ميرفت عوف

3

ميرفت عوف

3

2,321

في مارس (آذار) الماضي، قال الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»: إن بلاده، وبعد التورط في دعم الانقلاب العسكري في الأرجنتين عام 1976، «تعلمت الدرس من أخطاء الماضي»، محاولًا خلال زيارته للأرجنتين، طمأنة دول أمريكا اللاتينية، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تعد الدولة نفسها التي دبرت انقلابات بالجملة في دول مختلفة بالقارة.

بعد شهر واحد من هذه الطمأنة، كُشف النقاب عن دور الولايات المتحدة الأمريكية، في دعم الإطاحة برئيسة البرازيل المعزولة، «ديلما روسيف»، ليتضح حقيقة عدم نأي الولايات المتحدة عن التدخل في شئون القارة الجارة الجنوبية. هذا التدخل بدأ إبان فترة الحرب الباردة، وبذلك تستمر في موجة جديدة من الانقلابات المدبرة داخل القارة اللاتينية، وساعدها على ذلك، انتهازها للأزمة المالية التي ضربت دولًا بأمريكا الجنوبية.

دول تدعم الولايات المتحدة الانقلابات فيها حتى اليوم

البرازيل

لأنه «شيوعي صريح»، كما اتهمته «المخابرات المركزية الأمريكية»، عملت الولايات المتحدة، عام 1963 على الإطاحة بـ«خواو غولارت»، الرئيس البرازيلي آنذاك، والعضو في «حزب العمال» البرازيلي.

حدث ذلك بعد سلسلة من الأحداث، تولى أمر إدارتها قائد أركان الجيش البرازيلي، «أومبرتو كاستيلو برانكو». وحصل الجيش البرازيلي على دعم كافٍ من الولايات المتحدة الأمريكية؛ للإطاحة بغولارت؛ إذ كانت الولايات المتحدة تخشى من أن تتحول البرازيل إلى «صين الستينيات»، كما قال السفير الأمريكي «لينكولن جوردون».

اعترفت وكالة الاستخبارات الأمريكية، أنها مولت التظاهرات في شوارع البرازيل ضد الحكومة، وأنها قدمت الوقود والأسلحة للجيش البرازيلي؛ كي يتمكن من حسم المعركة، ثم تولي زمام حكم البرازيل حتى عام 1985. حين ذاك، قال الرئيس الأمريكي «ليندون جونسون»، لمستشاريه الذين كانوا يخططون للانقلاب «أعتقد أننا يجب أن نأخذ كل خطوة ممكنة، وأن نكون مستعدين للقيام بكل ما يتعين علينا القيام به»، وذلك وفق سجلات الحكومة الأمريكية، من أرشيف الأمن القومي، التي رفع عنها السرية.

وحول ما حدث في 17 أبريل (نيسان) الماضي، عندما قرر مجلس الشيوخ البرازيلي عزل «ديلما روسيف»، كان الأمر أشبه بانقلابٍ ناعم، أنهى حكم «حزب العمال اليساري»، المستمر منذ 13 عامًا. وقد دُعمت حملة إزاحتها عن السلطة، من قبل «الصندوق الوطني للديمقراطية» الأمريكي، وكذا «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية»، كما وقفت وراءها شركات «وول ستريت» المالية؛ إذ دخلت هذه المؤسسات من باب الأزمة الاقتصادية للبرازيل، ولكي تعمل على فتح الطريق أمام الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات، لشراء الشركات الحكومية البرازيلية.

فروسيف الذي عملت على خلق إبداعٍ اشتراكي جديد، يخالف خط الولايات المتحدة، كان مصيرها غير بعيد عن قراءات المراقبين؛ إذ أحدثت ما يشبه الانقلابات السياسية، بالاقتراب من قوى دولية ضد الاحتكار الأمريكي، فانضمت لمجموعة «بريكس» مع «روسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا»، تلك المجموعة التي تعمل على كسر الهيمنة الأمريكية، على الاقتصاد العالمي .لذلك عقبت روسيف، التي اعتادت انتقاد السياسة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين قائلة «إنهم يتآمرون الآن علنًا، وفي وضح النهار؛ لزعزعة استقرار رئيسة منتخبة بطريقة شرعية«.

فنزويلا

في العام 1998، تمكن الرئيس الفنزويلي «هوجو تشافيز»، من الوصول إلى الحكم، بحصوله على أغلبية ساحقة من الأصوات الانتخابية، ومباشرة، بعد توليه السلطة، بدأ اليساري ـ تشافيز ـ في العمل على إحداث تغيرات جذرية في فنزويلا، أبرزها تعلق بفرض قانون جديد للبترول، نص على «مضاعفة النسبة المطلوبة من شركات البترول الأجنبية في فنزويلا»، والتي هي في غالبيتها شركات أمريكية؛ لتصبح فنزويلا في المرتبة الثالثة من حيث اعتماد الولايات المتحدة عليها في استيراد البترول، عام 2002.

وسياسيًا، نال تشافيز من الولايات المتحدة الأمريكية، التي وصف سياساتها بـ«الإمبريالية الفاضحة»، وهو ما لم يرق للولايات المتحدة، لذلك عملت حكومتها آنذاك (الرئيس جورج بوش ووزير دفاعه رامسفيلد)، على تأليب الطبقة المتوسطة في فنزويلا على تشافيز، ودعمت ضباط الجيش الفنزويلي المعارضين له.

بدأت الخطة بإضراب في شركة بترول فنزويلا، التي يعتمد عليها تشافيز بشكل أساسي، ثُمّ انقلاب من قبل ضباط في الجيش، لكن تشافيز، الذي جرى اعتقاله، استطاع التواصل مع ضباط في الجيش موالين له، ومن ثمّ تشغيل شركة بترول فنزويلّا، وأخيرًا العودة إلى منصبه من جديد، بعد 73 ساعة فقط.

ولأن الولايات المتحدة لم تصفح عن فنزويلا، والرئيس اليساري الحالي «نيكولاس مادورو»، فقد أعلن الأخير في فبراير (شباط) الماضي، عن محاولة انقلابية يقف وراءها عدد من ضباط سلاح الجو، كانوا ينوون مهاجمة بعض النقاط الاستراتيجية في العاصمة «كاراكاس» بواسطة طائرة حربية.

واتهم مادورو الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف وراء هذه المحاولة، وتحديدًا، كما قال «مجلس في السفارة الأمريكية هو من كلف بوضع سيناريو الانقلاب». ولا يزال مادورو، حسب ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، قبل أيام «مُعرّضًا لانقلاب عسكري»؛ إذ نقلت الصحيفة عن المسئولين الاستخباراتيين الأمريكيين القول، إنّه «من الممكن أن يُقال من منصبه، سواء في انقلاب داخل قصره، يقوده مساعدون مقربون منه، أو حتى في انقلاب عسكري».

الأرجنتين

قبل أربعين عامًا، دعمت الولايات المتحدة انقلابًا عسكريًا، أدى إلى إبادة جماعية في الأرجنتين: كان ذلك في 24 مارس (آذار) عام 1976، عندما استولى العسكر بقيادة الجنرال «جورج رافائيل فيديلا»، على السلطة، بعد إطاحته بالرئيس الأرجنتيني «إيزابيل بيرون».

استمر هذا الانقلاب حتى 1983، مُتسببًا في مقتل نحو 30 ألف شخص، وزُجّ خلاله بالآلاف من الأرجنتينيين في السجون، دون محاكمات، وتعرضوا للتعذيب، وقد عُرفت هذه الفترة باسم «الحرب القذرة».

ورغم وفاة فيديلا، عام 2013، أثناء قضائه عقوبته في السجن؛ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن الأرجنتين كانت، ومازالت، تسلط جل غضبها على الولايات المتحدة الأمريكية، التي دعمت انقلابه.

لم تترك الولايات المتحدة الأرجنتين في حالها، وهي (الأرجنتين) الدولة التي تعد نقطة ارتكاز مهمة لفتح آفاق التعاون السياسي والأمني مع «أمريكا اللاتينية»، إلا بعد فوز «موريسيو ماكري»، مرشح يمين الوسط، في الانتخابات الرئاسية الأرجنتينية العام الماضي؛ إذ إن فوزه يعني بالنسبة لأمريكا، إنهاء 12 عامًا من تاريخ حكم الأحزاب اليسارية.

ويعتبر البعض أن فوز «موريسيو ماكري» بمثابة انقلابٍ ناعمٍ هو الآخر؛ إذ تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية، من إزاحة الرئيسة الأرجنتينية «كريستينا كوشنر»، في انتخابات قادها الإعلام الأمريكي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فكوشنر أعلنت انحيازها للشعوب المقهورة على منبر الأمم المتحدة، واتهمت الولايات المتحدة بدعم الإرهاب، بينما جعل ماكري تطوير العلاقات الأرجنتينية الأمريكية ضمن أهدافه الرئيسة.

إعادة إنتاج الانقلاب.. بنعومة

لم تتوان الولايات المتحدة الأمريكية عن استخدام سياسة «العصا الغليظة» مع دول أمريكا اللاتينية؛ لتتدخل في الشئون الداخلية لهذه الدول، بشكل واضح؛ بهدف إلجام السياسيات المناوئة لها.

وتنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها ساحة للاستثمارات الأمريكية؛ لذلك حرصت على تكريس نمط التبعية الاقتصادية لها.

يقول الباحث المتخصص في شئون أمريكا اللاتينية، ومدير المرصد الإلكتروني لأمريكا اللاتينية «محسن منجيد»، إن «الظرفية الاقتصادية الإيجابية، التي طبعت مطلع الألفية الثالثة في أمريكا اللاتينية، ساهمت في تزايد عدد الحكومات اليسارية، وظهور قوى فاعلة قاريًا وعالميًا، إلى جانب ظهور تحرر من الغطاء الأمريكي على مستوى اتخاذ قرارات السياسة الخارجية في المنطقة».

ووفقًا لـ«منجيد» في حديثه لـ«ساسة بوست»، فإن هذه العوامل مجتمعة «لا تخدم مصالح الزعامة العالمية الأمريكية؛ فواشنطن تتدخل في مناطق عدة من العالم؛ لمواجهة مثل هذه العوامل في منطقة تشكل امتدادًا جغرافيًا حيويًا لزعامتهًا. ويوضح منجيد أن «تحركات فنزويلا والبرازيل، شكلت نموذجًا للتغيرات الجيوسياسية، التي لا تتناسب مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن. ذلك أن تزايد نفوذ فنزويلا في أمريكا اللاتينية، سهل تأسيس محور اشتراكي معاد للولايات المتحدة؛ إذ تمكن الرئيس السابق «هوغو شافيز» من إنشاء التحالف «البوليفاري» لشعوب أمريكا، والمعروف اختصارًا بالألبا «ALBA».

كما أن البرازيل أصبحت من القوى الصاعدة ضمن مجموعة «البريكس»، وتنادي بنظام عالمي متعدد الأقطاب، وبمقعد دائم داخل مجلس الأمن الدولي. وبفضل الدبلوماسية النشيطة للرئيس السابق «لولا داسيلفا»، تم تقوية علاقات التعاون «جنوب – جنوب»، من خلال تنظيم قمم «أمريكا الجنوبية – العالم العربي»، و«أمريكا الجنوبية- إفريقيا»، وهما مبادرتان حاولت واشنطن احتواءهما منذ انطلاقتيهما؛ خوفًا من تحولهما إلى محورين لتغذية النزعة العدائية تجاهها.

ويتابع منجيد «لا يخفى على أحد محاولات واشنطن لتغيير نظام هوغو شافيز في (كراكاس)، لكن التدهور الحالي لاقتصاد فنزويلا؛ بسبب تراجع أسعار النفط، وضعف القيادة «الكاريزمية» للرئيس الحالي، شكلا فرصة جديدة أمام واشنطن؛ لإعلان مباركتها للمعارضة، كبديل سياسي في فنزويلا».

ويستدرك منجيد القول «كانت الخيوط الظاهرة للانقلاب المؤسساتي على رئيسة البرازيل ديلما روسيف، لا تكشف عن وجود تدخل مباشر للولايات المتحدة في الوقت الراهن، لكن الأكيد أن واشنطن لن تسمح لأية دولة منفردة من السيطرة على مجال (جيوسياسي)، يمكن أن يشكل تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية، كما أن تغيير الحكومات اليسارية بأخرى يمينية في أمريكا اللاتينية سيعيد الاستقرار إلى موازين القوى في المنطقة».

تعليقات الفيسبوك