كتبت صحيفة الإيكونوميست عن صانع المعجزة السنغافورية “لي كوان يو” الذي قاد مسيرة من الإنجازات التي وضعت سنغافورة بجدارة على خارطة العالم.

فأصبحت سنغافورة بفضل “لي كوان يو” نموذجًا مثاليًّا للتنمية يحتذى به، ولكن رجال السلطة استخلصوا الدروس الخاطئة من نجاحه.

وأكملت قائلة: لو أرد أي شخص أن يعرف إنجازات “لي كوان يو” فعليه أن ينظر إلى سنغافورة حيث الازدهار، التنظيم، النظافة، والكفاءة، وكذلك الأمانة والإخلاص والتفاني أثناء توليه حكمه، وهذا ليس عمل “لي كوان يو” بمفرده.
حتى أشد منتقديه أجمعوا أن السيد لي الذي توفي في وقت مبكر يوم 23 مارس (بتوقيت سنغافورة) في عمر يناهز الـ91 لعب دورًا عظيمًا لسنغافورة.

وتضمن المقال مسيرة حياة لي كوان يو موضحًا أن: “لي كوان يو” هو زعيم سياسي سنغافوري قبل “الاستقلال” من بريطانيا في عام 1959. “لي كوان يو” أصبح أول رئيس وزراء لحكومة سنغافورة حتى عام 1990؛ أي ما يقارب ثلاثة عقود متتالية، ثم تقاعد تاركًا مجلس الوزراء عام 2001، ولكنه بقي عضوًا في البرلمان حتى وفاته.
أثناء توليه منصبه، أصبحت سنغافورة واحدة من أغنى دول العالم بالرغم من افتقارها الشديد – بل بالأحرى شبه انعدامها للموارد الطبيعية-. لذا اعتبر الكثير من المعجبين سنغافورة نموذجًا يحتذى به، والسيد لي قائدًا حكيمًا.

يعود جزء من تأثير وسيطرة السيد لي من كونه مؤسس استراتيجي صاحب رؤية واضحة ولسان قوي مؤثر، فكان شديد الملاحظة، سريع البديهة فيما يحدث حوله من التنافس في هذا العصر سواء من ظهور الصين كدولة عظمى، وموقف أمريكا من هذا وتعاملها معه. فهو مفسر شديد الاحترام وذو رأي صائب ومهم  لكلا البلدين، وقد زعم استمرار المشاركة الأمريكية في آسيا وقبول الصين بهذا.

شغل “لي كوان يو” مكانة دولية يشار لها بكل بنان، على الرغم من أن إنجازاته تعد داخلية. فقد أصدر العديد من القرارات السليمة خاصة في اختياره للمديرين والخبراء الاقتصاديين. فهؤلاء أبقوا الحكومة بصورتها الصغيرة، وبدأوا في تنشيط الاقتصاد المفتوح مع التنظيم المبسط والشفافية والفاعلية. ترأست سنغافورة في كثير من الأحيان قائمة التصنيف في “سهولة ممارسة العمل والتجارة” التابع للبنك الدولي.
مما جعلها من أهم المراكز التجارية في وقت مبكر للقرن الـ 14، حيث ميناء طبيعي خلاب وموقع استراتيجي على مضيق ملقا، الذي يمر من خلاله حوالي 40% من التجارة البحرية العالمية. ومن هذا تدفق الاستثمارات الخارجية في سنغافورة.

وتستمر صحيفة الإيكونوميست في سرد إنجازات السيد لي كوان يو التي حققها لسنغافورة قائلة: إن الاستقرار السياسي والنظام الاجتماعي كان جزءًا هامًا في ازدهار سنغافورة، وكان هذا ضمن خطة ونظام السيد لي. ففي سنغافورة تتعدد الأعراق والأجناس ما بين الأغلبية ذات الأصول الصينية والملاويين والأقلية من الهنود، ولهذا عانت أعمال شغب عرقية عنيفة عام 1966. ومنذ ذلك الحين بدأ السيد لي بوضع سياسة نزيهة تهدف إلى الانسجام العرقي عن طريق توزيع حصص متساوية في الإسكان العام، ووضع قيود مشددة لمثيري الفتنة بين طوائف الشعب، وتطبيق عقوبات شديدة لمن يخرق القوانين (متضمنًا في ذلك العقوبات الجسدية وعقوبة الإعدام). وقد صاحب هذه السياسات الاجتماعية تحكم اجتماعي شديد الصرامة. فأصبحت الاضطرابات وغيرها من أشكال الاحتجاج شبه منعدمة.

ووضح المقال جزءًا من مسيرة السيد لي السياسية قائلًا إن كوان يو هو عضو مؤسس لحزب العمل الشعبي (PAP) وترأسه كأول نائب له. كالنظام السياسي لسنغافورة، طبق السيد لي النموذج المطبق في بريطانيا، ولكن مع بعض التعديلات التي تمت بمهارة شديدة وذلك لمنع ظهور حزب معارضة. وأيضًا يتم ترويض الصحف العامة لصالح البلاد. وكذلك يتم التلاعب في الدوائر الانتخابية لضمان تمثيل الأقليات في البرلمان، ولكن بشكل ظاهري، وهذا يعتبر عقبة أخرى لأحزاب المعارضة الصغيرة. ففي الانتخابات الأخيرة عام 2011، فاز حزب العمل الشعبي بنسبة 60% من الأصوات، ولكنهم حازوا على أكثر من 90% من المقاعد. وأيضًا استخدم السيد لي وزعماء آخرون سياسة التشهير للدفاع عن سمعتهم. ولهذا سخر الكثير من النقاد بوصف سنغافورة ككوريا الشمالية أو “ديزني مع إيقاف التنفيذ”، كما وصفها وليم جيبسون عام 1993. ومع ذلك أكد محبو السيد لي والمدافعين عنه على أن هذه القيود هي ثمن زهيد مقابل الاستقرار والازدهار. وصدَق على ذلك إحصائيات الناتج الإجمالي المحلي. وكل هذا يؤكد على أن سياسات السيد لي أثمرت.

فسنغافورة نموذج بليغ على المثابرة والعزم والتنمية والسير قدمًا نحو التقدم والازدهار. على عكس كوريا الشمالية أو ديزني لاند، سنغافورة تقدم تحديًا كبيرًا وحقيقيًّا للمفهوم الليبرالي بأن النمو والازدهار والحرية تسير معًا على قدم واحد. فقادة الصين – الذين أعجبوا بنظام سنغافورة لـ”حكم الحزب الواحد”- يرون عيوب فيه قائلين إنه قصير المدى ومتجاهل غير الناخبين من الأطفال والأجانب.

وأكملت صحيفة الإيكونوميست سرد المميزات التي جعلت سنغافورة حالة فريدة من نوعها. فبالرغم من مساحتها المحدودة (نحو 600 كيلو متر مربع) إلا أنها استطاعت تتقدم على الكيانات الأكبر حجمًا والأكثر سكانًا. فسنغافورة لديها حنكة في إدارة علاقاتها الخارجية بما يحقق مصالحها القومية ولا يصطدم بالكيانات الأخرى. ولذا اتسمت بمكانة مرموقة سواء على مستوى القارة الآسيوية أو على مستوى العالم كله. فبالرغم من الظروف والأحداث المضطربة التي شهدتها البلاد خاصة بعد فصلها عن ماليزيا 1965، استطاعت الحكومة تجمع الشعب حولها بشكل متماسك. وذلك بأن الحكومة تذكر الشعب السنغافوري دائمًا بأنهم معرضون للهجوم من قبل الصين الشعبية – المحاطة بإندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة وماليزيا.

لا يخلو نظام من عيوب. يرى البعض أن نموذج سنغافورة لن يبقى طويلًا بسبب القيود الشديدة على شعبه. ولكن آخرين يرون أن هذا النظام تجنب ظهور الاحتجاجات والاحتشاد وأحزاب المعارضة، وأدى ذلك إلى اتخاذ قرارات صالح البلاد لفترة زمنية طويلة المدى.

لا يمكن لأي شخص أن ينكر إنجازات لي كوان يو من صناعة دولة اللا شيء إلى واحدة من أهم الدول الصناعية. فحقًا السيد لي يستحق لقب حكيم الشرق المخضرم. فتجربة سنغافورة يجب أن تُدرس خاصة لدول العالم النامي التي تسعى إلى التنمية والازدهار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد