انتقل أبو ورد الذي كان يعيش في خيمة قماشية مهترئة تفتقر لأدنى أساسيات الحياة إلى منزل أسمنتي مخدم بشكل جيد، وفيه غرفتين وحمام ومطبخ مع كهرباء وماء، حيث تجري حركة عمرانية كبيرة في مناطق المعارضة السورية، بهدف تحويل المخيمات القماشية إلى منازل صالحة للعيش تقيهم برد الشتاء وحر الصيف.

مئات المخيمات ومئات الآلاف من النازحين ينتظرون دورهم في الحصول على منزل أسمنتي بدلًا عن الخيمة المهترئة، وأصبحت حلمًا ربما يكون قريب المنال لكل النازحين، ما طرح تساؤلات حقيقية وجوهرية، هل وضعت الحرب أوزارها؟ وهل يعني ذلك أنه لا عودة قريبة للمهجرين من مدنهم وقراهم إلى منازلهم التي خرجوا منها بعد سيطرة النظام السوري عليها؟ أسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذا التقرير، حتى نفهم مواقف الجميع مما يحدث حاليًا في مناطق سيطرة المعارضة السورية في شمال غرب سوريا، وهل ما يحدث له ما بعده؟

خيمة مزعجة.. وأُمنية بسقف يحمينا

ربما كان الفلسطيني الذي فر من الاحتلال الإسرائيلي مثالًا مناسبًا لما سنتحدث عنه، فقد سكنوا في مخيمات عديدة في الأردن وسوريا ولبنان وغيرها، كانت في البداية مجرد خيام قماشية، ومن ثم مع السنوات تحولت لمنازل أسمنتية، وأصبح لهم في هذه المخيمات مشافي ومدارس ومحلات تجارية وغيرها، وتحولت العديد منها لأحياء مثل مخيم اليرموك بدمشق، أو مخيم البقعة في عمان، أو مخيم برج البراجنة في بيروت، وغيرها الكثير.

Embed from Getty Images

مع الوقت تصبح الخيمة مزعجة للغاية، ويصبح حلم العودة هو الوحيد الذي يداعب المخيلة، ومع السنوات الطويلة سيتغير هذا الحلم ليتحول لذكرى عن رائحة القرية والمنزل، وتصبح الأمنية الباقية الوحيدة أن يترك العيش في خيمة قماشية تفوح منها رائحة الذل إلى منزل يقيه وعائلته من البرد والحر.

أبو ورد الذي نزح مع عائلته من مدينة معرة النعمان في شهر يناير (كانون الثاني) 2020 بعد سقوطها بيد النظام السوري، يقول لـ«ساسة بوست» «عندما خرجت من منزلي في المعرة تركت فيه كل شيء من أثاث ومعدات كهربائية وغيرها، وقتها كانت كل المخيمات ممتلئة لآخرها، فوجدت عائلات افترشت المزارع ففعلت مثلهم، وبسرعة كبيرة امتلأت المزرعة التي كنت فيها».

يضيف أبو ورد «بعد يومين أتى صاحب المزرعة وأراد أن يطردنا أو ندفع له أجرة البقاء، فقمنا بجمع المبلغ الذي طلبه وهو 400 دولار بالسنة، وكنا في بداية فصل الشتاء ولم نكن نملك خيمة، وصنعناها من البطانيات وبعض الحبال، وبعد مرور ثلاثة أسابيع تقريبًا، حصلنا على الخيمة التي كانت في ذلك الوقت حلمي البسيط».

يتابع «الأن أنا أسكن في مخيم كل المنازل فيه مصنوعة من الطوب والإسمنت في قرية الزوف بريف إدلب الغربي، أشعر ببعض الراحة والأمان بعد أشهر طويلة من الذل، ولكن ما زالت أريد العودة لبيتي في المعرة». قصة أبو ورد ليست فريدة من نوعها، بل هناك مئات الآلاف ممن مر بمثلها أو أقسى منها بكثير، ولكن في المجمل أماني النازحين الآن محصورة في بيت يقيهم عذاب الغرق بماء الأمطار، مع علمهم أن حلم العودة يبدو كأنه قد أصبح صعب المنال، وأمنية أخرى هي كل ما يريده كل المدنيين، ألا يضطروا لنزوح جديد في حال قرر الأسد وروسيا شن عملية عسكرية أخرى في المنطقة.

قد يكون السؤال في هذا الأمر غير منطقي، ولكننا توجهنا في «ساسة بوست» بالسؤال لعدد من النازحين القاطنين في خيم قماشية، وعن موقفهم من العيش في المنازل الإسمنتية، فكان جميعهم بلا استثناء يرغبون في العيش بواحدة منها، ولكنهم يستدركون القول إنهم يرغبون بالعودة لمدنهم وقراهم، يقول مهند لـ«ساسة بوست» وهو أب لخمسة أطفال «عيشة الخيمة فيها ذل مابعده ذل، يا ريت أقدر أعيش ببيت فيه سقف وحيطان، بس والله عندي بيتي بالضيعة بكل قصور الأرض، يا رب أرجع وما بدي لا قصور ولا شي».

الغالبية العظمى من النازحين في شمال غرب سوريا، يرفضون العودة لمنازلهم بسبب سيطرة النظام السوري على مناطقهم، وذلك لأنهم مطلوبين أمنيًا أو مطلوبين للخدمة الإلزامية في جيش النظام السوري، ومع أن النظام وروسيا يدعون السوريين في الداخل والخارج للعودة في كل مناسبة إلا أن الاستجابة ضعيفة.

فمثلًا مدن مثل معرة النعمان وخان شيخون وكفرنبل وغيرها العشرات، كانت تعج بالحياة قبل سقوطها بيد النظام السوري، والآن هي عبارة عن مدن أشباح؛ خاوية إلا من جنود النظام الذين يقومون بسرقة كل شيء من منازل المدنيين، وعودة النازحين إليها في هذا الوضع أصبح مستحيلًا.

من الذي يدعم الحركة العمرانية الجديدة؟

مشاكل كثيرة تواجه النازحين في شمال غرب سوريا، وهو ما تحاول العديد من المنظمات والهيئات الإنسانية حلها، في حين تعجز الدول عن وضع حد للمُسبب لهذه المشاكل، ففي إدلب يذوق النازحين برد الشتاء، بينما تجري المياه من بين الخيام ومن تحتها.

بحثنا عن الجهات الداعمة وطرق وكيفية بناء البيوت الأسمنتية، من الأرض إلى البناء إلى التسليم، فوجدنا أن المجالس المحلية في المدن والبلدات هي من تقوم على تنظيم عمليات البناء الإدارية وإعطاء التصاريح لذلك، وإعطاء الأراضي لهذه المشاريع.

Embed from Getty Images

تتم عملية إختيار الأرض الصالحة لإنشاء المشروع، عن طريق إعطائها من قبل المجالس المحلية أو أن تقوم الجهة المانحة بشراء الأرض، ولكن بعد إعطاء الموافقة على بناء المخيم من قبل المجالس. تعطي المجالس المحلية موافقتها لبناء مخيم بعد دراسة الموقع بشكل جيد، وهل من الممكن تخديمه بالكهرباء والماء وفتح الطرقات إليه، وبعد الانتهاء من التخطيط والبناء والتشطيب، نصل إلى تسليم هذه الأبنية إلى العائلات التي يتم اختيارها حسب الأحقية أو الدور.

حسب فريق «منسقو استجابة سوريا» وهي منظمة تصدر أرقاما دقيقة عن الأوضاع في شمال غرب سوريا، قال إن أعداد المخيمات الكلي هو 1304 مخيمات، بينها 393 مخيمًا عشوائيًا، ويقطن في هذه المخيمات أكثر من مليون نازح.

هذه الأرقام تعني أن الطريق ما يزال طويلًا أمام النازحين، وأحلام غالبيتهم ربما تحتاج المزيد من الوقت حتى تتحقق، إذ يؤكد سارية البيطار المتطوع في منظمة «هذه حياتي»، أنه من خلال الدعم الذي تتلقاه المنظمات والهيئات فإن الأمر يحتاج أكثر من سنة لبناء بيت أسمنتي لكل نازح.

وشدد بيطار في حديثه لـ«ساسة بوست» على أن الدعم الذي تتلقاه غالبية المنظمات في شمال غرب سوريا هو من الأفراد والتبرعات والجمعيات الخيرية فقط، بينما لا تقدم الدول أي دعم حقيقي لمثل هذه المشاريع؛ لأنه في نظرها تدخل ضمن التغيير الديمغرافي.

ويضيف بيطار أن من حق اللاجئ أن يشعر ببعض الاستقرار، خاصة أن «الأزمة» السورية قد طالت كثيرًا، ولا يوجد بادرة أمل للحل ولعودة النازحين، وعن إمكانية قيام الأسد وروسيا بعملية عسكرية في إدلب قد تأتي على هذه المنازل الأسمنتية، يقول بيطار إن المنظمات متجهة لإتمام بناء المنازل، وقضية القصف او العمليات العسكرية نتركها لرجال السياسة والعسكر، ونحن ماضون في هذا المسار حتى الانتهاء من آخر خيمة قماشية في المنطقة، بغض النظر عن المستقبل وما يخبئه.

عدد الجمعيات والمنظمات التي تقوم بمثل هذه المشاريع كبير، ويصعب إحصائهم في تقرير سريع، ولكن المؤكد أن هناك جمعيات تركية وكويتية وقطرية وعدد آخر محلي، كما أن هناك أفرادًا يتبرعون ببناء قرى كاملة خاصة من أبناء دول الخليج العربي.

قام الـ«يوتيوبر» الكويتي المشهور والمختص في الألعاب الإلكترونية «أبوفلة» بحملة تهدف لبناء منازل للنازحين في منطقة درع الفرات بريف حلب، إذ جمعت حملته قرابة الـ30 ألف دينار كويتي لبناء 100 منزل، إذ يعتبر أبوفلة مثالًا واضحًا لكيف يتم جمع هذه التبرعات لعمل المشاريع في سوريا، وكذلك الأمر في تركيا، فقد تبرع الرئيس التركي لبناء 50 منزلًا في إدلب ودعا مواطنيه إلى التبرع أيضًا.

الرصاص يخترق التهدئة.. ما هو الوضع العسكري في إدلب الآن؟

قد يكون اتفاق تمديد الهدنة في إدلب الذي تم بعد توافق بين الدول الضامنة خلال اجتماعات «أستانة 15»، أهم خبر ينتظره النازحون في إدلب، فهو مفرح من ناحية ومحزن من ناحية أخرى، فلا عمليات عسكرية في الوقت المنظور، وأيضًا لا عودة قريبة إلى منازلهم التي هجروا منها، ولكن هل حقا تتجه الأمور للهدوء؟.

يعتقد الإعلامي السوري أحمد نور الرسلان، وهو مدير تحرير في «شبكة شام الإخبارية» أن لا عمليات عسكرية ستشهدها إدلب في الوقت القريب على أقل تقدير، خاصة مع التواجد العسكري الكبير للجيش التركي في المنطقة. يضيف الرسلان في حديثه لـ«ساسة بوست» «القصف اليومي المتبادل بين فصائل المعارضة وقوات النظام السوري، يأتي ضمن الرد على الخروقات التي يقوم بها الأخير على ريف إدلب الجنوبي، فمدفعية النظام تقوم بقصف البلدات والقرى بشكل مستمر».

ويؤكد الرسلان أن «هدف النظام من مواصلة قصف البلدات والقرى الجنوبية، على الرغم من أنها تعتبر خرقًا واضحًا لإتفاق التهدئة، هو عدم السماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم، لأن توقف القصف يعني عودة الأمان للمنطقة، وهو ما لا يرغب به النظام، ربما لأنه يضع في حسبانه تنفيذ عمليات عسكرية في أي وقت لاحق».

أكدت روسيا وتركيا في أكثر من مناسبة أن الحلول العسكرية في إدلب انتهت، ولكن في الوقت ذاته تؤكد روسيا على مواصلة مكافحة جميع التنظيمات «الإرهابية» بما فيها «هيئة تحرير الشام»، التي تعتبر المسيطرة الفعلية على إدلب، بينما لم تهيأ الدول الضامنة لمسار أستانة (تركيا، وروسيا، وإيران) أي محاولة لخلق حقائق جديدة على الأرض.

معادلة صعبة خاصة أن التصريحات متضاربة، كما أن جميع الاتفاقيات التي وقعت فيما مضى كانت مجرد حبر على ورق، فقد خرقتها روسيا كلها، فما الذي سيمنعها من خرق الاتفاقيات الحالية مع تركيا؟.

Embed from Getty Images

يرى أحمد الرسلان أن «تركيا تعي ذلك، وهي لا تعول على الالتزام الروسي في هذا الشأن، بل تعتمد في ذلك على تواجد قواتها العسكرية في إدلب، فالقوات التركية تقوم بالرد على أي قصف تتعرض لها نقاطها بشكل سريع وقوي، ففي حال قررت روسيا شن أي عملية في إدلب، سيكون أمامها تحد صعب للغاية، فكيف يمكن لها أن تتجاوز مواقع الجيش التركي، خاصة تلك القريبة من نقاط التماس».

واعتبر الرسلان أن «تواجد القوات التركية مختلف عما كانت عليه سابقًا من خلال تواجدها في بضع نقاط عسكرية فقط، أي أن النظام وروسيا عندما شنت عملياتها العسكرية السابقة وحاصرت النقاط التركية، كانت هذه النقاط ضمن وضع لا يسمح لها بشن أي عمليات هجومية أو حتى دفاعية، لذلك تمكنت روسيا من تحييدها، أما الآن فالوضع مختلف تمامًا، فنحن نتحدث أن إدلب أصبحت فعليًا تعج بالنقاط العسكرية التركية المستعدة لأي طارئ».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد