بعد نحو شهر من بدء العملية العسكرية المُسماة «البنيان المرصوص»، أعلنت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية، سيطرتها على ميناء سرت، وإطباق الحصار على تنظيم الدولة الإسلامية، في خمسة كيلومترات مربعة داخل المدينة، والتي تعتبر آخر معاقل التنظيم في ليبيا.

وفي 12 مايو (أيار) الماضي، بدأت ما تسمى عملية «البنيان المرصوص» العسكرية، لاسترداد مدينة سرت من سيطرة مقاتلي «تنظيم الدولة» على المدينة. تلك السيطرة الذي استمرت لحوالي عام، وبعد نحو شهر من بدء العملية، أعلن المركز الإعلامي لها، سيطرة قواتها على ميناء سرت الجمعة الماضية، بعد معارك عنيفة مع «تنظيم الدولة».

وقال رضا عيسى، عضو المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص، إن القوات الحكومية نجحت أيضًا في طرد عناصر التنظيم من منطقة السواوة، التي تضم مجموعة من الأحياء السكنية، شرق سرت، مُضيفًا أن التنظيم أصبح «محاصرًا في منطقة لا تتعدى مساحتها خمسة كيلومترات مربعة»، تمتد من وسط سرت وشمالها.

وفي سياق متصل، أفادت تقارير صحافية، ببدء دوريات من القوات الحكومية داخل مدينة سرت لمطاردة عناصر «تنظيم الدولة»، وتمشيط المناطق المنتزعة من التنظيم. من جانبه، شن التنظيم، الأحد الماضي، ثلاث هجمات على تجمعات لقوات حكومة الوفاق الوطني، أسفرت عن مقتل مدني وإصابة ستة مجندين، تابعين للقوات الموالية لحكومة الوفاق.

وأعرب مارتن كوبلر، المبعوث الأممي لليبيا، عن دهشته من سرعة تقدم القوات العسكرية الموالية لحكومة الوفاق الوطني نحو سرت، فيما أشارت صحيفة لوموند الفرنسية، إلى أن وجود قوات خاصة من بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإيطاليا، ساعدت القوات الحكومية في التقدم نحو سرت.

ويُشار إلى أن تحرير سرت، يُساعد حكومة الوفاق الوطني على تلقي المزيد من الدعم الدولي، كما يُشار إلى أنّ القوات الحكومية استخدمت في عملية البنيان المرصوص الطائرات، والدبابات، والمدفعية الثقيلة، وراجمات الصواريخ.

خسائر بشرية.. ونزوح للمدنيين

رغم المكاسب الميدانية الملحوظة، التي حققتها العملية في تقويض «تنظيم الدولة» داخل سرت، إلا أن القوات الموالية لحكومة الوفاق، تكبدت خسائر بشرية بالعشرات، خلال حوالي شهر منذ بدء العملية. فخلال عملية السيطرة على ميناء سرت، قُتل 11 من قوات حكومة الوفاق وأصيب 45 آخرين، أغلبهم بنيران القناصة.

وخلال سياق زمني أوسع، فإن حصيلة ضحايا عملية البنيان المرصوص، خلال حوالي شهر من انطلاقها، بلغ 637 بين قتيل ومصاب من القوات العسكرية الموالية لحكومة الوفاق الوطني، وبلغ عدد القتلى 137 فيما أُصيب قرابة 500 آخرين، بحسب مصادر طبية في مدينة مصراتة، التي تُمثل مركز قيادة العملية العسكرية.

من جهة أُخرى، نزح عشرات الآلاف من سكان مدينة سرت، مع سيطرة التنظيم عليها قبل عام. وكان عدد سكان سرت حوالي 120 ألف شخص، قبل أن يُغادر معظمهم المدينة، بعد سيطرة التنظيم عليها. هذا ويُقدر مسؤولون في القوات الحكومية، عدد السكان الذين بقوا في المدينة بنحو 30 ألفًا.

ما هي القوى المشاركة في «البنيان المرصوص»؟

يشارك في عملية البنيان المرصوص عددٌ من الجماعات المسلحة في ليبيا، التي تنتمي لعدد من المدن في غرب ليبيا، ومن أبرزها مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة الليبية طرابلس. وتتوسط مصراتة بين طرابلس وسرت التي تقع على بعد 450 كيلومترًا من العاصمة الليبية طرابلس. ويقع مركز القيادة العسكرية للعملية في مدينة مصراتة.

مصراتة تقع بين سرت وطرابلس (المصدر: ليبيا الحرة)

وتضم مدينة مصراتة الجماعات المسلحة الأقوى تسليحًا في البلاد؛ بامتلاكها مروحيات قتالية وطائرات من طراز «ميج»، وحصلت هذه الجماعات على تلك الأسلحة والعتاد القوي خلال الثورة الليبية، التي قُتل فيها الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وبعد إسقاط القذافي احتفظت تلك الجماعات بأسلحتها وشكلت تحالفًا عسكريًّا قويًّا في صيف 2014، عُرف باسم «فجر ليبيا». ذلك التحالف الذي ارتبط بالثورة الليبية، أعلنت غالبية الجماعات المشاركة فيه ولاءها لحكومة الوفاق الوطني مع دخولها إلى العاصمة الليبية طرابلس في نهاية مارس (آذار) الماضي.

وتنتمي معظم الجماعات المسلحة لـ«تحالف فجر ليبيا» إلى التيار الإسلامي، وإلى جانب قوات مصراتة، تشارك في العملية ما تُسمى بـ«قوات برقة» أو قوات حرس المنشآت النفطية، وتسيطر هذه القوات على موانئ نفطية رئيسية بالداخل الليبي، من بينها راس لانوف والسدرة. وتشن هجماتها شرق مدينة سرت، وتمكنت خلال الأيام الماضية من استعادة قرى وبلدات كانت تحت سيطرة «داعش». وأفشلت تلك القوات محاولات لدخول الهلال النفطي في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتكون قوات برقة من قبائل محلية في الشرق الليبي، تدعو إلى الفدرالية، وتطالب بإقامة حكم ذاتي للمنطقة، وتُعادي تحالف فجر ليبيا، ولكنها في النهاية أعلنت ولاءها لحكومة الوفاق الوطني عقب دخولها طرابلس. وتشارك مع الجماعات المسلحة في شرق وغرب ليبيا، وحدات من الجيش الليبي التابعة لحكومة الوفاق الوطني في العاصمة الليبية طرابلس، أما عن وحدات الجيش الليبي الأخرى التي يقودها الفريق أول المتقاعد خليفة حفتر، وتتبع حكومة طبرق الموازية غير المعترف بها دوليًّا، فهي لم تشارك بالأساس في العملية العسكرية بسرت.

لعبة حفتر

مع تصاعد القلق الدولي من تجمع مقاتلي «تنظيم الدولة» في سرت، وزيادة المخاوف من أن تشكل سرت رأس حربة جديدة للتنظيم في شمال أفريقيا بعد اشتداد الحرب عليه في العراق وسوريا. أعلن اللواء خليفة حفتر الشروع في عملية عسكرية لتحرير مدينة سرت من التنظيم. ولم يتحول ذلك الكلام إلى واقع على الأرض، ولم تشارك تلك القوات في معركة سرت.

الفريق أول المتقاعد خليفة حفتر

وأعقب مبادرة حفتر، إعلان حكومة الوفاق الوطني شروعها «الفعلي» في عملية «البنيان المرصوص» لتحرير سرت. ويرى محللون أن حفتر تعمد الإعلان «اللفظي» للشروع في عملية عسكرية بسرت؛ لجر القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني إلى الحرب هناك. قبل أن يتراجع هو خطوة إلى الوراء بعدم المشاركة العسكرية الفعلية في الحرب. تلك المشاركة «الفعلية» التي قد تأتي بعد استنزاف قوة القوات الموالية لحكومة الوفاق في سرت. وتسهل عليه الطريق في دخول المدينة.

ومما يدعم ذلك التحليل، أن القبيلتين الأساسيتين في مدينة سرت هما: قبيلة القذاذفة الذي ينحدر منها معمر القذافي، وقبيلة الفرجان الذي ينحدر منها حفتر نفسه! وهو ما يشي بأن القوات الموالية لحكومة الوفاق -وإن نجحت في طرد التنظيم من سرت- فإنها قد تُلاقي معارضة شعبية وقبلية هناك، قد تصل إلى الحرب الأهلية. وفي هذا السياق طالبت حكومة الوفاق الوطني في بيان لها «جميع القوى الموجودة في الميدان بالانضمام إلى القوات المنتصرة -قوات عملية «البنيان المرصوص»- وتحييد المدنيين الأبرياء والحفاظ على حياتهم».

اقرأ أيضًا: ما الذي تفعله الإمارات في ليبيا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد