لم تغفل حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ تأسيسها، أهمية العنصر النسائي، حيث لعبت المرأة دورًا مهمًّا وبارزًا في النهوض بالحركة وزيادة انتشارها، بل وكانت المرأة تحتل مراكز متقدمة في صناعة القرار للحركة.

وبدأ العمل النسائي في حركة حماس متزامنًا مع عمل الرجال نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث انطلق من بيوت الله ومن الجامعة الإسلامية، لتخوض المرأة بعد ذلك كافة المجالات الاجتماعية والتربوية حتى وصلت للمجالات الإعلامية والجهادية وأخيرًا السياسية والعسكرية.

“ساسة بوست” تستعرض تاريخ الحركة النسائية في حركة “حماس”:

الحركة النسائية.. النشأة والتطور

استخدمت حماس مؤسساتها الخيرية والتعليمية فـي اسـتقطاب النـساء إلـى صفوفها، لا سيما في المناطق الشعبية، في الوقت الذي تراجـع فيـه دور مؤسـسات الفـصائل الفلسطينية الأخرى واقتصارها على النخب، وتعد واحدة من أبرز المؤسسات النسائية لحماس هي “جمعية الشابات المسلمات” التي تم إنشاؤها في سـنة 1981م كجمعيـة خيرية تهدف إلى “الحفاظ على شخصية المرأة الفلسطينية وهويتها في وجه الانحراف الفكـري”، كذلك أنشأت جمعيات الصلاح الإسلامية في محافظات غزة، والتي تقدم خدمات تعليمية مـن رياض الأطفال إلى المرحلة الإعدادية، وخاصة للأطفال الأيتام، وعملت المرأة إدارية ومدرسة.

وشاركت المرأة في المؤسسات التعليمية العليا، التي تدار عمليًّا مـن قبـل حركـة حماس مثل: الجامعة الإسلامية في قطاع غزة، إذ شاركت كأستاذة جامعية، ومحاضرة، وطالبة، وإدارية في التخصصات المختلفة.

ومع تقدم الوقت أصبح للحركة النسائية الإسلامية مؤسساتها الخاصة ولجانها المتعددة التي تساهم بشكل فاعل وبارز في انتشار الحركة بين شرائح المجتمع الفلسطيني وبخاصة في صفوف النساء. مثل الأقسام النسوية للمجمع الإسلامي وكذلك في الجمعية الإسلامية.

وفتحت دائرة العمل النسائي داخل حزب الخلاص الإسلامي المجال لتمكين المرأة وتعزيز انخراطها في الحيز العام، عبر دمجها في أجهزته السياسية بشكل كامل، وليس في قسم منفصل، مع مشاركة واسعة في صنع القرارات ورسم السياسات وتنفيذ النشاطات. ويؤرخ ميلاد “الحركة النسائية الإسلامية في فلسطين”، حين أعلن عن قيامها في المؤتمر النسائي الخامس للمرأة المسلمة المنعقد في عام 2002م، حيث اعتبرت إطارًا جامعًا تتحد داخله ثماني مؤسسات نسائية هي: (اتحاد النساء المسلمات، دائرة العمل النسائي في حزب الخلاص، دائرة العمل النسائي في المجمع الإسلامي، الكتلة الإسلامية “الطالبات”، مجلس طالبات الجامعة الإسلامية، جمعية الأمهات الفلسطينيات، جمعية العناية العائلية، الوحدة النسائية في المؤسسة العربية للدراسات والبحوث، جمعية أمهات الشهداء).

تقول القيادية في الحركة النسائية بحماس النائبة جميلة الشنطي أن الحركة ومنذ لحظتها الأولى فتحت الباب على مصراعيه لتكون النساء جزءًا مهمًّا في الحركة، مؤكدةً أنها لم تحدِّد كباقي الأحزاب مساحةً معينةً أو تحجم العمل النسائي، بل تركتهن يخُضن في كل المجالات ويستخدمن كل السبل، وأضافت: “المرأة تشارك في حركة حماس بالطرق الشورية والمرتبة والمنظمة داخل هذه الحركة المعطاءة، وبالتالي مثلنا مثل إخواننا حيث تواجدن في هذه المساحة”.

الياسين والمرأة

أحد أبرز قادة حماس الذين دعموا وجود العنصر النسائي في حركة حماس هو الشيخ الشهيد أحمد ياسين، كان الشيخ دائمًا يعمل على حشد هذا العنصر وتطويره حتى تشكَّلت الكتلة الإسلامية، ومن ثم أصبح للحركة النسوية الإسلامية مؤسساتها وإعلامها وندواتها جنبًا إلى جنب مع رجال حماس في تطوير الحركة.

كان الشيخ أحمد ياسين يدعو إلى تعليم المرأة أحكام الشريعة الإسلامية والفقه المتعلـق بالنساء، وتلاوة القرآن الكريم من خلال عقد الندوات النسائية في الكثير من مـساجد محافظـات غزة. لقد كان الياسين مقتنعًا بأن المرأة هي المجتمع فهي التي تبنـي البيـت، وتبنـي المهندس، والطبيب، والأستاذ، والمحاضر. ولذلك تحتم أن تكون لها كامل الحقـوق، وأن تتمتـع بالحرية والشجاعة؛ طبعًا بما لا يتناقض مع مسؤولياتها في بناء الجيل والمحافظة علـى البيـت والأسرة.

وبناء على دعوات الياسين أتيحت الفرصة للمرأة عند إنشاء حركة حماس سـنة 1987م للعمل في المجال الدعوي والاجتماعي. حيث شاركت في العمل في مؤسـسات الحركـة الخيرية الاجتماعية، ثم التحقت بتدريبات عسكرية جاءت لأغراض التدريب الدفاعي، وهو ما دعمه الشيخ أحمـد ياسين أيضًا. فقالت جميلة الشنطي: “طالب الياسين المرأة أن تتعلم ذاتيًّا، وتجيد استخدام الـسلاح مـن خلال: بيتها، زوجها، ابنها، قريبها، وذلك حتى إذا اجتاح اليهود بيتها، دافعت عنه وعن أهلها، لا أن تقف وقفة الجبان، وأنه كان يدعو المرأة دائمًا أن تتعلم وتتدرب ذاتيًّا، وتدافع عن أهلها وبيتها بكل شيء حتى بأبسط الآلات كالسكين، فلا يمكن لأحد أن يلومها في دفاعها عن حقها”.

العمل العسكري للمرأة

أحجمت حركة حماس عن مشاركة المرأة في العمل العسكري المباشر، وخاصة في تنفيذ العمليات الاستشهادية قبل استشهاد ريم الرياشي، وعلل قادة في الحركة موقفهم هذا بمبررات تجمـع بين الطبيعة المحافظة للمجتمع الفلسطيني، والموقف الديني من غياب المرأة عن بيتها وسـفرها دون مرافقة رجل محرم. وقد رفضت الحركة طلبات تقدمت بها نساء للمشاركة في تنفيذ عمليات من هذا النوع.

وبقي موقف حركة حماس من عمل المرأة العسكري وخاصة العلميات الاستشهادية غير واضح، لحين قامت الاستشهادية وفاء إدريس مـن حركـة فـتح بعمليتهـا الاستـشهادية بتـاريخ 2002/1/27م، بعد هذه العملية جاء رد حركة حماس يوضح موقفها على لسان القيادي فيها حسن يوسف حين أكد على تأييد حركة حماس لمشاركة المرأة في أعمـال المقاومـة وتنفيذها للعمليات الاستشهادية. وشدد على أحقية المرأة الفلسطينية في الجهاد ومقاومة الاحتلال.

ومع هذا بقيت حالة ريم الرياشي حالة استثنائية في موقف حركة حماس مـن العمـل الجهـادي المباشر للمرأة. فقد قامت ريم الرياشي بعملية استشهادية، بتاريخ 14 يناير 2004م في معبر بيت حانون “إيرز” في عملية مشتركة بين كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركـة حمـاس وبين كتائب شهداء الأقصى أحد الأجنحة العسكرية لحركة فتح.

وقد قال الشيخ أحمد ياسين عقب العملية الاستشهادية: “إنه لأول مرة استخدمت حماس مقاتلة، وأن هـذا تطور جديد في المقاومة ضد العدو… على الرغم من أن استخدام النساء يعـد اسـتثنائيًّا، إلا أن حرب الجهاد المقدسة تلزم جميع المسلمين، رجالاً ونساء، ويثبت هذا أن المقاومـة ستتواصـل، حتى يرحل العدو عن أرضننا ووطننا”.

وقد قال الدكتور إياد البرغوثي أستاذ علم الاجتماع في جامعة النجاح، ومؤلف كتـاب الإسلام السياسي في فلسطين: “حماس حركة سياسية، وهي تلجأ لتغيير موقفها وفق ما يخـدمها كحركة سياسية. فعندما تواجه الحركة مشكلة لوجستية في إيصال رجال لتنفيذ عمليات عسكرية، فليس من المستغرب أن تستخدم النساء، خصوصًا وأن لدى حماس جمهورًا واسعًا من النساء فـي المؤسسات التعليمية. كما أن مواقف القوى الأخرى، مثل: كتائب شـهداء الأقـصى، والجهـاد الإسلامي، اللتان سبقتاها في تجنيد نساء لعمليات من هذه النوع، تؤثر في تحريك موقف حمـاس في هذا الاتجاه”.

وتضم كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس خلايا نسائية، وتم الإعلان عن هذه الخلايا والتدريبات عشية الانسحاب الإسرائيلي من محافظات غزة. حيث أصبحت دواعي الخطر الأمني على النساء أقل، إضافة إلى رغبـة حركـة حمـاس فـي استعراض قوتها استمرارًا لخطابها الإعلامي، حيث إن الانسحاب الإسرائيلي من غزة قد جاء بفعـل العمل المقاوم، وعلى رأسه عمليات حركة حماس النوعية ضد قوات الاحتلال، كذلك رغبة حركة حماس في استثمار إعلامي يخدم نيتها خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية لاحقًا.

دور النساء في التشريعي

لحماس تجربة مميزة في فرز نائبات في العمل السياسي التشريعي، فقد أصبح للحركة ست نائبات في التشريعي هن: جميلة الشنطي، ومريم فرحات، وسميرة الحلايقة، ومنى منصور، وهدى نعيم، ومريم صالح؛ حيث شغلت الأخيرة منصب وزيرة شئون المرأة في الحكومة العاشرة، بينما تعتبر مريم فرحات “خنساء فلسطين” نموذجًا للتضحية والفداء، ووصلت للتشريعي بعد استشهاد ثلاثة من أبنائها ودَّعت الأخير منهم لعملية استشهادية، فكانت مثالاً للعطاء والتضحية لأرض فلسطين.

كما حرصت حماس على مشاركة النساء في الانتخابات، فقبيل الانتخابات التشريعية أصدرت الحركة بيانًا موجهًا للجماهير قالت فيه: “آن الأوان للمرأة الفلسطينية أن تأخذ دورها الحقيقي، وآن للمجتمع أن يقدر حجم تضحياتها وجهادها، فهي الأم والأخت والزوجة والابنة، التي تخرج المبدعين والأبطال والشهداء وأجيال المستقبل، وستسعى حماس إلى أن يكون للمرأة دورها في المجلس التشريعي، وأن تكون إلى جانب الرجل في إدارة الصراع مع العدو، وأن تسنّ التشريعات التي تحمي المرأة وحقوقها. وستقاوم حماس محاولات تهميش دور المرأة أو تسطيحه”.

ورغم انهيار حكومة حماس وسيطرة فتح على الضفة الغربية، فإن دور نساء حماس في الضفة لم يتراجع، بل أخذ أحيانًا شكل المناكفات مع سلطة فتح، وقد اشتبكن مع الأجهزة الأمنية، وترى الأجهزة الأمنية في امرأة مثل منى منصور – زوجة القيادي البارز في حماس جمال منصور الذي اغتالته إسرائيل- امرأة محرضة، وتعمل ضد استتباب الأمن في الضفة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد