منذ سنواتٍ يسمع العالم عن «انقسام» تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية، انقسامٌ في العاصمة واشنطن، انقسامٌ في الشارع، واحتجاجات واسعة، واحتدام بين اليمين واليسار، مما جعل البعض يستشرف بحربٍ أهليةٍ ثانية، آخرون يتنبؤون بخريفٍ أمريكي.

في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، بعد فوز الديمقراطيين بمقعدَي ولاية جورجيا بمجلس الشيوخ، وجّهَ الرئيس دونالد ترامب مجموعات مناصرة له لاقتحامِ مبنى الكونجرس، وقامت المجموعات بالتخريب والتكسير، ورفع الشعارات والعبارات العنيفة، وترديد رواية أقنعهم بها قائدهم بأنّ الانتخابات قد «سُرقت».

صدمت هذه الأحداث العالم أجمع، وكأنّ حاضر أمريكا ومستقبلها توقف لوهلة، وبدأت ذكريات الماضي تتسرب وتُخيم على خيال الناس، وبدأ البعض يستدعي ذكريات العُنف في قاعات الكونجرس، وذكريات الحرب الأهلية، وغيرها من الأحداث الدموية بتاريخ أمريكا. وعززَ تلك الرؤى، إعلان النائبة الجمهورية لورين بوبرت، استعدادها لحمل السلاح في الكونجرس.

نسرد لكم في هذا التقرير قصصًا من ذكريات العنف في قاعات الكونجرس، ذكرياتُ نائبٍ يرفعُ سكينًا في وجهِ آخر، ونائب جنوبي آخر يلقن زميله الشماليّ درسًا بعصاه على رأسه، مرات، ومرات، حتى أُخرج الشماليّ من القاعة والدم يسيل من رأسه.

Embed from Getty Images

مناصرو ترامب في إحدى باحات الكونجرس أثناء حادثة الاقتحام

المناخ العام في أمريكا قبل الحرب الأهلية

شهدت فترة ما قبل الحرب الأهلية، أكثر الفترات عنفًا في قاعات الكونجرس الأمريكي. فقد كانت تعيش أمريكا، أزمات بنيوية ومتتابعة، من أزمة طرد السُكان الأصليين والمجازر التي ارتكبتها بحقهم، إلى مسألة العبودية التي كانت نظامًا حياتيًا كاملًا، من اقتصادٍ واجتماعٍ وسياسة.

ومع بداية القرن التاسع عشر، بدأ الانقسام يتصعد في الشارع، وفي أروقة الكونجرس، مع تشكلُ قطبين أساسيين: الأول حركات مناهضة للعبودية (abolitionism) تتركز في الولايات الشمالية «شماليّون»، والثاني حركاتٌ مناهضة لإلغاء العبودية (anti-abolitionism) ومعادية للمهاجرين في الولايات الجنوبية «جنوبيون».

وكان الشارع ملتهبًا في تلك الفترة، فمن يوليو (تموز) إلى أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1835، كان هُناك قرابة الـ 109 أعمال شغب حول البلاد.

كان أحد أسباب هذا الانقسام، هو «التغير التكنولوجي» الذي تشهده أمريكا والعالم، ففي تلك الفترة اخترعت المطابع التي تعمل بالبخار، واخترع التلجراف، مما طور سوق الإعلام والصحافة، وضاعف سرعة تنقل المعلومات عبر الولايات.

رسمة تُظهر احتجاج جمعية أمريكية مناهضة للعبودية أمام مبنى الكونجرس – مصدر الصورة: كتاب حقول الدم لأستاذة التاريخ جومان فريمان

وبسبب هذا التغير؛ أشعل الإعلام الأمريكي حوادث العنف من خلال تغطيتها وتعليقه عليها، وكانت مؤسسات الإعلام آنذاك تتغذى على تمويل ومعلومات نُواب المجلس، وحتى يستمر هذا التمويل، كان لا بد للصحيفة من إخراج الخبر أو القصة لإرضاء صاحب المال.

دولي

منذ شهر
الولايات «غير المتحدة».. 5 صور من اقتحام الكونجرس تحكي لك تاريخ أمريكا وحاضرها

كانت بعض الصُحف تغطي أحداث العنف في الكونجرس وكأنّها تغطي مبارزة رومانية قديمة، ففي إحدى الصحف عام 1852 كان هنالك العنوان التالي: «تطورات مشينة في الكونجرس: مشاجرة بين براون وويلكوس على أرضية مجلس النواب».

وكان هذا تحولًا جديدًا شهده الإعلام، مختلفًا عما نظر له أحد آباء الجمهورية الأمريكية الأساسيين، جيمس ماديسون، عندما قال إنّ الإعلام فرعٌ من الحكومة، هدفه تقريب وجهات النظر، ولعب دور الرقابة، وتشبيك الناس والحكومة مع بعضهما البعض.

معارك الكونجرس الأمريكي في القرن التاسع عشر

بين فترت 1830 إلى 1840، كانت النزاعات السياسية تحدث على أسسٍ حزبية صرفة في الكونجرس، ولكن مع دخول عام 1850، أصبحت «العبودية» هي محور الصراع والنزاع بين مؤيدٍ ومعارض. وشهدت هذه الفترة معارك عديدة بين النُواب في قاعات الكونجرس

لم يكنُ العنف في الكونجرس، نتاجًا لسلوكِ فردٍ أو جماعة، وإنّما نتاج للانقسام على مختلف المستويات، وأهمها الانقسام الهوياتي، فقد كان المواطنون الأمريكيون يحثون نوابهم على «القتال والهجوم» لتحيا هويتهم الشمالية أو الجنوبية.

وفي أحد المواقف التي تذكرها لنا أستاذة التاريخ جومان فريمان في جامعة ييل؛ كان هناك جدالٍ بين نائبين من ولاية مسيسيبي حول إذا ما كان هُنالك جماعات انفصالية في الولاية، قال أحدهم: إنّه لا يوجد انفصاليون في مسيسيبي، فرد عليه الآخر: «بل هُنالك انفصاليون»، فرد عليه الأول: «هل تقصد أنني أكذب؟» فرد عليه الثاني: «أفترض بأنّ هذا ما قلته لك تمامًا» فقام الأول بلكمه، وانفجرت مشاجرة بينهم.

ولم يكن العنف في الكونجرس مجرد صدفة أو انفعال، بل في معظم الأحيان كان هذا نهجًا يعتمده الجنوبيون لتمرير أجنداتهم في الكونجرس. كان معظم الجنوبيين يتميزون عن غيرهم بأنّهم من المحاربين، وذوي خبرة عسكرية، فقد كانت منهجية العُنف المعتمدة من قبلهم لإسكات هؤلاء «المسالمين»، وقيادة أصواتهم وآرائهم لما فيه مصلحة الولايات الجنوبية. وكان يُعرف عن هؤلاء النواب باسم «المتنمرين – Bullies».

ولم يسلم حتى الجنوبيين الذين كانوا يحاولون إيجاد الحلول الوسط مع الآخرين. ففي عام 1842، قام النائب توماس ديكينس آرنولد، أحد مؤسسي حزب اليمين الأمريكي (Whig Party)، بمعارضة محاولات الجنوبيين المتطرفين لإسكات جون كوينسي آدامز، رئيس سابق ونائب، وأحد مناهضي العبودية آنذاك، مما جعل أحد هؤلاء المتطرفين يسحب «سكينة باوي» ويهديد آرنولد بشطبه من «الذان للذان» إذا عارض أحدًا منهم مرة أخرى.

جون كوينزي آدامز عام 1843 أول رئيس أمريكي يُلتقط له صورة فوتوغرافية – مصدر الصورة: كتاب حقول الدم لأستاذة التاريخ جومان فريمان

وكانت ثقافة الخوف مُنتشرة آنذاك بين النواب الضعفاء، حيث كان يحاول هؤلاء النواب إسكات زملائهم بعدم الحديث، خوفًا عليهم من تعرضهم للعنف من قبل بعض الجنوبيين المتطرفين، وفي عام 1843، وسط خطاب للنائب جوشوا جيدينجز، أحد المناهضين للعبودية، قام النائب جون داوسون بدفعه وتهديده بضربه بالسكين. وبعدها بعامين، في خطاب آخر لجيدينجز، قام داوسون غاضبًا ومشهرًا سلاحه تجاه جيدينجز، وكان معه أربع من المسلحين الجنوبيين بجانبه. واشتهر داوسون، بمواجهاته المباشرة مع مناهضي العبودية.

«ترامب القرن التاسع عشر».. النائب هنري وايس المُتغطرس

أحد الشخصيات المُتنمرة والعنيفة، في تلك الفترة كان النائب هنري وايس من ولاية فيرجينيا، فقد كان وايس ممن يؤججون الانقسام عن طريق «سياسة العنف»، وحتى بعد خروجه من مجلس النواب، ليُنتخب حاكمًا على ولاية فيرجينيا، وقّعَ وايس على أمر بإعدام جون بروان، أحد مناهضي العبودية. ويشترك وايس فيما كان يوصف به مع وصف دونالد ترامب الآن: «مُتعجرف، ويحب الظهور، والسخرية، وإهانة الآخرين».

أثناء فترته في مجلس النواب، كان وايس يهدد ويتوعد أعضاء الكونجرس المناهضين للعبودية. ففي عام 1842، هدد وايس، الرئيس الأسبق والنائب جون كوينسي آدامز، وأحد الوجوه الرئيسية المناهضة للعبودية، وكان حينها آدامز قد جاوز عمره 75 عامًا.

إذ قال له وايس: «لو لم يكن نائب ولاية ماساتشوستس (يقصد آدامز) محميًا بغباء الشيخوخة، لما تمتع برحمة كلماتي اليوم». وبعد الذُعر الذي أصاب آدامز من كلمات وايس، كتب آدامز تلك الليلة في مذكراته عن كلمات وايس «يهددني بالقتل وأنا على مقعدي!».

هنري وايس عندما أصبح جنرالا من جنرالات الحرب الأهلية – مصدر الصورة: ويكيبيديا

قد تبدو تصرفات وايس غير الائقة غريبة، وتعكس سلوكه الشخصي، ولكن في الحقيقة، كان سلوك وايس هذا هو الذي جعله نجمًا ساطعًا في مجلس النواب، فبينما كان النُواب في تلك الفترة يُنتخبون لفترة أو فترتين فقط، استطاع وايس بهذا السلوك، البقاء على كرسيه لست دورات انتخابية.

ومع مرور السنوات، زادت حدة الاستقطاب السياسي، وزاد الانقسام في الشارع الأمريكي، وانعكس ذلك على مستوى الكونجرس، فمع ازدياد الحركات والأعضاء المناهضين للعبودية، بدأت نبرة الجنوبيين، تزداد عنفًا، وبدأ تهديدهم بإسالة الدماء يأخذ منحًى جديًا. فقد قام النائب توماس كلينجمان، من ولاية كارولينا الشمالية، بتهديد الشماليين بسفك دمائهم في مجلس النواب.

أشهر حادثة عنف بالكونجرس.. ضرب السيناتور تشارليز سومنير بالعصا

كان عام 1855، عامًا مفصليًا في تاريخ الولايات المتحدة، فقد شهد الكونجرس رقم 34 في تاريخ الولايات المتحدة، أكثر الفترات عنفًا.

وكان ذلك سببه قانون «كانساس-نبراسكا»، الذي قدمّه الديمقراطي ستيفن دوجلاس، لإعطاء سُكان ولاية كانساس السيادة، ليقرروا إذا ما أرادوا الحفاظ على نظام العبودية عن طريق التصويت الشعبي. جاء هذا القانون وسط مساعي الشماليين لإلغاء العبودية في الولايات الغربية، ومحاولًا تصنيف ولاية كانساس باعتبارها ولاية حُرة، يستطيع فيها الجنوبيون ترسيخ نظام العبودية، وإقراره، وتطبيقه. وكان قرار الجنوبيين آنذاك، أنّه «جاء الوقت للاستيلاء على مبنى الكونجرس.. وطرد خونة الدستور».

إحدى أشهر حالات العنف في الكونجرس ذلك العام، والتي اعتبرها بعض المؤرخين بداية شرارة الحرب الأهلية؛ كانت حادثة ضرب السيناتور تشارليس سومنير، الذي كان من أبرز المدافعين عن إلغاء العبودية بالولايات المتحدة.

فبعد حرب اشتعلت في ولاية كانساس بين الأطراف المناهضة والمعارضة للعبودية، خرج السيناتور سومنير في خطابه المشهور باسم «جريمة كانساس» وبيّنَ من خلاله ثقافة الاغتصاب المرتبطة بالعبودية.

رسمة تُبين لحظة انقضاض النائب بروكس لضرب النائب سومنير – مصدر الصورة: كتاب حقول الدم لأستاذة التاريخ جومان فريمان

وحاول سومنير عن طريق تحرير فتاة كانت مستعبدة، وكانت بيضاء اللون، وعرض قصتها أمام المشرعين إثبات نفاق مؤسسات العبودية، وأخلاقها الفاسدة بحسبه. وقبل خطاب جريمة كانساس، لم يسبق سومنير أحدًا في تجاوز هذا الحد، فقد استطاع عن طريق خطابه بيان وإثبات ضرر العبودية بشكلٍ منهجي ومبني على الدلائل.

أطلق تجاوز سومنير، شرارة الغضب، وعندها قرر الجنوبيون الاجتماع ليضعوا حدًا لسومنير، ويضعوا حدًا لأيّ سيناتور يتجرأ على تجاوز الحدود، التي كسرها سومنير من خلال خطابه.

وتواصل حينها الجنوبيون مع السيناتور برستون بروكس، الذي جاء يوم 20 مايو (أيار) 1856، مخمورًا، وشاعرًا بالإهانة وكأنّ شرفه قد طعن. وبعد دخوله إلى قاعة الكونجرس، توجه بروكس بعصاه الخشبية المتينة، وضرب سومنير بها، وانهال على رأسه بالعصا، وقام الجنوبيون بحمايته وإبعاد أي شخص يُحاول فض العراك.

وفي 25 مايو (أيار) كتب الكاتب جون سارجينت إلى تشارليس سومنير رسالة يقول فيها: «كان دم شخصٍ ما سيسيل قبل أنّ تنتهي جلستك الحالية في حقل الدم هذا (الكونجرس).. كنت أتوقع ذلك تمامًا».

لا يعني ما ذكرناه في هذا التقرير، بأنّ التاريخ يعيدُ نفسه اليوم في أمريكا، أو أنّ الحرب الأهلية قريبة وقادمة لا محالة، ولكنّ دراسة التاريخ تُسعفنا في فهم جزئي لهذه الظواهر التي تبدو اليوم غريبة ومستهجنة، في دولة تعتبر «أم الديمقراطيات» في العالم. وكما قال الشاعر الأمريكي الأفريقي جيمس بالدوين: «التاريخ الأمريكي كبير ومتنوع، ومليء بالأشياء الجميلة، والأشياء الكارثية، ويحمل أكثر مما قال أي شخص عنه»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد