أحمد الدباغ 15
أحمد الدباغ 15

«إنها دوامة الأربع سنوات التي ابتلي العراق بها منذ 15 عامًا»، كانت هذه الجملة التي أجاب بها أحد مواطني مدينة بغداد وسام يوسف «ساسة بوست» عند سؤاله عن الانتخابات العراقية المقبلة، حيث وصفها بأنها كابوس يأتي كل أربع سنوات ويتمنى أن ينتهي بسرعة، كانت الحكومة العراقية قد أقرت إجراء الانتخابات التشريعية على مستوى مجلس النواب ومجالس المحافظات في 12 من مايو (أيار) المقبل، لكن الإعلان عن هذا الموعد ليس حتميًا في نظر الكثير من السياسين العراقيين، حيث بدأت الأصوات التي تطالب بضرورة تأجيلها وعدم إمكانية إجرائها في الموعد المحدد، الأسطر التالية تقرأ في حيثيات إجراء الانتخابات المقبلة في موعدها أو تأجيلها ومصلحة الكتل السياسية العراقية من وراء ذلك.

ما احتمالات تأجيل الانتخابات وفي مصلحة من سيصب ذلك؟

تختلف الكتل السياسية العراقية فيما بينها هذه الأيام في إمكانية تأجيل الانتخابات المقبلة، ولكل كتلة رأيها ومبرراتها في المطالبة بتأجيل الانتخابات من عدمه، حيث تصر كل كتلة على موقفها نظرًا للمصالح السياسية والمكاسب التي ستجنيها في الحالتين.

موقف التحالف الوطني من تأجيل الانتخابات

تقول النائبة في البرلمان العراقي عواطف نعمة عن كتلة دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي لـ«ساسة بوست»، إن الانتخابات المقبلة ستجري في موعدها المحدد في مايو (أيار) المقبل وإن الحكومة جادة في إجرائها في الموعد الذي أقره مجلس النواب، وفيما يتعلق بدعوة تحالف القوى العراقية الممثل عن «السّنة» إلى تأجيلها تضيف نعمة أن تحالف القوى يطالب بتأجيل الانتخابات ستة أشهر بذريعة النازحين، وترى نعمة أن الحكومة تعمل على تأمين عودة النازحين من خلال صندوق إعمار المناطق المحررة.

وعن السبب الحقيقي من وجهة نظرها من مطالبة تحالف القوى بتأجيل الانتخابات أوضحت نعمة أن حجة التحالف تكمن في أن ناخبيهم لن ينتخبوهم بسبب النزوح عن مناطقهم، وتجيب نعمة عن دعوة تحالف القوى بأنه ليس مضمونًا أن جمهور التحالف الوطني (الممثل عن الشيعة) سينتخب التحالف في الانتخابات المقبلة، وبالتالي ترى أنه لا داعي لتأجيلها ودخول البلاد في حالة من الفراغ الدستوري.

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي

ما رأي الأكراد في تأجيل الانتخابات.. وهل توجد مصلحة من ذلك؟

كحال الكتل السياسية المختلفة، للأكراد رأي في تأجيل الانتخابات من عدمه، وفي هذا الصدد تقول النائب في البرلمان العراقي عن كتلة التغيير المنضوية ضمن التحالف الكردستاني سروة عبد الواحد لـ«ساسة بوست» إن عددًا من الأحزاب السنية تدعو إلى تأجيل الانتخابات بدعوى أن مناطقهم ما زالت مهددة إضافة إلى النازحين الذي يفوق عددهم مليون نازح في إقليم كردستان.

وتضيف سروة عبد الواحد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البرزاني قد طالب أيضًا بتأجيل الانتخابات، وترى عبد الواحد إن إجراء أسوأ انتخابات أفضل من تأجيلها، ذلك أن الالتزام بالتوقيتات الدستورية أمر مهم للغاية ولا بد منه،  وتضيف أن أطرافًا في الأحزاب الشيعية أيضًا تريد تأجيل الانتخابات لكنهم لا يعلنون ذلك صراحة، وترى أنه فيما لو تم التصويت على تأجيل الانتخابات في البرلمان بشكل سري فإن العديد من القوى ستصوت لصالح التأجيل، على حد قولها.

وعن المستفيد من تأجيل الانتخابات تضيف أن الطبقة الحالية ستتحقق لها الاستفادة من تأجيل الانتخابات للحفاظ على مكاسبها إلى حين ترتيب أوراقها الداخلية. وعن الموعد النهائي لاحتمال إعلان تأجيل الانتخابات من عدمه أوضحت سروة عبد الواحد أنه لا بد من حسم هذا الملف خلال شهر من الآن وإعلان ذلك صراحة إضافة إلى حسم ملف قانون الانتخابات الذي بدونه لن تُجرى أي انتخابات.

Embed from Getty Images
اجتماع مجلس النواب العراقي للتصويت على الحكومة في 2014

رأي المحللين السياسيين قد يختلف بعض الشيء، يقول المحلل السياسي الدكتور علي  أغوان لـ«ساسة بوست» إنه على الرغم من الحديث المتواصل عن تأجيل الانتخابات إلا أنها ستقام في موعدها.

ويضيف أغوان أنه في حال أجلت فليس لأكثر من شهر واحد كحد أقصى ربما تكون لأسباب لوجستية تتعلق بالمفوضية العليا للانتخابات، وفيما يخص الموقف الأمريكي يرى أغوان أن الولايات المتحدة ترغب في إجرائها في موعدها، لكن هناك عراقيل في البرلمان العراقي تكمن في إقرار الموازنة العامة للبلاد لعام 2018، والتي ترتبط ارتباطًا رئيسًا بإقرار قانون الانتخابات أو تعديله، ولهذا يمكن أن يؤجل إقرار قانون الموازنة العامة في سبيل عدم تمرير قانون الانتخابات لأجل مضاعفة فرص تأجيلها، بحسب أغوان، ويرى أغوان أن هناك دفعًا أمريكيًا وإقليميًا سياسيًا وماليًا في سبيل إجراء الانتخابات في موعدها.

وعن المستفيد من إجراء الانتخابات في موعدها يقول أغوان أن أكثر المستفيدين من إجرائها في موعدها هو رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، الذي يتمتع الآن بجماهيرية كبيرة وأن التأجيل قد ينسي الناخبين الانتصارات التي حُققت في عهده واستعادة المدن من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبالتالي فقد تتراجع شعبيته مع مرور الوقت، ونتيجة لذلك يصر العبادي على إجرائها في موعدها لاستثمار الشعبية التي يحظى بها الآن.

Embed from Getty Images
وحدات فرز وعد الأصوات في المفوضية العليا للانتخابات

وعن المناطق التي استعيدت مؤخرًا من داعش، يرى أغوان أن عقبات كبيرة تقف أمام إجراء الانتخابات في هذه المناطق بسبب أزمة النازحين وبعدهم عن مدنهم وعدم تحديث سجل الناخبين منذ أربع سنوات، حيث تتذرع بعض الكتل بهذه الأزمة في سبيل تأجيلها، بحسبه. وفي ختام حديثه لـ«ساسة بوست» يرى أغوان أن الانتخابات المقبلة ستكون حاسمة وسيتغير خلالها مسار العراق ككل.

ما موقف السنة من تأجيل الانتخابات؟

لعل السنة هم أكثر المطالبين بتأجيل الانتخابات نظرًا لما جرى في مناطقهم بسبب سيطرة تنظيم «داعش»، وفي هذا الشأن كان لـ «ساسة بوست» تواصل مع مطشر السامرائي محافظ صلاح الدين السابق والنائب المستقيل في مجلس النواب العراقي عن تحالف القوى العراقية الممثل للسنة، حيث قال إن تحالف القوى العراقية يذهب إلى ضرورة التأجيل، ذلك أن القوانين الخاصة بالانتخابات لم تقر حتى الآن، وأن هذه القوانين لم يبت فيها حتى اللحظة، ويضيف السامرائي أن الحكومة العراقية وضعت فيما سبق شروطًا ثلاثة لإجراء الانتخابات وهي حصر السلاح بيد الدولة وعودة النازحين وتعويض المناطق المتضررة ويرى السامرائي أن الحكومة لم تباشر بهذه الملفات بصورة جدية.

Embed from Getty Images
رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري مع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم

وعن النازحين وكيفية انتخابهم يتساءل السامرائي أن النازح الذي يجلس في خيمة كيف له أن ينتخب؟ فضلًا عن أن كثيرًا من النازحين لا يعلمون مصير عوائلهم المفقودة في الموصل، إضافة إلى أنهم أي النازحين، يمنعون في بعض الأحيان من العودة إلى مناطقهم، بحسبه، وعن تحديث سجل الناخبين وتسجيل من يستحق المشاركة في الانتخابات يرى السامرائي أن القوانين المعمول بها حاليًا لم تحدد حتى اللحظة عدد أعضاء البرلمان الذين سينتخبون، حيث إن الدستور العراقي ينص على أنه لكل 100 ألف عراقي ممثل في البرلمان وبالتالي لا يعلم حتى اللحظة كم سيكون عدد أعضاء مجلس النواب بعد الزيادة السكانية التي شهدها العراق خلال السنوات الأربع الماضية.

ويضيف السامرائي أن كل هذه الأسئلة لم يجب عنها البرلمان، وهنا تكمن ضرورة تأجيل الانتخابات ستة أشهر على أقل تقدير، من وجهة نظره.

وعن الميول الأمريكية في مسألة إجراء الانتخابات من عدمه، يقول السامرائي إن السياسات المستشفة من تصريحات المسؤولين الأمريكيين تدعم العبادي في إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وبالتالي لا يمكن التعويل على التحليلات التي تظهر على وسائل الإعلام التي تدعي أن الأمريكيين يرغبون في تأجيلها.

من جهته  يرى الناشط السياسي عمر سالم الذي تحدث لـ«ساسة بوست» أن تأجيل الانتخابات كان غاية كل من المالكي والعبادي (قطبا حزب الدعوة في العراق) لفترة سابقة، لكن بعد أن عدلت المفوضية من تعليماتها التي سمحت بدخول الحزب الواحد ضمن قائمتين منفصلتين، بات كل منهما يصر على إجرائها في موعدها، وأضاف سالم أن البعض يرى أن من مصلحة العبادي تأجيل الانتخابات حتى لو ظهر للعلن عكس ذلك، وأرجع سالم ذلك إلى أنه في حال انتهاء مهمة مجلس النواب فإن العبادي سيجمع بذلك بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

الكاتب والمحلل السياسي العراقي الذي يقيم في الولايات المتحدة فواز الفواز قال في منشور على صفحته على فيسبوك: «إن من مصلحة أمريكا في العراق تأجيل الانتخابات لأشهر عدة، ثم تنظر بعدها في الموضوع، وعلى الأرجح هناك تأجيل ثان وثالث، وهذه التأجيلات اللاحقة تحددها المتغيرات التي ستظهر على الساحة الإيرانية».

وأضاف الفواز أن الولايات المتحدة لن تترك العراق لإيران وستعمل على تأجيل الانتخابات لضمان استكمال تحقيق المصلحة التامة لها في العراق، وعن العبادي وإصراره على إجراء الانتخابات في موعدها أوضح الفواز أنه حتى هذه اللحظة لم يتحالف العبادي أو يعلن تحالفًا خاصًا به لأجل خوض الانتخابات المقبلة، حيث إن كل ما قدمه العبادي لا يخرج عن كونه إصرارًا إعلاميًا على إجراء الانتخابات في موعدها فقط دون أن يتخذ أي خطوة حزبية في سبيل ذلك، ما يطرح تساؤلات عدة، بحسب الفواز.

وما بين التحليلات والتحليلات المضادة، يظل الشارع العراقي منتظرًا حسم هذا الملف الذي كلما طال أمده، استمر خوف العراقيين من تصعيد أمني قد يرافق السجال السياسي المحتدم.

تعليقات الفيسبوك