إسلام كرار
إسلام كرار

2,100

في رواية «حي بن يقظان» للفيلسوف المغربي ابن طفيل، يتفكر المؤلّف في الكون والمخلوقات التي تحيط بالإنسان، ويبحث عن ماهية الحياة ومحركها، وقد مثلها في بحث حي بن يقظان عن الروح التي اكتشفها عند وفاة الظبية التي ربته وقامت برعايته عندما وجدته ملقى في صندوق على شاطئ الجزيرة يبكي من شدة الجوع، إذ قام بتشريح جسد الظبية بحثًا عن سبب وفاتها، إلى أن انتهى به المطاف أن لا بد من وجود شيء خفي داخلها، أيّ «الروح»، وبخروجها فارقت الحياة.

وكانت لرحلته في اكتشاف الروح نتائج عديدة، من أبرزها اكتشاف البُعد الروحاني للحياة، وتبعًا لهذا الاكتشاف كان يتمتع بالشعور بالقرب المرتبط بالجانب الروحاني لوجوده الذي يشعره بإنسانيته، ويجعله يبتعد عن الانشغال بمتاعب الحياة وماديتها، كالصيد والطعام وغيرهما من الغرائز الجسدية.

نظر ابن طفيل إلى الروح من منظور ديني يرسخ فكرة الإيمان بالله وقدرته على صنع البشر، وذلك التفسير موجود في العديد من الأديان على أن الروح شيء غير مرئي، يبثه الإله في المخلوقات، وينزعه منهم أثناء الوفاة لكي ينتقلوا إلى عالم آخر. ولكن تلك التفسيرات لم تكن مُقنعة للمنشغلين بالمجال العلمي وحقول التجارب المعملية؛ لذلك كان هناك محاولات لتفسير الروح واكتشافها، ومحاولة إثباتها بشيء ملموس علميًّا، ومن تلك التجارب: نظرية «21 جرامًا» لدكتور الفيزياء «دانكن ماكدوجال».

اقرأ أيضًا: «كلما زاد الحب زادت الكراهية!».. إليك أبرز دراسات علم النفس والأعصاب لعام 2017

«أوبرا وينفري» تسأل عن معنى الروح!

كم تزن الروح يا تُرى؟ إليك نظرية «21 جرامًا»

في عام 1907، افترض دكتور الفيزياء «دانكن ماكدوجال» أن الروح عبارة عن مادة يمكن وزن كتلتها، وتحديد اللحظة التي تخرج فيها من الجسم، ويمكن بعد ذلك معرفة نوع تلك المادة.

انطلق «ماكدوجال» من مفهوم الدين عن الروح على أنها ذات غير مرئية تخرج من الإنسان عند الموت، وتنتقل إلى عالم آخر غير مرئي، إلا أن ذلك الفضاء الذي يشغل حيزًا داخل جسد الإنسان، ويخرج عند موته، يجب أن يكون له مقياس مادي؛ لأن الفراغ ذاته يشغله هواء وجسيمات غير مرئية، ولكن يمكن قياسها، ومع وجود الجاذبية الأرضية التي تُعطي للأشياء ثقلًا يمكن قياسه؛ فإن كلًّا من المواد الصلبة والسائلة والغازية يمكن قياس كتلتها بحسب قوانين نيوتن عن العلاقة بين الجاذبية، والكتلة، والوزن.

أجرى ماكدوجال تجربته الأولى على مريض يعاني من مرض السُّل، ولم يكن في ذلك الوقت هناك علاج للسل بعد، وبالتالي كان المرض ينخر جسد المريض إلى أن يتسبب في موته.

استعمل ماكدوجال ميزانًا وثبّت سرير المريض فوقه، وظل يُراقب مؤشر الميزان، وبعد ثلاث ساعات من المراقبة كان المريض يحتضر، ثم توفي، وقد لاحظ ماكدوجال انخفاض مؤشر الميزان بنسبة 21.2 جرامات، وكان ذلك النقص في الوزن مفاجئًا وكبيًرا.

بحسب تصور ماكدوجال، فإن ذلك النقص الكبير في الوزن، والذي يتخطى العشرين جرامًا لا يمكن أن يكون له علاقة بنسبة تبخر الماء من جسد المريض، أو من البول الذي قد تسرب من المثانة بعد الوفاة؛ لأن البول ظل عالقًا بالسرير، ورجح أن يكون ذلك هو وزن الروح.

لم يتوقف ماكدوجال عند التجربة الأولى فقط؛ بل قام بتكرار تلك التجربة مع مريض آخر بالسل، ودامت الملاحظة مدة أربع ساعات، وبعد الوفاة مباشرة نقص وزن جثمان المريض بنفس نسبة نقص الحالة الأولى تقريبًا، وكان ذلك بمثابة حافز لديه بأنه يقترب أكثر من «اكتشاف الروح».

لاقت تجارب ماكدوجال ترحيبًا من بعض الفيزيائيين، قاموا بالعمل معه على تكرار تلك التجارب على مرضى آخرين بالسل، وكان النقص في الوزن شبه متقارب، ولكن كان هناك تفاوتات في الوقت الذي يحتضر فيه المريض. كما كانت هناك حالة سيدة مريضة بالسكر تعيش غيبوبة وتُوشك على مفارقة الحياة، عند استعداد ماكدوجال وفريقه لإجراء التجربة عليها، حدث خلل في الميزان؛ مما دعا ماكدوجال إلى استبعاد نتائج تلك الحالة.

شرح مُبسط لنظرية «21 جرامًا»

كان هناك عقبتان واجهها ماكدوجال في تجاربه، وقد فسرهما على نحو غير مُقنع للمجتمع العلمي، أولهما: أن المريض عندما توفي لم يتغير وزن جسمه، وقد فسر ماكدوجال ذلك بأن مادة الروح علقت داخل جسم هذا المريض، ولذلك ظل محتفظًا بوزنه بدون خسارة، وقد قام بعمل تصوير فوتوغرافي لجسد تلك الحالة، وقارنها بصور فوتوغرافية لأجساد الموتى الذين نجحت تجربته معهم، ولكنه لم يجد شيئًا مختلفًا، كما لم يستطع أن يرى مادة الروح العالقة بجسد تلك الحالة.

والثانية: عندما أجرى تجاربه على 15 كلبًا مصابًا بأمراض وعلى وشك الموت، وعند إجراء التجربة عليهم لم يتغير وزنهم إطلاقًا، وقد فسر ماكدوجال ذلك بأن مادة الروح موجودة في جسد الإنسان فقط، ولا تتواجد في أي من الكائنات الأخرى.

اقرأ أيضًا: الاقتراب من الموت يحفز دماغك!.. ما الذي يراه الأموات قبل الوفاة؟

فيلم وثائقي قصير عن تجربة د. ماكدوجال

خرافة التجربة وأخطاء ماكدوجال

كان لدى ماكدوجال عدة أخطاء جعلت من تجربته «خرافة» لا ترقى للمعايير العلمية، ولم يتم الاعتراف بها ولا تسجيل البحث تحت مسمى علمي لعدّة أسباب:

1- عدد عينات الاختبار قليل جدًّا، فستّ عينات لم تكن كافية لإثبات صحة التجربة. مثل هذه التجارب العلمية تحتاج لمئات العيّنات المختلفة من أجل الوصول إلى نتائج مقبولة لا يمكن الطعن في مصداقيتها، ونحصل بذلك على إحصاءات ونتائج قابلة للمقارنة، وإيجاد نطاق التطابق والاختلاف.

2- اختيار مرضى مصابين بمرض مثل السُّل ينتج منه إرهاق شديد لجسد المرضى، ويمكن أن يكون خسارة الوزن أحد أعراض هذا المرض.

3- ما الموت الذي يعنيه ماكدوجال؟ لقد افترض ماكدوجال أن لحظة الموت هي اللحظة التي يتوقف فيها التنفس والقلب، ولكن ماذا عن المخ وموت العضلات؟ بالرغم من التطور التكنولوجي إلى وقتنا هذا فإنه من الصعب تحديد لحظة الموت بدقة، فوظائف الجسم لا تموت بترتيب مُعين، وتوجد دائمًا تفاوتات في تقدير لحظة الوفاة تحديدًا.

4- بالنسبة للاختبار الذي أجراه ماكدوجال على 15 كلبًا، والذي استنتج منه عدم ووجود نقص في الوزن، واعتقد ماكدوجال أيضًا أن الكلاب ليس لديها روح، عكس الإنسان، فإن عينات التجربة على الحيوانات لم تكن كافية من ناحية العدد والنوع، فكان يجب أن يقوم بعدة تجارب على حيوانات مختلفة، كما يتطلب الأمر أبحاثًا أخرى تتعلق بالاختلافات بين الإنسان والحيوانات؛ ليستنتج منها اقتصار تواجد الروح على جسد الإنسان فقط.

توفي ماكدوجال عام 1920، ولم تحظ أفكاره بمصداقية علمية بسبب تلك الأخطاء، واعتبرت مجرد فضول، ولكن ظلت فكرة نظرية ماكدوجال من الأفكار الغريبة في تاريخ الأبحاث العلمية، حتى إنه في عام 2003 أُنتِج فيلم درامي بعنوان «21 Grams»، يحكي قصص موت عدة أشخاص، وتم اختيار اسم الفيلم للدلالة على الروح.

اقرأ أيضًا: علم ضد علم .. لماذا تتعارض الدراسات والأبحاث العلمية؟

تعليقات الفيسبوك