سبع سنوات انقضت على إطلاق الاتحاد الأفريقي مبادرة «إسكات الأسلحة» عام 2013 لوقف نزيف العنف الذي يبدو وكأنه قدر القارة الأفريقية الذي يأبى مفارقتها. ومع قرب انتهاء المهلة المضروبة لتحقيق هذا الهدف، لا يبدو أن كثيرًا قد تغيّر على الأرض. ولا يرسم صورة دقيقة للواقع مثل الأرقام: 

الأفريقي

في خضم هذه الإحصائيات المفزعة، يبدو شعار «أفريقيا التي نريد» الذي أطلقه الاتحاد الأفريقي حلمًا بعيد المنال، لكن بينما تقف دونه العديد من العقبات، ثمة ضرورة ملحة لبذل المزيد من الجهود كي تعيش الأجيال الأفريقية هذا الحلم واقعًا على الأرض، ولو بعد حين، حسبما يرى المراقبون. 

«إما أن تملك سلاحًا.. أو أن تحفر لنفسك قبرًا».. لا تنمية في حضرة الموت

مشكلة انتشار السلاح من أكبر التحديات التي تواجهها دول إفريقيا، وهي تقف في وجه أي محاولات تنمية في القارة؛ ما جعل رؤساء هذه البلدان يجعلون «كبح جماح السلاح» أولوية لهم، فأطلقوا مبادرة «إسكات الأسلحة» باعتبارها مقدمة تمهيدية ضرورية لخطتهم الطموحة للتنمية 2063. 

لكن أنَّى لهذه البذور أن تنبت بينما يقع في أيدي المدنيين اليوم -بمن فيهم المليشيات والجماعات المتمردة- 80% من السلاح الصغير، بينما تمتلك الكيانات التابعة للحكومات أقل من 11 مليون قطعة سلاح، وفقًا لمسح الأسلحة الصغيرة لعام 2019 ودراسة الاتحاد الأفريقي: بوصلة الاسلحة. 

وعلى النقيض من أحلام التنمية، استُبدل الدفاع التقليدي عن النفس (باستخدام الخناجر والسكاكين على سبيل المثال) بالأسلحة الصغيرة في المناوشات التي تجري على الماء والمراعي بين المزارعين والرعاة. حتى أصبح الشعار الذي يسير الأفريقي في ظله: «إما أن تملك سلاحًا، أو أن تحفر لنفسك قبرًا».

من أين يأتي السلاح الذي يدمي جسد أفريقيا؟

– استيراد من الخارج

معظم السلاح في أفريقيا مستورد؛ إذ بلغ حجم الإنفاق العسكري الرسمي في أفريقيا 40.2 مليار دولار في 2018، كان نصيب شمال أفريقيا منها 22.2 مليار دولار، وجنوب الصحراء الكبرى 18.8 مليار. وكانت معظم واردات هذه الأسلحة من روسيا والصين وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا، و استوردت النسبة الأكبر منها مصر والجزائر والمغرب، بحسب معهد الدراسات الدولي ISS.

– أسلحة محلية الصنع

إضافة إلى ذلك، تصنع بعض دول القارة السلاح، من بينها: جنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا وغانا وكينيا ونيجيريا والسودان. وهذه الأسلحة تتحمل نصيبها من المسؤولية عن العنف في بعض البلاد. ففي غانا، تُرتكب 80% من الجرائم باستخدام الأسلحة محلية الصنع وفقًا لشرطة غانا. وصنفت سيراليون وساحل العاج إنتاج الأسلحة الحرفية باعتباره أهم مصدر للأسلحة غير المشروعة. 

– رواج التهريب في بؤر الصراع

تنشط تجارة الأسلحة غير المشروعة خاصة في مناطق النزاع المشتعلة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية للقارة، كما يشير رئيس قسم الجغرافيا في جامعة مايدوغوري أبو بكر كاو مونجونو؛ إذ تُسهل الحدود سهلة الاختراق عمليات التهريب، والتي تشمل المعدات الثقيلة في بعض الأحيان. 

على سبيل المثال، صادرت إثيوبيا في شهر مارس (آذار) الماضي حاويتين من الأسلحة تحويان 18 ألف مسدس تركي الصنع، استوردها تجار الأسلحة بشكل غير قانوني عبر ميناء جيبوتي. وهذا الحادث ليس معزولا عن المشهد العام، إذ أظهرت تقارير الشرطة الإثيوبية أن تداول الأسلحة بشكل غير قانوني تزايد خلال السنوات القليلة الماضية في البلاد. 

– السلاح الحكومي لمن يملك الثمن أو الجرأة

وعلى الجانب الآخر، يوجد الفساد الذي يجعل السلاح الحكومي معرضًا للوقوع في يد من يملك الثمن. فوفقًا لأوما خلفان- أستاذة السياسة في جامعة رواندا الوطنية- كانت الحكومات نفسها في كثير من الأحيان وراء صفقات الأسلحة غير المشروعة. ناهيك عن الهجمات التي تتعرض لها مستودعات الأسلحة الحكومية وحتى رجال الشرطة من أجل الحصول على سلاحهم.

