يجلب مصطلح (تقسيم الشرق الأوسط) أفكارًا «شائعة» قليلة، أشهرها أن حدود الشرق الأوسط، بشكلها الحالي، قد تم تحديدها بواسطة دبلوماسيين غربيين استعماريين، ربما يكون الأشهر بين هؤلاء، هما السير «مارك سايكس»، و«فرانسوا جورج بيكو»، «وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا»، اللذان وقعا تلك الاتفاقية السرية الحاملة لاسميهما، قبل قرن من الزمان، في مايو (أيار) لعام 1916. فكرةٌ صحيحة بالفعل، ولكنها تفتقر للدقة!

ما لا يعرفه الأغلب أن تنفيذ هذه الاتفاقات على أرض الواقع، والتعديلات الفعلية التي أجريت على الحدود المرسومة في الرمال، تمت فعليا بأيدي أناس آخرين، ربما يكون بعضهم أقل شهرة. لعل أكثرهم صيتًا هو «توماس إدوارد لورانس»، الشهير في تاريخنا العربي باسم «لورانس العرب»، الضابط البريطاني، المنسوب إليه تدبير ومساعدة ما يعرف بـ«الثورة العربية الكبرى»،ضد الدولة العثمانية، والذي قال عنه «ونستون تشرشل»، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق «لن يظهر له مثيل، مهما كانت الحاجة ماسة إلى ظهوره».

«صفحة كتاب ملكة الصحراء.. مصدر الصورة: www.goodreads.com»

يعرض غلاف أحد الكتب صورة قديمة، يظهر فيها كل من «توماس إدوارد لورانس»، و«وينستون تشرشل»، يمتطيان جملين أمام أهرامات الجيزة، وبينهما امرأة تمتطي جملًا هي الأخرى. يحمل الكتاب عنوان «ملكة الصحراء.. راسمة حدود الأمم». أما عن تلك المرأة التي ظهرت بين الرجلين، فهي امرأة لا يعرفها عدد كبير من العرب، ويلقبونها في كتب التاريخ البريطاني بـ«لورانس العرب الفتاة»، أما اسمها الحقيقي فهو «جيرترود بيل».

من هي ميس بيل؟

«هي من قامت أساسًا بتعريف الحدود التي نعرفها اليوم بين العراق والأردن. الحدود التي يعتقد أنها قامت بالتفاوض عليها بين تشرشل والقادة العرب»

الممثلة الأسترالية «نيكول كيدمان»، التي قامت بلعب دور بيل في فيلم ملكة الصحراء، إنتاج عام 2015

جيرترود بيل

عرفت في التاريخ العربي بلقب «الخاتون»،وهي باحثة وعالمة آثار بريطانية، عملت في كل من «مصر والعراق». وصلت بيل إلى العراق للمرة الثانية، عام 1914؛ حيث بدأت مهمتها الفعلية، وكان عمرها آنذاك 45 عامًا، وبحكم عملها كباحثة في مجال الآثار، كانت على دراية كبيرة بالشرق الأوسط، كما أجادت اللغة العربية بشكل أتاح لها الاختلاط، وغالبًا كانت دراسة علوم الآثار تتسبب في علاقة نفسية، من نوع ما، تربط بين الباحثين الغربيين، وبين ما صار يعرف فيما بعد بـ «منطقة الشرق الأوسط». وفي الوقت الذي كان فيه السياسيون والمستشرقون يعدون العدة لجلب نظام الدولة العشرينية الحديثة، إلى مناطق «فارس وشبه الجزيرة وتركة الدولة العثمانية» (المهلهلة)، غالبًا ما كان يجري الاستعانة بهذا النمط من الباحثين غريبي الأطوار. وقد برز من بين هؤلاء اسمان شهيران هما: توماس إدوارد لورانس،وجيرترود بيل، وشارك كل منهما في تأسيس «المكتب العربي» في القاهرة، مكتبٌ كان بمثابة «مركز استخباراتي» لوزارة المستعمرات البريطانية.

تطرح «جورجينا هاويل» في كتابها السابق الإشارة إليه، «ملكة الصحراء» سؤالًا قديمًا جديدًا حول طبيعة هذا النوع من الشغف، شغف تمكن من تحويل أناس انعزاليين، إلى شخصيات أممية عالمية. ويبدو أن سحر بعض التجارب يتغلغل فينا من حيث لا ندري. في عام 1892 زارت بيل بلاد فارس، ودرست صحراء «سوريا» بالكامل، إبان دراستها للتاريخ والآثار في «أكسفورد»، ويبدو أن هذه التجربة تركت في نفس الفتاة أثرًا بالغًا، ربما لم تدركه هي نفسها بشكل واضح، إلا بعد سنوات.

في عام 1898 كانت الفتاة العشرينية لا تزال في لندن، بعد أن أتمت دراسة التاريخ في جامعة أكسفورد، تقضي وقتها في الحفلات، وممارسة الهوايات غير المألوفة للفتيات في زمنها، كتسلق الجبال،حتى إن هناك قمة جبلية، في مقاطعة «بيرن» بسويسرا، تحمل اسمها إلى اليوم، في ذلك التوقيت كانت «إنجلترا» تخوض حربها الشاملة، ضد «الدولة العثمانية» المتحالفة مع «ألمانيا». قبل أن يمنى تشرشل بشر هزائمه، في معركة «جاليبولي»، تلك المعركة التي اضطرته إلى تغيير تفكيره بالكلية.

برز العرب حينها كورقة رابحة لبريطانيا، ورقة يمكن استغلالها وتحريكها للثورة ضد الأتراك، وظهرت على الفور الحاجة إلى الاستعانة بأولئك الباحثين غريبي الأطوار، المتعمقين في الشأن العربي. وفي الوقت الذي مثلت فيه غاليبولي خسارة كبرى لتشرشل وبريطانيا، فقد مثلت الخسارة الأكبر في حياة بيل، وربما النهاية الرسمية لحياتها كفتاة طبيعية؛ إذ قتل خلالها العقيد «تشارلز دوتي ويلز»،عشيقها الوحيد الذي كتبت له يومًا «وأنا بعيدة عن أحضانك لا أشعر بالراحة. الحياة بدونك مثل النار، وأنا أحترق».

كيف صُقلت ملكة الصحراء؟

«يقول أحدهم: مشكلتنا مع بن سعود أنه يريد الجزيرة العربية كلها كدولة له، ويريد حدودًا مرنة .

يقول أخر موضحًا: نريد ملوكًا مستقبليين محتملين .

يسأل تشرشل: من أفضل من يعرفهم؟

ـ غيرترود بيل

يرد تشرشل: غيرترود من؟

«امرأة سافلة، غبية، مليئة بالقذارة، مخادعة، متشردة وحمقاء قاسية»

المشهد الافتتاحي في فيلم ملكة الصحراء

في منتصف ديسمبر (كانون الأول)عام 1913،وطأت قدما «ميس بيل» دمشق للمرة الأولى، قبيل الحرب العالمية الأولى، وقبيل قيام معركة جاليبولي الفاصلة. قبل أن تنطلق برحلتها الطويلة نسبيًا، من «دمشق إلى حائل»؛ بوصفها باحثة آثار، في قافلة مكونة من 17 بعيرًا، كانت مهمتها في البداية تقييم مدى قوة «عائلة الرشيد»، العائلة الحاكمةل مدينة حائل، وبناءً على خطة شكلت معلومات بيل حجرًا رئيسًا فيها، أطيح بعائلة الرشيد من الحكم، بواسطة شاب يدعى «عبد العزيز آل سعود»، أمير نجد في ذلك التوقيت، ومن يعرفه العرب والعالم فيما بعد بمؤسس «الدولة السعودية الثالثة».

تم اعتراض قافلة بيل، وانتهى الأمر بوضعها تحت الإقامة الجبرية، من قبل عائلة «الرشيد» وأمير حائل، لمدة وصلت إلى 11 يومًا. لكن مهمتها آنذاك، لم تنته عند هذا الحد، ومن خلال أحاديث السمر مع النساء، نجحت بيل في استخلاص المعلومات الاستخباراتية حول عائلة الرشيد، قبل أن تطلق العائلة سراحها، لتنطلق من بغداد إلى دمشق، ثم إلى لندن من جديد.

في لندن منحت بيل وسامًا ذهبيًا، من قبل الجمعية الجغرافية الملكية؛ تقديرًا لرحلتها الصحراوية الفريدة، وبعد أشهر قليلة اندلعت الحرب العالمية الأولى،و قررت«بيل» التطوع في مكتب أسسته منظمة «الصليب الأحمر»؛ بهدف البحث عن المفقودين والجرحى، في «بولون» بفرنسا. في هذه الأجواء، تعرفت بيل على الكابتن «دوتي ويلز»، قبل أن تصدر له الأوامر بالانتقال للمشاركة في جاليبولي، في نفس الوقت كان شقيق بيل يقاتل في فرنسا،وفي هذه الأوقات المفعمة بالقلق والحيرة، استعد المشرق العربي بفتح أبوابه لـميس بيل مرة أخرى.

انتهت معركة جاليبولي بانتصار الأتراك،وقررت بريطانيا الرهان على الحراك العربي الناشئ، في مواجهة الدولة العثمانية، مستعينة بمن لهم خبرة في الشؤون العربية، تحت إمرة جنرال يدعى «كلايتن»، ونتيجة لخبرتها في شؤون العشائر، وتجربتها السابقة في الشرق، رُشحت بيل للعمل في المكتب أيضًا.

وصلت بيل إلى الشرق مرة أخرى، ولكن هذه المرة إلى قلب المشرق «القاهرة»،وتلخصت المهمة هذه المرة في تجميع وتبويب ما تيسر من معلومات، دقيقة قدر الإمكان، حول عشائر شمال جزيرة العرب؛ من أجل مساعدة بريطانيا على إقامة علاقات معهم، ونجح مكتب القاهرة الاستخباراتي في تطوير عمله، ليصبح مدرسة مستقلة في إدارة السياسات الاستعمارية لبريطانيا، ومنافسًا لمدرسة الهند التقليدية، والجدير بالذكر أن بيل طلب منها أيضًا السفر إلى الهند، مطلع عام 1916، للمشاركة في وضع معجم للبلدان العربية، بإشراف الحكومة الهندية.

صانعة الملوك

«لن أحاول بعد هذا صنع ملوك؛ إنه أمر متعب للغاية. – من رسائل «جيرترود بيل» إلى والدها من العراق».

[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/meelad_qaseera/status/560664607275360256 ” ]

«صورة لنزهة في العراق. المسافر والكاتب غيرترود بيل، مع الملك فيصل الأول (الثاني من اليمين) تصوير ماري إيفانز»

عادت بيل من الهند مباشرة إلى البصرة العراقية، في زيارة كان من المفترض أن تتسم بالسرعة،وكانت البصرة قد وقعت للتو تحت سيطرة الحملة الاستطلاعية البريطانية، وتركزت مهمة «بيل» على تحديث معلومات الهيئة الاستطلاعية، حول العشائر العربية، إلا أنه قدر لتلك المهمة العراقية القصيرة أن تتطور إلى مهمة طويلة، وعلاقة حميمة؛ إذ انضمت بيل إلى هيئة الاستخبارات العسكرية، ثم كضابط مساعد في سكرتارية رئيس الحكام السياسيين، السير «بيرسي كوكس»، ومع سقوط بغداد في يد البريطانيين، في مارس (أذار) لعام 1917، انتقلت بيل إليها بصحبة السير البريطاني، وتطلبت مهمة كوكس التعامل مع شيوخ ووجهاء العراق، وهو ما برعت بيل فيه تمامًا؛ بحكم خلفيتها وخبراتها، و قامت بتصنيف هؤلاء بناءً على خلفياتهم الأسرية، وميولهم وتوجهاتهم الشخصية والسياسية.

فشل مقترح ضم العراق إلى الهند تحت الحكم البريطاني، ثم بدأ الاتفاق بين الفرنسيين والبريطانيين، حول تقسيم المنطقة، يدخل حيز التنفيذ، وبدأت بريطانيا في فرض حماياتها العسكرية على العراق، وفي الوقت الذي حظي فيه السوريون بملكيتهم الخاصة، ترددت بريطانيا في منح جزء من السلطة للعراقيين، بالرغم من بروز الدعاوى القومية، وصُنفت بيل على أنها من المؤيدين لإشراك العراقيين في الحكم، بالرغم من الفوضى المحتمل حدوثها نتيجة لذلك، ومع تعنت بريطانيا في مواجهة المطالب العراقية، اندلع ما يعرف تاريخيا باسم «ثورة العشرين»، أو «ثورة العشائر العراقية»، ثورة أجبرت بريطانيا على التخلي عن مبدأ الحكم المباشر، والتوجه نحو تطبيق سياسة «الانتداب».

في هذا التوقيت، تحديدًا في فبراير (شباط) عام 1921، ترك وينستون تشرشل وزارة الحرب، وتولى مسؤولية وزارة المستعمرات، ودعا إلى مؤتمر لإعادة النظر في سياسة بريطانيا في المنطقة، والاتفاق على الشكل الجديد للدولة العراقية، كانت قوانين الانتخاب قد أقرت، وتم تعيين رئيسٌ للوزراء، وبقي الاتفاق على الحاكم الجديد.

(4)

«لقد قمنا بتنصيب ملكنا وقمت بتحديد الخطوط على الخريطة. – ميس بيل، في إحدى رسائلها إلى والدها»

أصبحت«جيرترود بيل» المرأة الوحيدة المشاركة في المؤتمر، الذي برزت فيه لأول مرة، فكرة تعيين «فيصل الأول»، أو فيصل بن حسين الهاشمي، كملك للعراق، وغالبًا، يحب المؤرخون نسبة فكرة تعيين نجل شريف مكة إلى بيل؛ نظرًا للعلاقة الوثيقة التي نشأت بينهما فيما بعد، ما يبدو مرجحًا بالفعل وأقرب للصحة، وأشرفت بيل على استفتاء فاز فيه فيصل بنسبة 96% من الأصوات.

«مراسم تنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق»

كان فيصل الأول ملكَا على سوريا عام 1920، قبل أن تقوم القوات الفرنسية باحتلال دمشق، لتنهي بذلك حقبة الملكية السورية، وغادر فيصل في رحلة انتهت به إلى لندن، وفي أغسطس (آب) من نفس العام، تم تنصيبه ملكًا على العراق من قبل الإنجليز، على الرغم من عدم تمتعه بجذور قبلية عراقية، وبالطبع لم يتمتع أحد بثقة الملك الجديد، مثل ميس بيل؛ إذ كان يلقبها بـ«أختي»، وظل عملها متصلًا بشؤون العشائر، إضافة إلى التنسيق الشامل بين المندوب السامي البريطاني، والبلاط الملكي العراقي، أما على الجانب البريطاني، كُلفت بيل بإعداد تقارير دورية، حول الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوجهات الرأي العام العراقي، وهي التقارير المحفوظة إلى الآن في مركز الوثائق بلندن.

تم رسم الحدود العراقية بشكل تعسفي، مع تجاهل التاريخ «الإثني» والعرقي للمنطقة،كانت الحدود الجنوبية فضفاضة وغير محددة، ولكنها في النهاية غُيرت من قبل ابن سعود ومحاربيه الأشداء، أثناء تأسيس دولتهم، وابتلع جزء من الحدود الغربية من قبل فرنسا داخل سوريا، ولم يتم تمثيل الغالبية الشيعية في الجنوب في «عراق بيل» الجديد، في حين ضم الأكراد إلى العراق الجديد، وهو ما أثار اعتراض «لورانس العرب» آنذاك؛ وفقًا للمصادر التاريخية.

أمضت «ميس بيل»خمس سنوات في العراق، بعد تنصيب «فيصل» كملك للبلاد، قبل أن توافيها المنية في يوليو(تموز) عام 1926؛ بسبب جرعة زائدة من الدواء، ومن الجدير بالذكر أن تلك المرأة الإنجليزية، الملقبة لدى العراقيين بـ«الخاتون»، والتي وصفها الملك فيصل الأول بأخته، وأطلق عليها الأديب العراقي الراحل، «عبد المجيد الشاوي»، تندرًا، «أم المؤمنين»، هذه المرأة لم تحظ يومًا بثقة وزير الخارجية الاستعماري «ماركس سايكس»، الذي وصفها يومًا ما، قبل سنوات من هذه الأحداث، بـ «بلهاء، ثرثارة، مغرورة وسطحية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد