لم تعد دولة جيبوتي ذات الأصول الإفريقية، والواقعة على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، والمطلة شرقًا على البحر الأحمر وخليج عدن، محط أنظار أمريكا وفرنسا معًا منذ سنين طويلة، بل شاركتهما مؤخرًا الصين ضمن مشاريع استثمارية وأمنية تحمل في طياتها أهدافًا غير معلنة.

أبرز ما يميز ملامح التنافس بين هذه الدول هو وجود القواعد العسكرية فوق أرض جيبوتي واستخدامها لأغراض الملاحة ومحاربة القراصنة الصوماليين، ومواجهة خطر الانتقام من مقاتلين إسلاميين تلاحقهم الدول الغربية التي تستضيفها في حملات تمتد إلى أخرى مجاورة.

التقرير التالي يستعرض أهم أسباب وتداعيات دخول الصين على خط التنافس في جيبوتي، وطبيعة التغلغل الفرنسي والأمريكي، إلى جانب معرفة سر المنافسة حول الدولة الإفريقية الصغيرة، وما إذا كان لها علاقة بالتطورات الأخيرة في المنطقة العربية.

أولًا: لماذا يطمع الغرب في جيبوتي؟

KAITA, JAPAN - DECEMBER 16:  (CHINA OUT, SOUTH KOREA OUT) Members of an advance group of the Japan Ground Self-Defense Force are seen off at the JGSDF Kaita base on December 16, 2014 in Kaita, Hiroshima, Japan. The 65-member team will be deployed in Djibouti for an anti-piracy operation off Somalia.  (Photo by The Asahi Shimbun via Getty Images)

KAITA, JAPAN – DECEMBER 16: (CHINA OUT, SOUTH KOREA OUT) Members of an advance group of the Japan Ground Self-Defense Force are seen off at the JGSDF Kaita base on December 16, 2014 in Kaita, Hiroshima, Japan. The 65-member team will be deployed in Djibouti for an anti-piracy operation off Somalia. (Photo by The Asahi Shimbun via Getty Images)

تتمتع جيبوتي بمكانة إستراتيجية بالغة الأهمية، جعلتها محط أنظار، حيث يعد مضيق المندب أحد قنوات الملاحة الأكثر اكتظاظًا بحركة الملاحة في العالم، الأمر الذي مهد للصين الدخول على خط التنافس الأمريكي الأوروبي لتثبيت أقدامها من خلال الاستثمار وإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها.

ويصل عدد السكان الذين يعيشون في جيبوتي إلى 800 ألف شخص فقط، إذ باتت تتصدر الأخبار والأحداث المتعلقة بالحرب في اليمن، سواء من خلال القواعد العسكرية المنشرة على أراضيها أو من خلال المساعدات الإنسانية التي تمر عبر موانيها القريبة من اليمن.

ورغم أنها دولة صغيرة المساحة، لكنها تتمتع بموقع إستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي، حيث يدخل خليج “توجورة” عمق البر الجيبوتي لمسافة 61 كم لتمثل منطقة آمنة للإبحار تجاه البحر الأحمر، تعبر فيها أهم الصادرات والواردات العالمية.

ويستخدم الميناء كنقطة انطلاق الأساطيل الأجنبية المتواجدة في المنطقة بهدف مراقبة خليج عدن وحماية الممر المائي من عمليات القرصنة. ولهذا تأثيراته المختلفة على البلاد داخليًّا وخارجيًّا، خصوصًا في الوقت الراهن، حيث يواجه اليمن حالة من الصراع وحربًا تدور رحاها بين قوى محلية مدعومة بأخرى إقليمية ودولية.

ومن بين الأسباب التي تجعل جيبوتي ذات أهمية كبرى كونها من المحاور الرئيسية للتجارة العالمية. فأكثر من 80 في المائة من السلع التي تستوردها جارتها إثيوبيا، يتم إفراغها في ميناء “دوراليه”، أحد أكبر موانئ المياه العميقة في شرق أفريقيا.

إضافة إلى قربها من بؤر التوتر في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، فهي أهم دولة في مجال تأمين طرق التجارة وكنقطة انطلاق لمكافحة الإرهاب في منطقة القرن الأفريقي.

ثانيًا: ما السر في دخول الصين على خط التنافس الأمريكي الفرنسي لجيبوتي؟

SOMALIA - JANUARY 18:  (CHINA OUT, SOUTH KOREA OUT) Japanese Defense Minister Gen Nakatani inspects the Japan's Self-Defense Force's anti piracy on January 18, 2015 in Djibouti.  (Photo by The Asahi Shimbun via Getty Images)

SOMALIA – JANUARY 18: (CHINA OUT, SOUTH KOREA OUT) Japanese Defense Minister Gen Nakatani inspects the Japan’s Self-Defense Force’s anti piracy on January 18, 2015 in Djibouti. (Photo by The Asahi Shimbun via Getty Images)

مؤخرًا امتنعت الصين عن تأكيد أو نفي تقرير بأنها تجري محادثات بخصوص إنشاء قاعدة عسكرية في دولة جيبوتي الواقعة بالقرن الأفريقي واكتفت بالقول إنها تريد أن تساهم بشكل أكبر في السلام والاستقرار في المنطقة.

وقالت بكين مرارًا إنها لا تريد أي قواعد عسكرية بالخارج في مسعى لتهدئة المخاوف من الخطط الصينية المرتبطة بجيشها الذي يزداد تطورًا وثقة، لكن الواقع الحالي يثبت أنها دخلت البلاد من باب واسع يتمثل في طموح رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غلة والمحيطين به وخاصة زوجته خضرة، لإعادة انتخابه لولاية جديدة عام 2016 رغم وجود معارضة سياسية من خصومه.

ودخلت الصين أيضًا من خلال حاجة الرئاسة الجيبوتية لتمويل ترشح “غلة” لولاية جديدة، لتضع أمامها استثمارات هائلة لتمويل مشاريع ضخمة كمد خطوط سكك الحديد وبناء القصور الرئاسية والعمارات الشاهقة في العاصمة ضمن وعود بأن تحول الشركات الصينية جيبوتي إلى “دبي ثانية” وقبلة لرجال الأعمال والمال.

لذلك، بعد أن زرعت الصين نفوذها الاقتصادي وخاصة في مجال الطاقة والاتصالات في أفريقيا، بدأت تبحث عن منافذ بحرية لهذا النفوذ، وخلال عامين فقط، استطاعت أن تضع أقدامها بثبات في منطقتين تطلان على البحر هما جيبوتي على البحر الأحمر في شرقي أفريقيا والسنغال على المحيط الأطلسي في غربي أفريقيا.

وإذا كان المشروع الصيني لبناء مرفأ تجاري ومحطة للحاويات في السنغال لا يزال محل مفاوضات وفي خطواته الأولى، فإنه قد بدأ يتحقق بخطوات سريعة في جيبوتي، فخلال العام الماضي أبرمت الصين وجيبوتي اتفاقيات هامة لتأهيل الكوادر الإدارية العليا للدولة وإنشاء معهد للدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية.

لكن الأهم من كل هذا يتمثل في المعاهدة الأمنية والدفاعية التي تم توقيعها في شهر فبراير-شباط 2014 في قاعدة الشيخ عمر في جيبوتي بين الحكومتين الصينية والجيبوتية، وهي المعاهدة التي تتضمن إضافة إلى تأهيل القوات المسلحة والأمنية الجيبوتية، بناء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي.

واستمرت الشركات الصينية في تنفيذ مشروعاتها وخططها الاقتصادية في دول القرن الإفريقي، لتثبيت أقدامها في منطقة جغرافية إستراتيجية، ما جعلها تبرم العديد من الاتفاقيات تضمن بها تواجدها.

وتعمل الصين منذ فترة على توسيع نفوذها في عديد من مناطق ذات أهمية إستراتيجية مثل القرن الإفريقي. ففي جيبوتي، مولت الصين عددًا من المشاريع العامة، ومنذ اليوم الأول لتدشين منتدى التعاون الصيني الإفريقي عام 2000، قدمت بكين 16.6 مليون دولار لتمويل المشروعات التنموية في جيبوتي.

ثالثًا: كيف نظرت فرنسا وأمريكا لدخول الصين باب المنافسة؟

Journey Of Jean-Marie Bockel In Djibouti. Déplacement à Djibouti de Jean-Marie BOCKEL, secrétaire d'Etat à la Défense et aux Anciens combattants, dans le cadre du conflit qui oppose la République de Djibouti à l'Erythrée sur le contrôle du détroit de Bab-el-Mandeb. Ici, la visite aux forces armées françaises. (Photo by Thierry Esch/Paris Match via Getty Images)

Journey Of Jean-Marie Bockel In Djibouti. Déplacement à Djibouti de Jean-Marie BOCKEL, secrétaire d’Etat à la Défense et aux Anciens combattants, dans le cadre du conflit qui oppose la République de Djibouti à l’Erythrée sur le contrôle du détroit de Bab-el-Mandeb. Ici, la visite aux forces armées françaises. (Photo by Thierry Esch/Paris Match via Getty Images)

أثار مشروع بناء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي تحفظات أساسية لدى الحليفين الغربيين لجيبوتي، أي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية اللتان تملكان مواقع عسكرية في جيبوتي، حيث اعتبرت واشنطن هذه الخطوة تحمل مخاطر إثارة توتر في العلاقات الأمريكية الصينية بسبب ما يمكن أن يثيره الوجود العسكري الصيني في القرن الإفريقي من احتمال احتكاك مع المصالح الأمريكية والغربية عمومًا.

وخلال زيارته إلى أمريكا العام الماضي تلقى “غلة” رسائل أمريكية واضحة متحفظة على فتح أبواب جيبوتي أمام وجود عسكري واقتصادي صيني دون دراسة متأنية أو تشاور مع حلفاء جيبوتي.

لا سيما وأن جيبوتي تطل على أحد أكثر المسارات البحرية ازدحامًا في العالم في خليج عدن في الجهة المقابلة لليمن المضطرب، وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا إلى جانب قاعدة أمريكية رئيسية، كما تستخدم قوات بحرية أجنبية ميناء جيبوتي في حراسة ممرات الشحن المزدحمة قبالة الصومال لمحاربة القرصنة.

فدخول الصين يعني الحصول على المزيد من النفوذ الدولي، خاصة وأنها في العقد الماضي، وحتى قبل ذلك، استثمرت بكين بشكل كبير في أفريقيا، ليس فقط من أجل الاستفادة ماليًّا ولكن أيضًا للسيطرة على الموارد الطبيعية على المدى الطويل.

رابعًا: ما هو طبيعة التواجد الفرنسي في جيبوتي؟

DJIBOUTI - JUNE 2011: Photographic Essay on life in the French Foreign Legion in Djibouti; the image shows the review of custody by the commanding officer of the 13th DBLE at the entrance of the Monclar base. (Photo by Emmanuel Martin/ASAblanca via Getty Images)

DJIBOUTI – JUNE 2011: Photographic Essay on life in the French Foreign Legion in Djibouti; the image shows the review of custody by the commanding officer of the 13th DBLE at the entrance of the Monclar base. (Photo by Emmanuel Martin/ASAblanca via Getty Images)

وبسبب موقعها الإستراتيجي الهام، سيطر الفرنسيون على جيبوتي في سنة 1850، وبعد مئة عام من السيطرة الفرنسية، لم ترغب فرنسا في التفريط في جيبوتي بعد استقلالها، لذا توصلت فرنسا إلى اتفاقية عسكرية لضمان تواجد ما بين 3800 و4500 جندي فرنسي على الأراضي الجيبوتية.

وفي مارس 2001، أسست أمريكا قاعدة عسكرية في جيبوتي، وخلال 10 سنوات فقط تجاوز التواجد العسكري الأمريكي في جيبوتي نظيره الفرنسي، بينما في سنة 2009 أنشأت البحرية اليابانية قاعدة عسكرية في جيبوتي، بما في ذلك ميناء دائم ومطار لإقلاع وهبوط لطائرات الاستطلاع اليابانية “P-3”.

وتأتي القاعد العسكرية الفرنسية في مقدمة القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي، حيث تعتبر أهم قاعدة للفرنسيين في القارة السمراء، ومهمتها المعلنة هي حماية حركة التجارة عبر مضيق باب المندب، وحماية جيبوتي من أي اعتداء خارجي.

وظلت جيبوتي تمثل أكبر دولة تركزت فيها القوات الفرنسية في أفريقيا حيث قامت فرنسا بإعادة توازن قواتها في جميع أنحاء أفريقيا عقب تدخلها في مالي. فمنذ عام 1999 إلى عام 2001، حاربت جيبوتي التمرد الذي تم القضاء عليه في نهاية المطاف بمساعدة فرنسية.

وبعد الحرب، أصبحت جيبوتي أكثر استقرارًا؛ حيث أسندت فرنسا عمليات “كامب ليمونير” إلى حكومة جيبوتي، التي أسندتها بعد ذلك إلى الولايات المتحدة في عام 2001، إذ تحتفظ فرنسا بأكثر من 1500 جندي في جيبوتي كجزء من قوات حفظ الأمن.

خامسًا: أهم ملامح التواجد الأمريكي في جيبوتي؟

A US Marine sniffer dog searchs 17 September 2003 for explosive outside the US base in Djibouti "Camp le Mounnier", where circa 1500 US servicemen are on duty.  AFP PHOTO/MARCO LONGARI  (Photo credit should read MARCO LONGARI/AFP/Getty Images)

A US Marine sniffer dog searchs 17 September 2003 for explosive outside the US base in Djibouti “Camp le Mounnier”, where circa 1500 US servicemen are on duty. AFP PHOTO/MARCO LONGARI (Photo credit should read MARCO LONGARI/AFP/Getty Images)

لم يختلف كثيرًا التواجد الأمريكي عن الفرنسي في جيبوتي، فأمريكا تقيم قاعدة عسكرية لها، وتعزز من نفوذها الأمني والاقتصادي داخل البلاد بما يعود من فائدة إليها، حيث في مايو من العام الماضي مددت الولايات المتحدة عقد الإيجار لقاعدتها العسكرية لعشر سنوات إضافية على الأقل.

وتصل تكلفة الإيجار في العقد الجديد إلى حوالي 60 مليون دولار سنويًّا بدل 30 مليون دولار التي كانت تدفعها واشنطن في الماضي. زيادة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تقوم بتمويل وتدريب جنود جيبوتي.

وأنشأت الولايات المتحدة قوات موحدة، في أفريقيا “أفريكوم” عام 2007، وهي مسؤولة عن العمليات والعلاقات العسكرية مع الدول الأفريقية، ما عدا مصر التي تقع في نطاق القيادة المركزية.

وتعتبر القاعدة العسكرية “ليمونير” في جيبوتي هي القاعدة العسكرية الأمريكية الوحيدة المعلن عنها بشكل رسمي، في أفريقيا، وبدأت العمل عام 2002، بقوام 900 عنصر أمريكي، واليوم بلغ تعداد هذه القوات 4 آلاف، وأصبحت مقرًا لقوات “أفريكوم” في المنطقة، ومهمتها مراقبة المجال الجوي والبحري والبري للسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا، واليمن.

سادسًا: ما هو طبيعة حضور جيبوتي في الأزمة اليمنية الجارية؟

منذ انطلاق عملية “عاصفة الحزم”، أواخر مارس الماضي من قبل السعودية ودول التحالف العربي ضد معاقل جماعة “الحوثي” في اليمن، اتجهت أنظار العديد من السياسيين نحو جيبوتي، بهدف التنسيق، فيما يتعلق بعدد من الملفات المتعلقة بالوضع الراهن في المنطقة.

حتى إن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري باشر إلى زيارة جيبوتي، وأجرى مباحثات مع الحكومة، كما توجه إلى القاعدة الأمريكية الموجدة هناك، خاصة بعدما فتحت جيبوتي مجاليها الجوي والبحري أمام “عاصفة الحزم”، في وقت جددت فيه طائرات التحالف قصفها لمواقع الحوثيين في مأرب.

وترتبط جيبوتي مع اليمن بروابط خاصة وتاريخية تتأثر وتؤثر في ما يجري في اليمن إيجابًا أو سلبًا في كل النواحي الإنسانية والسياسية والأمنية، إذ لا يفصلها عنها سوى 22 كم هي مسافة فوهة مضيق باب المندب الإستراتيجي.

وعقب اندلاع الحرب في اليمن لم يجد آلاف اليمنيين مفرًا من ركوب البحر في اتجاه جيبوتي للهروب من آثار الحرب والنجاة بأرواحهم، حيث وصل أعدادهم إلى 13 ألفًا يواجهون نقصًا حادًا في المواد الأساسية للحياة، من غذاء ورعاية صحية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد