فيما كان فريق قناة الجزيرة يعدُّ قبل أيامٍ قليلة تقريرًا عن الوضع الإنساني في مخيَّمات نزوح أهالي إدلب السورية، التفّ حوله مجموعةٌ من الصغار غير آبهين بالخوف من الطائرات الحربية ولا ببرودة الطقس على الحدود التركية-السورية. أخذ الصغار يقتنصون بعضًا من الطمأنينة بوجود الكاميرات، قبل أن تباغتهم صواريخ النظام السوري تتوسط خيامهم الفقيرة، لقد كان هذا المشهد المصور هيّنًا إلى حدٍ ما لما يمر به الآن سكَّان إدلب المتواجدون وسط معركة تعدُّ الرقم الأصعب في معادلة الحل والحرب بسوريا.

فالنظام السوري وحلفاؤه يُطلقون شتَّى أنواع الأسلحة للسيطرة على معقل المعارضة السورية، فيما تستبسل فصائل الأخيرة للرد على النظام بل والسيطرة على بلدات وقرى محيطة تحت حوزته، ولا يمكن في هذه المعركة حامية الوطيس تجاهل الدور التركي المتخوف من حسابات عدة.

الرقم الصعب في معادلة الحلّ والحرب.. معركة إدلب تحتدم

في 11 من يناير (كانون الثاني) الحالي، احتفى عناصر من المعارضة السورية باعتقال أكثر من 15 عنصرًا من عناصر النظام السوري من بلدة الخوين بريف إدلب، وسط تكبير وتهليل أخذت عناصر المعارضة تغتنم أسلحة وذخائر كانت بحوزة هؤلاء.

لم يكن المشهد السابق هو الوحيد في المعارك الدائرة الآن في إدلب، فعشرات الأسرى من عناصر النظام وقعوا في يد المعارضة، حيث تشهد إدلب السورية معارك «كر وفر» ضارية بين قوات النظام السوري وحلفائها، وبين فصائل المعارضة من جهة أخرى، بدأ النظام تلك المعارك قبل أكثر من أسبوعين بغية السيطرة على مساحات واسعة من قرى شرقي حماة وريف إدلب الجنوبي الشرقي، إلا أن فصائل المعارضة السورية بدأت هجومًا عكسيًا على قرى وبلدات في ريف حماة الشرقي، وسيطرت على عدد منها، حيث  يخوض تلك المعارك فصائل أهمها «فيلق الشام»، و«جيش النصر»، و«جيش إدلب الحر»، و«جيش النخبة»، وهي فصائل شكلت غرفة عمليات «رد الطغيان»، لصد الهجوم واستعادة المناطق التي سيطر عليها النظام وحلفاؤه في شمال شرق حماة وجنوب إدلب، فيما تتركز أهداف النظام على مطار «أبو الظهور» العسكري الذي خرج عن سيطرته في عام 2015، فقد كان آخر معاقل النظام الذي سيطر عليه «النصرة» و«الجيش الإسلامي التركستاني» آنذاك.

وتشهد معركة إدلب التي يتوقع أن تكون أكبر معارك «كسر العظم» في المنطقة، تطوراتٍ سريعة، فرغم الثقل العسكري الذي يستخدمه النظام حاليًا، إلا أنه لم يحقق أي مكسب استراتيجي على الأرض، وذلك بسبب الخطط العسكرية التي تتبعها فصائل المعارضة السورية، باعتمادها على الصواريخ الموجهة بشكل أساسي في المواجهات.

مقاتلو المعارضة يحملون قاذفة صواريخ خلال معارك إدلب الدائرة.

وتعد إدلب التي كانت من أولى المحافظات التي خرجت ضد النظام في بداية الثورة السورية هي الوجهة النهائية لآلاف المسلحين وأسرهم بعد سلسلة معارك واتفاقيات تمخَّضت عن الصراع في سوريا، وتحدها من الشمال تركيا، ومحافظة حلب شرقًا، ومن الجنوب محافظة حماة ومحافظة اللاذقية من الغرب.

ويقطن المحافظة الآن نحو مليوني شخص بعد نزوح مئات الآلاف من مناطق ريف دمشق، وحلب وحمص وحماة إليها، حيث كان يبلغ عدد السكان حسب إحصائيات ما قبل 2011 ما يقارب مليونًا و500 ألف نسمة، وقد تسببت المعارك الدائرة الآن بنزوح أكثر من 280 ألف شخص من ريفي محافظتي إدلب وحماة، وسط ظروف مناخية قاسية ضاعفت معاناة النازحين في المخيمات القائمة على طول الشريط الحدودي مع تركيا في شمال إدلب.

«لبّ المعركة» السيطرة على مطار «أبو الظهور»

يعدّ مطار «أبو الظهور» العسكري الواقع في ريف إدلب هدفًا استراتيجيًا للنظام السوري الذي يمضي الآن بكل قوته العسكرية للوصول إليه، فهو نقطة ارتكاز رئيسية وجسر يصل الساحل والجنوب بالشمال السوري.

مطار أبو الظهور حين سقط بيد المعارضة عام 2015 (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

ويسعى النظام بحسب خريطة السيطرة الميدانية، للتقدم نحو المطار من ثلاثة محاور، أولها من ريف حماة الشرقي، عبر الوصول إلى قرية «أبو دالي» الاستراتيجية، وثانيها من ريف حلب الجنوبي الشرقي وتحديدًا من منطقة خناصر والمناطق المحيطة بها (المشيرفة، رملة، رشادية، جبل الحص)، أما المحور الثالث ففتحته حديثًا من ريف حماة الشمالي من منطقة الشطيب والظافرية.

يقول المستشار العسكري في «الجيش الحر»، إبراهيم الإدلبي إنّ: «قوات الأسد تسعى لأن يكون السباق نحوه يهدف إلى استعادة السيطرة عليه (أبو الظهور)، ما يعني قطع الطريق ناريًا بين حلب-دمشق من نقطة سراقب، أي بمسافة حوالي 20 كيلومترًا» ويضيف لموقع «عنب بلدي»: «منطقة المطار ومحيطها سهلية، وتضاريسيًا على مستوى الجغرافيا العسكرية بإمكان أي طرف يسيطر على المطار التقدم باتجاه مدينة سراقب في غضون 24 ساعة»، ويسعى النظام في حال السيطرة على المطار لتحقيق تحالف مع شخصيات عشائرية محلية موالية له في هذه المنطقة ليضمن تشكيل جيش عشائري يكون من مهامه محاربة المليشيات الكردية، بينما تتفرغ قواته لحماية دمشق والساحل.

سوريان أصيبا خلال قصف للنظام السوري.

وكذلك تهتم روسيا وإيران، حليفا النظام بشأن المطار، إذ إن السيطرة عليه تضمن الحماية لمركز قيادة القوات الروسية جنوب حلب (جبل عزان)، وكذلك تضمن الحماية لإيران لقربه من بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين المحاصرتين من قبل المعارضة، فإيران تهدف جرَّاء تلك المعارك للسيطرة على أبو الظهور بدعم جوي مكثف من الطائرات الروسية، وفي المقابل تعمل تركيا على تأخير وصول قوات الأسد إلى منطقة المطار، وهو أمر تؤدِّي فيه خيارات هيئة «تحرير الشام» التي تسيطر على المنطقة دورًا هامًا، ففي حال حلَّت الهيئة نفسها أو سمحت لقوات «الجيش الحر» بالوصول إلى المنطقة الشرقية، فإن النظام لن يتقدم في المنطقة، وتدرك تركيا أن سيطرة النظام وحلفائه على هذا الموقع الاستراتيجي يمنح تلك الأطراف موطئ قدم قريبًا من الحدود التركية في ظل تعقيدات الوضع على الأرض.

تركيا تتحرَّك لحفظ أمنها و«خفض التوتر»

في 11 يناير الحالي، سُجِّل الدخول الأول لعربات مصفحة تركية الصنع انضمَّت للقتال في المواجهات العسكرية الدائرة في محافظة إدلب وريفها، فقد قدمت هذه العربات دعمًا لفصيل «فيلق الشام» لتشارك على وجه التحديد في هجوم في ريف إدلب الجنوبي.

لم يكن هذا التحرك التركي وغيره إلا نابعًا من تخوُّف وقلق تركي كبيرين من معارك إدلب، فبينما تنظر تركيا إلى سوريا بوصفها قضية أمن قومي بالدرجة الأولى، خاصة لما يضيفه تحرك حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في المشهدين الميداني والسياسي، فهي تستميت لإبقاء أوراق ملف إدلب بيدها كونه مفتاح الحل النهائي في سوريا، بالتزامن مع اهتمامها بأوضاع عفرين ومنبج، حيث المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، العدو الأول لتركيا حاليًا.

وإذ ما كانت تركيا بدأت التحركات العسكرية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017، عندما قامت بإسناد عسكري للجيش السوري الحر داخل إدلب، فهي تتحرك سياسًا لوقف ما تعتبره انتهاكًا من قبل النظام وحلفائه لاتفاقيات مناطق خفض التصعيد التي تمخضت عن اتفاق أستانا 6، حيث اتفقت الدول الراعية لهذا الاتفاق في سبتمبر (أيلول) 2017، على ضم المحافظة إلى مناطق «خفض التصعيد» في سوريا، وذلك بعد أشهر من ضم المنطقة الجنوبية والغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي لهذا الاتفاق، وينص الاتفاق على وقف إطلاق النار وتجميد الأعمال العسكرية وتثبيت خطوط السيطرة في إدلب.

المصفحات التركية حسب ما نشره فليق الشام.

وكذلك حدَّد الاتفاق بعد رحلة مفاوضات طويلة المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والتي على الروس والإيرانيين مراقبتها، في حين تراقب تركيا مناطق سيطرة المعارضة المعتدلة، ولا تستبعد أنقرة احتمال انقلاب الروس والإيرانيين على تفاهمات أستانا بشأن إدلب، فسيطرة النظام على ريف حلب الغربي والشمالي تعني توجيه ضربة قوية للنفوذ التركي وتكبيل يدها حيال الأكراد في المنطقة.

وتعي تركيا أن هذا الاتفاق بات على المحك، ولذلك استدعت السفيرين الروسي والإيراني، للشكوى مما اعتبرته انتهاكًا للاتفاق وخطوات لتقويض الحل السياسي، الأمر الذي دفعها أيضًا لاستقدام تعزيزات عسكرية في ولاية كليس على الحدود مع إدلب السورية، وذلك استعدادًا لعملية عسكرية تستهدف الفصائل الكردية.

ويستبعد المراقبون انهيار هذا الاتفاق، والعودة إلى المربع الأول في المفاوضات، ويوضح الباحث في السياسات الدولية «جلال سلمي»، أن: «الحديث عن انهيار لاتفاق خفض التصعيد أمر مبالغ فيه؛ لأن الإرادة الدولية والإقليمية في غير وارد هذا الأمر بتاتًا»، ويضيف لـ«عربي 21» أنه: «حتى الوضع السوري الداخلي لا يسمح كذلك بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل مباحثات أستانة، وخصوصًا بالنظر إلى حالة تشرذم فصائل المعارضة».

خارطة النفوذ في سوريا

بدءًا بما يخص الأراضي السورية القريبة من تركيا، والتي خلقت التخوفات التركية سابقة الذكر، يمكننا القول إنَّ المعارضة السورية تسيطر على نحو 30% من الشريط الحدودي مع تركيا، في حين تشرف قوات النظام على 5% فقط من الشريط الحدودي في محافظة اللاذقية، وفيما يتعلق بسيطرة الأكراد السوريين، فقد تمددت سيطرة الوحدات الكردية الذراع العسكرية للاتحاد الديمقراطي في محافظتي حلب والرقة، لتصبح المساحة الواقعة تحت سيطرتها تتجاوز 65% من الشريط الحدودي (يبلغ 911 كيلومترًا) بين سوريا وتركيا.

خريطة توضح مناطق النفوذ في الشمال السوري نشرها مركز نورس للدراسات.

أما على المستوى العام في سوريا، فقد شهد عام 2017 تحوُّلًا كبيرًا في خريطة النفوذ، صَعَدَ خلاله قوى عسكرية على حساب أخرى، فيأتي في المرتبة الأولى من حيث النفوذ على الأراضي السورية النظام السوري، إذ سيطرت قواته على أكثر من 72 ألف كلم مربع خلال عام 2017، وباتت تحكم نفوذها على 55.8% من الأراضي السورية.

وجاء في الخريطة التي قدمها المرصد السوري لحقوق الإنسان ثاني قوة تسيطر على أراضٍ سورية هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي أصبحت تسيطر على نحو 15.5 ألف كلم مربع وأحكمت سيطرتها على 27.4% من مساحة سوريا، فيما تراجعت سيطرة «تنظيم الدولة» بعد خسارته ليصبح الآن تحت سيطرته 3% من الجغرافيا السورية.

فيما يخص سيطرة فصائل المعارضة بمجملها فهي تحكم سيطرتها على 13.7% من الأراضي السورية، وفي تحديدٍ أكثر يظهر لنا أن الفصائل السورية التي توصف بـ«المعتدلة» تسيطر على 8.4% من المساحة، ومن ضمن هذه المساحة نحو 1.2% تسيطر عليها فصائل مدعومة تركيًّا، بينما تسيطر الفصائل المدعومة أمريكيًا وغربيًا في البادية السورية من خط معبر التنف–خربة الشحمي وصولًا إلى شمال خبرة الزقف والتي يتواجد فيها معسكر لهذه الفصائل، على نسبة 1.9% من الجغرافيا السورية، بينما بقي جيش «خالد بن الوليد» محافظًا على نسبة سيطرته التي بلغت 0.13%.

المصادر

تحميل المزيد