، أحد أهم مصادر التمويل المادي التي يتلقاها «تنظيم الدولة» في العراق وسوريا.

وقد أقدم التنظيم على استخدام «الجرافات الأثرية»، ووظف سكانًا محليين ليحفروا المواقع والقبور الأثرية، لتعبر المسروقات بعد ذلك نحو تركيا ودول البلقان في أوروبا الشرقية ومنها إلى أوروبا الغربية، وتعد الولايات المتحدة وبريطانيا، أكبر سوق تجاري للآثار المنهوبة من الشرق الأوسط.، يقول عالم الآثار «فرشخ جوان فيسك» إنّ: «هناك قطع أثرية سورية وعراقية مسروقة من قبل «تنظيم الدولة»، وهي الآن في أوروبا.. وقد تم الاستيلاء عليها بعد أن دمر التنظيم المعابد في تلك المناطق».

الموصل المنكوبة.. بيعت آثارها التاريخية

«إن أحد حراس المواقع الأثرية في موقع بوابة نركال، أكد أن التنظيم جاء بشاحنة ضخمة ورافعة ورفع الثور المجنح على يمين البوابة الذي كان بحالة جيدة جدًا، وحرَّروه من البناء، وتحمليه على الشاحنة، وعندما استفسر الحارس من باب الفضول وسألهم عن سبب عدم تدميره أخبروه بأنه سيُدمر بطريقةٍ خاصة»، تلك شهادة ضمن ما جمعه المدير السابق لدائرة لآثار نينوي «صعب محمد جاسم».

من آثار الموصل (نون بوست)

فبينما تلملم الآن الموصل جراحها إثر دحر «تنظيم الدولة» الذي سيطر عليها في يونيو (حزيران) 2014، وقبل أن يستعيد العراق أكثر من 150 ألف قطعة أثرية سرقت من المتحف العراقي عام 2003، تتّضح أهوال تخريب ونهب التنظيم لآثار المحافظة الحضارية والدينية والثقافية، فقد أقدم التنظيم على سرقة آثار من المتحف والمناطق الأثرية في المدينة، متبعًا سياسية تدمير بعض الآثار للتغطية على عمليات النهب والبيع الكبيرة.

كانت الخسارة الكبرى لتدمير الآثار في مدينة النمرود التي توصف بأنها متحف بحد ذاته، ففي مهد الحضارة الآشورية، التي تأسست في القرن 13 قبل الميلاد دُمر 90% من هذه المدينة، يقول عراقي من الموصل يدعى «عمران ذنون» لـموقع «الخليج أون لاين» أن: «تنظيم داعش كان يحفر داخل تلة قوينجق الأثرية المقابلة للحي الزراعي شرقي الموصل، وعملية الحفر تكون من قبل أشخاص وبوجود حراسة مشددة، حتى العجلات التي كانت تخرج من مواقع الحفر كانت تسير برفقة مسلحين من التنظيم».

ولا تبعد إسرائيل عن جريمة السيطرة على الآثار العراقية، إذ كشف تقرير إسرائيلي أنّ: «السلطات الإسرائيلية وضعت يدها على كثير من القطع الأثرية العراقية، التي وصلت إلى الأسواق الإسرائيلية، وقامت بمصادرتها وحصلت على قرار من المحكمة الإسرائيلية يتيح لها الاحتفاظ بهذه القطع ومصادرتها».

الإمارات وإسرائيل في حلقة بيع الآثار المسروقة

أرقام صادمة، يظهرها التقرير الصادر عن مصلحة الجمارك الأمريكية، فيؤكد أن الواردات من مقتنيات التراث السوري زادت إلى ما نسبته 145%، بينما المقتنيات العراقية زادت إلى ما نسبته 61% وذلك بين أعوام 2011 و2013، فقد لجأ «تنظيم الدولة» إلى بيع القطع الأثرية باعتبارها مصدرًا للتمويل وتغذية خزائنه، وقدرت أرباح التنظيم بين 150 و200 مليون دولار في السنة، فمن الذي يشتري من «تنظيم الدولة» هذه القطع الأثرية؟

لقد جاءت شهية الغربيين المفتوحة على شراء القطع الأثرية في المقام الأول، فسواء كان هؤلاء يدركون شرعية هذا الشراء أم لا، فقد خلقوا سوقًا سوداء قوية حفّزت «تنظيم الدولة» على تعميق تجارة لنهب تلك التحف والقطع الأثرية من الشرق الأوسط، «حيث يقوم المشترون الغربيون بالحصول على تلك القطع من المهربين أو اللصوص أو الوسطاء بأثمان بخسه وهو ما يخلق الدافع لمزيد من النهب والسرقة لهذه القطع الأثرية، رغبة في الثراء»، حسب ما جاء في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

إسرائيل، لم تخرج عن مناطق شراء القطع الأثرية من «تنظيم الدولة»، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، أكد تقرير لصحيفة «هآرتس» العبرية أن إسرائيل: «صارت مؤخرًا مركزًا للتجارة الدولية غير القانونية بالآثار المسروقة، بفعل القوانين الإسرائيلية المتساهلة نسبيًا في إقرار عمليات شراء قطع أثرية وبيعها في فلسطين المحتلة والخارج».

أما الأكثر صدمة فهو ما خرج يوليو (تموز) الماضي، حول وجود شبهات بتورط الإمارات وإسرائيل في تهريب آثار العراق، إذ كشفت قضية تورط سلسلة متاجر «هوبي لوبي» الأمريكية في عملية شراء آثار عراقية، أن هذه الآثار مهربة عبر الإمارات، وفي التفاصيل يذكر أن الشركة اشترت قطع أثرية يبلغ عددها 5500 قطعة مقابل 1.6 مليون دولار، ووصلت هذه القطع لمقر الشركة في أوكلاهوما في الولايات المتحدة عبر الإمارات وإسرائيل، بموجب مستندات شحن مزورة تشير إلى أن الشحنات تحتوي على ألواح من سيراميك الأرضيات، وأن بلاد المنشأ هي تركيا وإسرائيل، وقد أثارت هذه القضية شبهات حول علاقة ودور الإمارات بما يتردد من غسيل أموال تنظيم «الدولة الإسلامية».

تمثال دُمّر على يد عناصر من تنظيم الدولة

كما سجلت في الفترة الأخيرة تعاملات تجارية بين مافيا مدينة كالابريا الإيطالية وتنظيم الدولة، قامت بالأساس على تبادل القطع الأثرية المسروقة من سرت الليبية مقابل الأسلحة الإيطالية. كما اكتُشف أن هذه الآثار تمر بميناء جويا تاورو الإيطالي، ووصلت هذه الآثار إلى بلغاريا فقد اكتشفت وحدة الجريمة المنظمة بوزارة الداخلية البلغارية عملات قديمة مثبتة أزرارًا على السترات، وفي مارس (آذار) 2016، ضبطت الشرطة الفرنسية قطعًا مسروقة من مذبح رخامي عبرت من لبنان إلى تايلاند، وأشار تقرير بلغاري عن وجود حوالي 20 معرضًا فنيًّا رئيسيًّا ومنزلًا تجاريًّا في مدن أوروبية غربية كلها تعرض قطعًا مهربة.

هل يمكن استعادة هذه الآثار؟

تحظر القوانين العالمية التجارة غير المشروعة للآثار، لكن الإفلات من هذا الحظر ليس مستحيلًا، بل تبدو عملية ملاحقة تلك الآثار وإيجادها أمر صعب للغاية، حيث لم يتمكن العراق حتى الآن من إيجاد ولو قطعة واحدة من القائمة التي قدمها حول آثاره المنهوبة من متاحف الموصل للمجلس العالمي للمتاحف.

في الفترة الأخيرة، طرحت عدة مشاريع قوانين للحد من تدفق الآثار المنهوبة، قد انتشر بشكل واضح التحذير من اقتناء و شراء هذه القطع لا يضمن أي حق شرعي بملكيتها، وبدأت العديد من المنظمات تراقب الأسواق بحثاً عن الآثار المنهوبة وتحديد أماكن القطع المسروقة، ومن ضمن هذه الشركات شركة «آرتياز» بمدينة أمستردام، يقول أحد العاملين في هذه الشركة ويدعى «آرثر براند» ويصف هذه القطع بـ«القطع الأثرية الدموية»: «هناك تقارير عديدة تفيد بتوافر قطع أثرية من سوريا والعراق في السوق السوداء في أوروبا».

وقد أصدر مجلس الأمن الدولي، قرارًا دوليًّا تحت رقم (2199) لعام 2015، والذي نص على تجريم بيع آثار ونفط العراق من قبل «تنظيم الدولة»، وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بدأت الولايات المتحدة إجراءات قضائية لمكافحة تهريب القطع الأثرية التي نهبها «تنظيم الدولة»، وقد خصص مكتب التحقيقات الفيدرالي  مكافأة تبلغ 5 ملايين دولار لمن يدل على معلومات عن القطع المنهوبة القادمة إلى الولايات المتحدة من سوريا والعراق.

مجموعة من التماثيل السورية

لكن من المتوقع أنه ستمر عدة سنوات قبل أن تظهر القطع الأثرية في الأسواق، فعلى سبيل المثال، مرت عدة سنوات بين عمليات نهب الآثار العراقية بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، وبين تحريك سوق بيع الآثار العراقية. فغالبية القطع الأثرية لم تظهر بعد في الأسواق العالمية.

ويؤكد المحامي والناشط الحقوقي السوري، غزوان قرنفل على أن كل الآثار المسجلة أصولًا في الدولة التي نهبت منها و لدى اليونيسكو يمكن متابعتها واستردادها، فالقانون يلزم الدول والحكومات بالبحث عن تلك الآثار وضبطها وإعادتها للدول المعنية بها، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «عمليًا ينفذ ذلك إن وجدت دولة مهتمة بمتابعة آثارها وملاحقتها عبر العالم لاستردادها، أما الدول الأخرى فإن وقعت تحت أيديها صدفة فتصادرها وتعيدها للدولة صاحبتها وتحاكم من كانت لديه، إذ أن الأمر متعلق بمدى جدية الدولة ومثابرتها على هذا الأمر في متابعة وملاحقة آثارها المنهوبة».

المصادر

تحميل المزيد