بؤر الصراع في أفريقيا.. هذه هي المناطق التي لا يهدأ فيها صوت الرصاص

اتفق قادة الاتحاد الأفريقي على أن مناطق النزاع في المنطقة تشكل عائقًا كبيرًا أمام جهود التنمية، وتعهد رئيسه الجديد سيريل رامافوزا بإعطاء الأولوية لحل هذه النزاعات وإسكات دوي الرصاص الذي طال أمده في القارة. 

ويقول كينجسلي إيجوبور -مسؤول شؤون الإعلام في الأمم المتحدة- في مقاله المنشور في مجلة أفريكا رينيوال إلى أن الحرب تشتعل في الكثير من أجزاء القارة اليوم مخلّفة وراءها آلاف القتلى والمشردين. فيما يشير إلى أن مناطق النزاع اليوم في القارة موزعة على الشكل التالي:

1- الكونغو

اكتوت الكونغو بنيران واحدة من أكثر الحروب الدموية في القارة، التي اشتعلت بين الإثنيات المختلفة في البلاد، وأسفرت عن مقتل أكثر من 5 ملايين شخص على مدى سنوات الصراع الممتدة منذ عام 1998 وفقًا لوكالة رويترز. ناهيك عن الانقلابات المتعددة والنزاع على السلطة، الذي تذكي نيرانه الصراعات الداخلية وتدخلات دول الجوار المشتعل.

يتنازع الآن في الكونعو أكثر من 20 فصيلًا مسلحًا يقاتل بعضها بعضًا، وتستخدم قوات خارجية أراضي الكونغو لشن هجمات على بلدان أخرى، إضافة إلى النزاعات المسلحة على موارد البلاد وأبرزها الذهب والبلاتين. وأكثر من 700 ألف حالة نزوح جديدة سُجلت في النصف الأول فقط من عام 2019 يرتبط معظمها بمشكلات الصراع في البلاد. 

2- جنوب السودان

بعد سنوات من الحرب الأهلية استقلّ جنوب السودان عام 2011، ولكن التوترات والنزاعات استمرت خاصة حول حقول النفط المتمركزة في الجنوب. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2013 قُتل 380 ألف شخص وأُجبر أكثر من مليوني شخص على ترك منازلهم. ووُقعت اتفاقيات سلام بين الطرفين المتنازعين، حكومة جنوب السودان بقيادة سلفاكير ميارديت من جهة والحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار والفصائل المعارضة في الجهة الأخرى- كان آخرها عام 2018، لكن يبدو التقدم بطيئًا، ولم توفق الفصائل لتشكيل حكومة وحدة وطنية بعد. 

3- أفريقيا الوسطى

منذ أكثر من ست سنوات والنزاعات قائمة في البلاد خاصة إثر سيطرة المعارضة على العاصمة بانجي عام 2013. أكثر من 600 ألف نازح في الداخل وآلاف القتلى سقطوا على مدى سنوات الصراع. وقعت المعارضة و14 جماعة مسلحة في البلاد اتفاقية سلام في فبراير (شباط) 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي هي الثامنة من نوعها. لكن هل يكفي ذلك لإنهاء سنوات الصراع التي أنهكت جسد البلاد؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال. 

4- ليبيا

منذ 2014 والنزاع دائر في ليبيا، بين حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج غرب ليبيا والحكومة المؤقتة في شرق البلاد بقيادة عبد الله الثني. وفي مايو (أيار) 2014، دخل إلى الصراع طرف ثالث، هو خليفة حفتر، الذي عرّف عن نفسه بوصفه قائدًا للجيش الوطني الذي يهدف إلى تخليص ليبيا من الجماعات الإسلامية التي يصفها بالإرهابية، يضاف إلى ذلك عدد من الجماعات المسلحة من مختلف التوجهات التي تشكلت مع انفراط عقد قوات الأمن وتدفق السلاح إلى البلاد، وفي أبريل (نيسان) 2019، شن خليفه حفتر رئيس الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على الريف هجومًا على طرابلس أودى بحياة 1000 شخص وهجّر 128 ألف شخص من منازلهم، وفي المجمل ومنذ بدأ الصراع أصبح عدد الضحايا والمتضررين في ليبيا أكبر من أن يحصى. وقد أعلن حفتر يوم الثلاثاء الماضي إسقاط اتفاق الصخيرات وقبول «تفويض الشعب» لحكم ليبيا، مما ينذر بتظورات أكبر في الصراع المسلح.

5- نيجيريا

بدأ تمرد جماعة بوكو حرام عام 2009 وامتد إلى البلدان المجاورة، الكاميرون وتشاد والنيجر، إذ كان يهدف إلى محاربة تغريب الثقافة النيجيرية وتطبيق ما رأت الجماعة أنه الشريعة الإسلامية في البلاد. 

أعلن التنظيم مبايعته لـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) عام 2015 وغيّر اسمه إلى الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا. قُتل أكثر من 30 ألف شخص في الصراع الدائر في البلاد، بينما فر أكثر من مليوني شخص من منازلهم بينما لا يزال 22 ألف شخص فقُدوا وسط أقاويل أنهم قد جُندوا من قبل التنظيم. 

6- مالي

في 2012 عاد عدد من الطوارق من ليبيا وبرفقتهم أسلحة متطورة وانضموا للهجوم على شمال مالي. انضمت جماعات وانشقت أخرى منذ ذلك الحين على خلفية اختلافات سياسية وأخرى تتعلق بتقرير المصير. ووقعت حكومة البلاد اتفاقية سلام مع هذه الفصائل في مايو عام 2015 لكن النزاع لا يزال مستمرًا.

في خضم هذه الأزمة، هناك3 ملايين شخص في مالي لا يملكون الموارد اللازمة لإطعام أنفسهم. وهناك ما يقدر بنحو 175 ألف طفل يواجهون الموت من جراء سوء التغذية الحاد والشديد – وفي أسوأ الحالات، قد يزيد هذا العدد إلى 220 ألف طفل، بحسب تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

العفو مقابل السلاح.. هل تنجح المبادرات الحكومية في وقف نزيف الدماء؟ 

وفقًا لبرنامج جمع بيانات العنف المنظم، فإن أعداد قتلى العنف في أفريقيا في الأعوام بين 2013 -2018 كان كالتالي: 

تنبئ الأرقام بفشل المبادرة في تحقيق أفريقيا خالية من النزاعات والحروب وانتهاكات حقوق الإنسان، واستمرار وتيرة العنف التي تسحق الضعفاء وتعوق عجلة التنمية وتُفشل أي مبادرة أصغر من حجم التحدي الحقيقي. 

على ضوء هذا الواقع، عُقدت قمة الاتحاد الأفريقي هذا العام في التاسع من فبراير (شباط) تحت شعار إسكات الأسلحة مرة أخرى، وتبنت مشاريع داعمة للمبادرة كحملات العفو والدعوة لتسليم السلاح التي من المقرر إطلاقها في سبتمبر (أيلول) وفقًا لمديرة عمليات إسكات البنادق في أفريقيا إيساتو حياتو. 

وهذه المبادرات تطلقها الدول من حين إلى آخر، فعلى سبيل المثال، تسلمت جنوب أفريقيا أكثر من 100000 سلاح و 1.8 مليون طلقة ذخيرة في ثلاث حملات عفو مختلفة وأكثر من 2000 قطعة سلاح في حملة العفو الأخيرة التي بدأتها في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وتنتهي في 31 مايو 2020. 

وعملت دول أخرى على إغلاق حدودها مع دول الجوار للتخفيف من تدفق الأسلحة كما فعلت نيجيريا التي يتم تداول مليون سلاح غير مرخص على أراضيها إذ أغلقت حدودها مع الكاميرون وبنين والنيجر في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، ووفقًا للمحلل النيجيري أبو بكر با عبدالله فإن الإغلاق نتج عنه تقليل لتدفق الأسلحة في البلاد خاصة وأنه ترافق مع دعوات لتسليم السلاح للشرطة. 

«لا يمكن أن تكسب المباراة بنصف الفريق».. وصفة لكسب المعركة

«بالنسبة لي أرى إسكات البنادق بطريقتين: الإسكات العملي وهو مهم، ولكن أؤمن أن علينا التركيز أيضًا على التنمية، دعونا نستثمر في شعبنا لنكون قادرين على إسكات البنادق»؛ هذا ما رآه بينس جاواناس، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمستشار الخاص لشؤون أفريقيا.

سياسة

منذ 5 شهور
بعيدًا عن حفتر والسراج.. 9 دول تتقاتل في ليبيا

 600 مليون شاب في أفريقيا اليوم بلا عمل أو تعليم أو يخضع لظروف تهدد حياته، بهذا العدد الضخم الذي يجد في حمل السلاح طريقًا أقصر لتأمين الحياة، تحتاج الدول إلى وضع هذا في الاعتبار لتجفيف منابع الطلب على الأسلحة. 

فيما أشارت إيساتو حياتو إلى الدور الحاسم الذي تقوم به المرأة لتحقيق السلام والأمن والتنمية في أفريقيا، فتقول بأنه على الرغم من عدم تسليط الضوء على دور المرأة في المفاوضات، إلا أن ما تقوم به على الأرض متنقلة بين قرية وأخرى كبير، مؤكدة أهمية أن تعي دول أفريقيا أنها لن تكسب المباراة بنصف الفريق.

يضاف إلى ذلك بعض التوصيات التي قدمها جهاز مسح الأسلحة الصغيرة لوقف نزيف العنف في القارة، ومنها: حل النزاعات والتحليل المنتظم للمصادر الجديدة للأسلحة غير المشروعة، واكتساب فهم أكبر للعوامل التي تزيد الطلب على هذه الأسلحة والمبادرات الحدودية المشتركة وإدارة القوات المشتركة في القارة. 

المصادر

تحميل المزيد