تحاول السعودية منذ نشأتها الثانية أن تتحكم بزمام السلطة في اليمن، وأن يكون لها القول الأول في كل صغيرة وكبيرة هناك، لذلك أوجدت عبر حلفائها التقليدين في الجيش اليمني والقبائل وحتى الإعلاميين والسياسيين يدًا طولى لإحكام قبضتها على اليمن.

عدة أمور أثرت على هذا التدخل في الفترة الأخيرة التي أعقبت الثورة اليمنية، أهمها تمدد الحوثيين داخل المدن اليمنية، ورغم أن معاداة السعودية للحوثيين ليست طارئة بسيطرتهم على مناطق عدة في اليمن، إلا أن وصولهم الآن لمناطق متاخمة للحدود مع السعودية يشكل مصدر خطر كبير، دفع السعودية مؤخرًا إلى إيجاد وساطة بين الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، والرئيس السابق علي عبد الله صالح، لمواجهة هذا الخطر.

ولكن ماذا عن مستقبل العلاقة اليمنية السعودية بعد سيطرة الحوثيين، “ساسة بوست” تجيب عن هذا التساؤل وغيره في التقرير التالي:

 

لماذا تهتم السعودية بالشؤون الداخلية اليمنية؟

بالنظر إلى الأبعاد الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية بين اليمن والسعودية، يمكن القول إن اليمن تمثل العمق الاستراتيجي والبشري للمملكة العربية السعودية، فموقع اليمن الجغرافي الملاصق للمملكة السعودية والمُشرف على واحد من أهم خطوط الملاحة في العالم الذي يمر عبره ما يقارب 40 % من نفط العالم تقريبًا، إضافة إلى آلاف البواخر التجارية التي تعبر المضيق سنويًّا، أكسب العلاقات اليمنية السعودية أهمية كبيرة.

إن ما سبق، دفع السعودية على مر السنوات الماضية للتدخل في شئون اليمن، هذا التدخّل السعودي لا يرتبط فقط بالهيبة أو التأثير الإقليمي، بل يندرج في إطار الأمن القومي. فالمجتمع الاستخباراتي السعودي يرى في اليمن امتدادًا عند الأطراف يجب رصده وضبطه عن كثب.

يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني، محمد جميح: “لا ننسى أن السعودية هي التي تزعمت التوافق على المبادرة الخليجية، وصياغة بنودها الأساسية، وكانت على اطلاع بالمراحل الطويلة التي تمخضت فيما بعد عن الآلية التنفيذية لهذه المبادرة، والتي تم التوصل لها بدعم دولي كذلك. ولعل في التوقيع على المبادرة في العاصمة السعودية الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني)2011 دلالة تؤكد عمق التداخل في الملفات على جانبي الحدود بين اليمن والمملكة”.
ويضيف جميح: “كما أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بقياداته اليمنية والسعودية، وبعدد كبير من عناصره السعودية موجود في اليمن، وللسعودية مصلحة في التنسيق مع اليمن في هذا الخصوص”.

ما هي أبرز المحطات في العلاقة بين اليمن والسعودية؟

 

– أدت المملكة العربية السعودية دورًا رئيسًا في مسار الأحداث في اليمن، برعايتها للمصالحة بين الجمهوريين والملكيين في نهاية الستينيات من القرن الماضي، التي أنهت حقبة من الحروب الأهلية بعد ثورة سبتمبر/ أيلول 1962 في شمال اليمن.

– قام التدخل السعودي في اليمن على ركيزة دعم عملية التنمية، حيث بلغ الدعم السعودي التنموي لما كان يعرف بـ «الجمهورية العربية اليمنية» خلال الفترة 1975- 1987 حوالي مليار وربع المليار ريال سعودي (قرابة ثلث مليار دولار أمريكي)، شملت العديد من المجالات المختلفة.

– تعرضت العلاقات اليمنية- السعودية لخلاف وانقطاع، نتيجة موقف اليمن المؤيد لغزو العراق للكويت عام 1990، وعلى إثر هذا الموقف رحّلت المملكة آلاف اليمنيين، شكلوا حينها عبئًا اقتصاديًّا كبيرًا على اليمن.

– شهدت العلاقات اليمنية السعودية ازدهارًا ملحوظًا، وانتقلت إلى مرحلة جديدة بعد توقيع اتفاقية جدة لترسيم الحدود في 12 يونيو/ حزيران عام 2000، لتُطوى بعد ذلك صفحة من الخلاقات على الحدود، دامت لأكثر من 60 عامًا.

– أدت السعودية دورًا في التسوية السياسية لثورة عام 2011 على نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وعملت على توقيع ما عرف بالمبادرة الخليجية، في (الرياض) في نوفمبر/ تشرين الثاني من ذات العام.

– في عام 2013 فقط، أودعت المملكة العربية السعودية مليار دولار أمريكي في البنك المركزي اليمني لدعم قيمة الريال اليمني، والمساهمة في استقرار اقتصاد البلاد التي تمر بفترة انتقالية تلت أزمة كبيرة أودت بالاقتصاد إلى مشارف الانهيار؛ ووصف صندوق النقد الدولي، آنذاك، هذا الدعم بأنه “إنقاذ للاقتصاد اليمني”.

– تبنت السعودية دورًا رئيسًا في نتائج قمة دول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في مسقط عام 2001، وأصبح اليمن بموجب ذلك القرار مرتبطًا بالمجلس مؤسسيًّا واستراتيجيًّا كعضو مشارك، وتبعتها إجراءات مكملة، إيمانًا منها بأن اليمن جزء من إقليم الجزيرة العربية والخليج.

ما مدى خطورة التمدد الحوثي على الأمن القومي السعودي؟

تستشعر السعودية خطر الحوثيين، الذين باتوا يسيطرون على أجزاء واسعة من شمال اليمن، من صعدة في أقصى الشمال الغربي، وصولاً إلى محافظة عمران شمال صنعاء، إضافة إلى العاصمة صنعاء وما بعدها، وترى السعودية أن الحوثيين ليسوا إلّا دُمى تحركها إيران لخدمة مصالحها؛ مما أدى إلى تعليق كم هائل من المساعدات المالية التي كانت موجهة لليمن، حيث ساهم الدعم السعودي في الحفاظ على مستوى اقتصاد البلاد منذ 2012 بقيمة تصل إلى 4 مليار دولار.

ورغم أن السعودية تحتل موقعًا فريدًا من ناحية المساهمة في تفاقم أو تخفيف التوتّرات باليمن، فمن سوء حظّ دولة اليمن أن الرياض تعاملت مع أحداث اليمن بعد سيطرة الحوثيين من خلال منظور صراعها الإقليمي مع إيران، أي أنها يمكن أن توقف دعمها للحكومة الجديدة، تاركة الحوثيين ومن ورائهم إيران يتحملون المسؤولية وحدهم، لكنها في النهاية حسب رأي المحللين ينبغي عليها توفير الدّعم اللازم للحكومة الجديدة؛ حتى لا يتحكم فيها الحوثيون، ولإعادة بناء الثقة والعملية السياسية بالمنطقة.

وبحسب مراقبين سياسيين، فإن الرياض دخلت في اتصالات مع أطراف النزاع السياسي في اليمن بهدف تحقيق مصالحة عامة بين جميع الأطراف، لا سيما بين الرئيسين السابق والحالي وحزب الإصلاح (إسلامي)، حيث يأتي التحرك السعودي لمواجهة تمدد الحوثيين المتهمين بتلقي الدعم من طهران.

يقول الكاتب فهد المهدي إن حسابات السعودية أصبحت بعد ظهور “الحوثيّين” هباءً منثورًا، ويضيف في مقاله (العلاقات اليمنيةـ السعودية: المستقبل الغامض): “حين لم يستطع الرئيس اليمني السابق إزالة هذه القوة من خلال ست حروب خاضها معهم مدعومًا من السعودية، أصبحت الأخيرة متوجسة خيفة من هذه القوة المستجدة على الساحة اليمنية، والتي حصدت في الآونة الأخيرة ثقة كبيرة فدخلت بقوة في المشهد السياسي اليمني”.

 

ما هو مستقبل العلاقة بين اليمن والسعودية بعد سيطرة الحوثيين؟

رغم أنه ما يزال من غير الواضح الطريقة التي ستدير بها السعودية ملف العلاقة مع اليمن بعد سيطرة الحوثيين، إلا أن عودة سفير السعودية إلى صنعاء على وجه السرعة بعد سقوط صنعاء يشير إلى أن المملكة تركز الآن على دعم الرئيس عبد ربه منصور هادي على الرغم من اقتناعها بأنه كان عاجزًا في إدارة المرحلة، ربما هي بذلك تهدف إلى حماية المشروعية السياسية للنظام الانتقالي ممثلاً في الرئيس هادي على اعتبار أن سقوطه في الوقت الراهن قد يصب في مصلحة سيطرة الحوثيين وصالح على البلاد.

ومع هذا يمكننا الإشارة إلى عدة أمور ستؤثر بشكل أو بآخر على مستقبل العلاقة اليمنية السعودية، منها ظهور تقارير سرية حول وجود احتياطي نفطي هائل في المنطقة الواقعة بين الجوف ومأرب وصحراء الربع الخالي. وزاد تأكيد هذه التقارير التحرك الأمريكي ببعث خبراء إلى حقول مأرب في اليمن الشمالي، حيث سارعت السعودية لاحتواء التحرك الأميركي من خلال احتواء النظام اليمني التابع لها والمدعوم منها، وبذلك أبعدت هاجس اكتشاف مناطق جديدة للنفط، وجعلت اليمن مكتفية بما تنتجه من نفط وتعود عائداته إلى قوى عسكرية ومشائخ متنفذين في اليمن ومعظمهم حلفاء للمملكة، كما أن الوضع على الحدود السعودية اليمنية والإعلان السعودي المفاجئ عن مناورات عسكرية أمريكية على الحدود بمثابة رسالة لأطراف يمنية عدة منها الحكومة ذاتها التي يجب عليها الاستمرار في تطبيق سياسة المملكة في اليمن، وإلى أطراف أخرى كالحوثيين ومن يقف ورائهم.

يقول فهد المهدي: “أعتقد أن العلاقة تُرسم ملامحها من خلال القوة النافذة على الأرض والمسيطرة، وأن الوعي للمصير المحتوم من قبل الساسة والمتنفذين في اليمن له دور في رسم هذه العلاقة التي من شأنها أن تدخل اليمن إما في استقرار وأمن، أو في حروب أهلية تنذر بصوملة اليمن عرقيًّا ولبننته طائفيًّا، وبقاء اليمن مستقبلاً بعيدًا عن السرب الخليجي يضاعف تفاقم أزمة العلاقة اليمنية السعودية، فقد تتحول اليمن إلى سلاح ضد السعودية، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل اليمن، وعدم التسوية الحدودية بين اليمن والسعودية في المناطق ذات الثروة النفطية الهائلة ما قد يتسبب مستقبلاً بمواجهات دامية بين البلدين الجارين”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد