لسنوات ظل المهاتما غاندي زعيم الهند ورائد كفاحها بالنسبة للكثيرين قديسًا مبتسمًا يلتحف بالأبيض، ويرتدي نظارة دائرية، ويأكل القليل، ويسقط أعظم إمبراطوية في العالم بلا عنف. والرجل الذي قاد بلاده إلى الحرية، حتى عبدته الهند بطريقة عمياء، وأصبح في نظر العالم الإنسان المثالي الرحيم والحكيم، وتم تلقيبه بـ«المهاتما»، والتي تعني الروح الفاضلة، وُلقب أيضًا بالأب في عدة لغات، وسُجلت أقواله وكتاباته في أكثر من 90 مجلدًا، ولكن يبدو أن ذلك لم يكن إلا جزءًا من الصورة الكاملة، التي تكشف عن عيوب جوهرية في شخصية الزعيم الهندي وتاريخه.

غاندي يخدم الجيش البريطاني في مساعيه الاستعمارية

ارتدى غاندي الزي العسكري للجيش البريطاني في عام 1899، في الوقت الذي كان فيه عضوًا في وحدة إسعاف طوعية أثناء حرب الأنجلو- بور في جنوب أفريقيا، والتي انتهت في عام 1902، وكان معروفُا وقتئذ باسم ماهانداس كارامشاند. وكانت وحدة الإسعاف هذه جزءًا من خطة غاندي لجلب الهنود إلى جنوب أفريقيا؛ فقد تكونت الوحدة من 1100 هندي، كان يمشي أعضاؤها مسافة 25 ميلًا كل يوم لتقديم المساعدة للمصابين.

وبعد ذلك قام غاندي بتنظيم كتيبة هندية نقالة للخدمة في انتفاضة بامباثا، عندما ثار الزولو ضد الحكم والضرائب البريطانية في جنوب أفريقيا، والتي قابلتها بريطانية بالعنف والوحشي والقمع، وحينئذ كان غاندي قائدًا لسلاح حاملي النقالات.

صور نادرة لغاندي في لباس الجيش البريطاني، المصدر.

كتب غاندي في رسالة للمسؤول البريطاني في جنوب أفريقيا ردًا على مقترح استبدال العمالة الهندية في جنوب أفريقيا بعمالة صينية في عام 1903: «وفي حرب الرجل الأبيض في جنوب أفريقيا، أعتقد أن الغلبة يجب أن تكون للأوروبيين». وساند غاندي بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، وتطوع لدى الجيش البريطاني في عام 1918. وفي هذا الوقت قال غاندي: «لن يكون للهند مكان في عالم لا يوجد به الإنجليز، وإذا لم يفز البريطانيون في الحرب فلمن سنلجأ؟ هل نلجأ لألمانيا؟ إن الثقافة البريطانية المحبة للحرية ستفوز بالتأكيد؛ بعد رؤيتهم أننا وضعنا حياتنا من أجلها». ولكن عاد غاندي عن هذا الحب والإعجاب بالإمبراطورية البريطانية بعد مجزرة أمريتسار بحق الهنود، طالبًا الاستقلال الكامل عن بريطانيا.

عنصري تجاه السود الأفارقة

قضى غاندي أكثر من عقدين في جنوب أفريقيا، منذ عام 1893 وحتى 1914، وبجانب عمله كمحام، كان مدافعًا عن حقوق الهنود، والهنود فقط، وطوال فترة عمل غاندي في جنوب أفريقيا، لم يقم بأية محاولة لخلق رابط بينه وبين الأغلبية السوداء أو النظر لقضيتهم. وقد عبر ببساطة عن سبب ذلك وقال إن السود في جنوب أفريقيا هم بالكاد بشر.

كان غاندي عنصريًا تجاه السود في جنوب أفريقيا، ورفض مرارًا أن يلتقي بقادة الحقوق المدنية الأمريكيين الأفارقة الذين أرادوا دومًا لقاءه. وفي إحدى حملاته من أجل حقوق الهنود المقيمين في جنوب أفريقيا، اشتكى غاندي في رسالة إلى السلطة التشريعية في مقاطعة ناتال بجنوب أفريقيا من وجوده مع الأفارقة، وقال إنه يمكنه تفهم عدم تصنيفه ضمن الرجال البيض، ولكن على الأقل يجب اعتباره إنسانًا ومواطنًا، فلا يمكنه العيش في مكان غير حضاري، ويتعامل مع أشخاص مزعجين وأقذار جدًا، ويعيشون مثل الحيوانات.

غاندي خلال فترة عمله بجنوب أفريقيا كمحام، المصدر.

كتب اثنان من أساتذة الجامعات في جنوب أفريقيا كتابهما بعنوان: «غاندي الجنوب أفريقي: حامل نقالة الإمبراطورية»، عن تفاصيل حياة غاندي في جنوب أفريقيا. ووصف الكتاب غاندي بأنه عمل بلا هوادة على إثبات حكم البريطانيين على الأفارقة، وميز الهنود من مساعدي الجيش البريطاني على الأفارقة السكان الأصليين للأرض. وجمع الكتاب رسائل غاندي وكتاباته الخاصة والمحفوظات الحكومية خلال هذه الفترة لإثبات كم التناقض بين صورته الحقيقية وكيف يراه العالم.

ظهر في الرسائل المصورة بالكتاب مطالبة غاندي بمدخل منفصل للهنود في أماكن العمل، وكتب: «نحن نشعر بالإهانة أكثر من اللازم، وناشدنا السلطات البريطانية لتخليصنا من هذا التمييز، ولا أطلب مساواتنا بالبيض، ولكن أطلب ثلاثة مداخل منفصلة بأماكن العمل: للآسيويين، والأوروبيين، والأفارقة السود».

وفي رسالة طويلة كتبها عام 1895، أعرب غاندي عن قلقه من أن اختلاط الهنود بالأفارقة سيدهور من وضعهم وعاداتهم المتحضرة إلى عادات الأفارقة. وفي رسالة أخرى إلى المسؤول البريطاني عن مقاطعة ناتال الجنوب أفريقية، كتب غاندي: «إن اللغتين الإنجليزية والهندية تنبعان من مخزون ثقافي مشترك، ولكن يسود في المستعمرة أن الهنود أقل من الأوروبيين، حتى وإن كانوا، فهم ليسوا كالهمجيين من سكان أفريقيا الأصليين».

ليس الأفارقة فقط.. غاندي لم يكن منصفًا لكافة الهنود

بعد فترة وجيزة من عودة غاندي إلى الهند في عام 1915، وضع  ما أسماه «الأركان الأربعة للحكم الذاتي»، وكانت: تحالفًا لا يتزعزع بين الهندوس والمسلمين، قبولًا عالميًا لعقيدة اللاعنف كعقيدة، تحويل قرى الهند – التي يقترب عددها من 650 ألف قرية – إلى مصانع للغزل والحرف اليدوية الأخرى ذات الاستدامة الذاتية، ووضع حد للنبذ بحق أية فئة في المجتمع.

لكن يبدو أن غاندي لم يكن منصفًا عند مناصرته للقضايا الحقوقية، فلم يناصر غاندي الفقراء من بلده؛ فقد حدث أن قال غاندي: إن الحرية الهندية لن تأتي أبدًا حتى لا يكن هناك منبوذ واحد، ولكنه في بعض الأحيان جادل في ذلك على أساس أنه لا يمكن القضاء على النبذ إلا بعد الفوز بالاستقلال.

مترجم: هل تجهز الهند لإبادة عرقية بحق 4 مليون مسلم؟

لم يناصر غاندي حقوق العمال الهنود الجنوبيين من الطبقة الدنيا، والذين يتم شحنهم للعمل في المناجم والمزارع في ظروف شبه عبودية، وذلك من أجل الحصول على تنازلات من السلطة البريطانية الاستعمارية. كما كان ينظر لطبقة الداليت التي تعتبر أدنى طبقات النظام الاجتماعي في البلاد، كهدف لا يجب الدفاع عنه، وأنهم لا يستحقون حق الانتخاب، والداليت هم طبقة المنبوذين في الهند، وما زالوا في معاناة من النتاج المباشر لأحكام غاندي، الذي قال عنهم: «إنهم في انتظار تغيير لن يمنحه لهم التاريخ أبدًا».

جعل الهند من أكثر الدول قمعًا للنساء

افتخر غاندي في كتاباته بحدث اكتشف فيه أن شابًا كان يتحرش بفتاتين من أتباعه، فكان رد غاندي أن قص للفتاتين شعورهن لضمان عدم تكرار الإثم؛ ما دفع الهنود للإيمان بضرورة تحمل النساء المسؤولية عن الاعتداء الجنسي عليهن، وهي الفكرة التي ما زالت قائمة برأى الكثيرين. واعتقد غاندي أن النساء الهنديات اللواتي تعرضن للاغتصاب فقدن قيمتهن كبشر، وأن هناك مبررًا لآبائهن لقتلهن من أجل شرف الأسرة والمجتمع. كما شن حربًا ضد وسائل منع الحمل، ووصف النساء الهنديات اللاتي يستخدمنها بالعاهرات.

لم تكن علاقة غاندي بزوجته مثالًا يحتذى به؛ فقد تزوج غاندي وهو في سن 13 عامًا وزوجته 14 عامًا في 1883، وتمتع الزوجان بحياة جنسية طبيعية، وتشاركا سريرًا واحدًا في غرفة بمنزل عائلة غاندي، وسرعان ما حملت زوجته. بعد عامين من زواجه مرض والد غاندي مرضًا شديدًا، وبينما هو يحتضر كان غاندي يمارس الجنس مع زوجته، وبعدما علم بأن والده كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وحده، شعر غاندي بالذنب لأنه لم يكن إلى جانبه، وملأه الاشمئزاز لاحقًا نحو ممارسة الجنس لارتباطها بوفاة والده، أو ربما كان ذلك مبررًا فقط، وبالفعل لم ينجب غاندي وزوجته، إلا بعد 15 عامًا من تلك الحادثة، وذلك وفقًا لكتاب «غاندي: الطموح العاري».

قال غاندي عن زوجته في فترة مرضها: «أنا ببساطة لا يمكنني النظر إلى وجهها (…) هي تشبه البقرة، تمنحني إحساسًا بأنها بقرة، وتقول أشياء غبية». وقد انتشر الحديث عن موقف غاندي عندما مرضت زوجته بالتهاب رئوي، وبعد تشخيص الأطباء لها وبدء خطة العلاج، رفض غاندي إعطاءها الدواء واعتبر أنه مادة غريبة لا ينبغي أن تدخل جسدها؛ حتى استسلمت زوجته وتوفيت عام 1944، وبعد أن أدرك غاندي الخطأ الذي ارتكبه، أصابته الملاريا؛ فامتثل لأوامر الأطباء وتناول علاجه.

آراء «غريبة» عن الجنس والنساء

انتهي الأمر بأن أصبحت سلوكيات غاندي تجاه النساء غريبة وموصومة. وكتبت ريتا بانيرجي الناشطة الهندية عن الخداع الغاندي في كتابها «الجنس والقوة: تشكيل تاريخ المجتمعات»، وناقشت فيه النظرة التاريخية والاجتماعية حول كيف أدت العلاقة بين «الجندر» والسلطة في الهند إلى التوجه الجنسي المستمر حتى اليوم نحو النساء.

كتبت ريتا أن الجنس والرغبة الجنسية في رأي غاندي كانا خطايا، والحديث عنهما من واردات الغرب القذرة التي يجب تجنبها حتى لا تفسد شباب الهند وثقافته. وقد علق جاواهار لال نهرو، أول رئيس وزراء مستقل للهند، بأن تصريحات المهاتما غاندي حول الجنس كانت «غير عادية، وغير طبيعية. ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى الإحباط، والعصاب، وكل الأمراض الجسدية والعصبية، ولا أعلم لماذا هو مهووس بالجنس إلى هذه الدرجة».

Embed from Getty Images

المهاتما غاندي في منزله بنيودلهي.

ودعى غاندي للامتناع عن اتباع الرغبة الجنسية كشكل من أشكال التثقيف الذاتي، أو ما أطلق عليه مارتن لوثر «جحيم التبتل»، وكان يسأل النساء من أتباعه أن ينذرن أنفسهن للعزوبة مدى الحياة، ونصح الأزواج ألا تجمعهما غرفة واحدة، إلا إذا كانوا ينوون إنجاب طفل.

ورغم ذلك ربما قام غاندي بانتهاك ما وعظ به، وأساء جنسيًا لفتيات في رعايته؛ فقد أشيع عنه نومه عاريًا مع مراهقات من بنات أتباعه، وادعى أن هذه هي طريقه لاختبار قوته وقدرته على الامتناع، وكانت واحدة من تلك الفتيات هي ابنة أخيه الأكبر. وقد أفصحت بعض الفتيات عن ذلك الأمر في يومياتهن، وحكين عن استغلالهن جنسيًا، مثل بريما كانتاك في مذكراتها «حلم»، التي حكت فيها كيف كانت فتاة صغيرة في أحضان غاندي.

«الإيكونومست»: الهند قارة أم دولة؟

علاقة «مشبوهة» مع يهودي ألماني

أصدرت دار المحفوظات الوطنية في نيودلهي في عام 2013 مجموعة من الرسائل بين غاندي وصديقه المهندس الألماني هيرمان كالينباخ، والذي تعرف عليه في جنوب أفريقيا. وكانت هذه الرسائل سببًا في عناوين تصدرت الصحف العالمية بأن غاندي مثلي الجنس؛ بسبب بعض العبارات الحميمية في الخطابات، ولكن لم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها مثل هذا الحديث بحق غاندي وصديقه؛ فقد كان المؤرخ أندرو روبرتس قد تكهن قبل ذلك بهذه العلاقة بين الاثنين، وأعاد علاقتهما الجسدية لما قبل الحرب العالمية الأولى، بناءًا على أدلة خطية.

Embed from Getty Images

تمثال غاندي في لندن.

ألف جوزيف ليلدفيلد كتاب «الروح الكبرى: المهاتما غاندي وصراعه مع الهند»، وليلدفيلد هو كاتب لدى صحيفة «نيويورك تايمز»، وكان مراسلها في الهند وجنوب أفريقيا، وحائز على جائزة «بوليتزر» في الكتابة غير الخيالية. وكتب ليلدفيلد في كتابه أنه بين عامي 1908 و1910 هجر غاندي زوجته ليبقى مع صديقه الألماني هيرمان كالينباتش، وأوضح ليلدفيلد أنه لو لم يكن غاندي مثلي الجنس، فهو يشتهي ذلك؛ فقد كتب غاندي في أحد خطاباته لهيرمان: «أنت تمتلك جسدي بشكل كامل».

هجر غاندي زوجته ليعيش في منزل صديقه الألماني في جوهانسبرج لفترة، وأهداه صديقه مساحة 1100 فدان، والتي أصبحت بعد ذلك مزرعتهما في عام 1910. وكتب ليلدفيلد أنه وفقًا لزوجة غاندي فقد مارس غاندي الجنس مع الذكور والإناث، ولكن شعوره بالرفض من الرجال أرهقه كثيرًا، وتعهد بأنه لن يكرر ذلك أبدًا. وكان رد غاندي على ذلك الرفض قويًا، وكمثال على رغبته في الانتقام، قام غاندي في ثلاثينات القرن العشرين بمحو كل آثار اشتهاء الذكور لبعضهم جنسيًا من كل المعابد الهندية القديمة في خلال حملته المنظمة لـ«التطهير الجنسي».

وكتب جوزيف ليلدفيلد في كتابه: «في عصر لا يكتسب فيه مفهوم الحب الأفلاطوني مصداقية كبيرة، يمكنك الشعور بمدى حبهما ورومانسيتهما بين الحروف، ويسمون بعضهما بأسماء حيوانات أليفة للتدليل على علاقتهما الحميمية»، ولكن ظهرت قسوة ما مر به غاندي في علاقته بصديقه الألماني عندما كتب غاندي: « كانت تجربة مهينة وقذرة وعذبتني، كانت علاقة ممزقة، تم لفظي منها كأنما الله قد أخرجني من جنته الخيالية».

الهند التي لا تعرفها.. بها 720 لغة و9 أديان وروائع أخرى غير تاج محل

 

المصادر

تحميل المزيد