تتفجر من جديد الأزمة في جنوب السودان، وتغرق البلاد في حرب أهلية، استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والسواطير بالعاصمة جوبا، مخلفةً مئات القتلى وآلاف النازحين المدنيين الذين يفرون من مناطق الاقتتال الداخلي، وسط دعوات دولية وأممية للأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار فورًا.

خلفية عن أسباب الصراع

خاضت جنوب السودان حروبًا طاحنة مع شماله على مدى عقود، لتظهر «جمهورية جنوب السودان» بعد انفصالها، سنة 2011، بدافع تحسين الأوضاع المعيشية لأبناء الجنوب، كما كان يقول قادة الحركة الشعبية؛ وإنهاء احتكار الموارد الذي كانت تمارسه الحكومة المركزية في الخرطوم.

بيد أنه ما لبثت المنطقة عامين، حتى اندلعت حرب أهلية جديدة بين رفقاء الأمس في السلاح، من أبناء جنوب السودان أنفسهم، وذلك منذ أن أعلن رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، المنتمي لقبيلة الدينكا، سنة 2013؛ عزل نائبه رياك مشار، المنتمي لقبيلة النوبر من منصبه، إذ اتهمه بمحاولة الانقلاب عليه، في حين اتهم رياك مشار الرئيس سلفاكير بالسعي إلى إقصاء خصومه السياسيين، ليبدأ الطرفان حينها في حشد أنصارهم، ثم دخل المعسكران في حرب طاحنة، انخرطت فيها القبيلة في الصراع السياسي.

استمرت الحرب الأهلية بين قيادات جنوب السودان طوال عامين، قبل أن تخف تحت ضغط النداءات الدولية وقرارات الأمم المتحدة في 17 أغسطس (آب) 2015، على أثر اتفاق سلام في أديس أبابا، ينص على وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة بين الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار.

وتم تفعيل الاتفاق في 26 أبريل (نيسان) 2016، حيث عاد رياك مشار إلى منصبه نائبًا للرئيس، لكن سرعان ما تبخرت آمال تحقيق السلام، وتفجرت الأزمة من جديد، بعد أن اختلف جنديان من الفصيلين المتنازعين في نقطة تفتيش، فحدث إطلاق نار، وقتل فيه خمسة جنود يوم الخميس من الأسبوع المنصرم، ليتحول الحادث الفردي بعده بيوم إلى اشتباك مسلح موسع بين المعسكرين في جوبا، انتقل إلى الولايات الأخرى، واستخدم فيه المدفعية الثقيلة والدبابات وطائرات الهيليكوبتر.

أزمة إنسانية متصاعدة

خلَّفَ الاقتتال الأهلي بين معسكري الزعيمين المتصادمين حتى الآن حوالي 272 قتيلًا في ظرف أربعة أيام، بينهم 33 شخصًا مدنيًّا، وشُرد ما لا يقل عن 36 ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء بسبب القتال، حسب الأمم المتحدة.

وقالت سيسيل بويلي، المتحدثة باسم المفوضية في جنيف، «إن المدنيين النازحين من جراء الاشتباكات المسلحة، يلجؤون إلى مقرات الأمم المتحدة طلبًا للحماية»، مشيرة إلى أن مقرات البعثات الأممية ومواقع حماية المدنيين في جوبا عالقة بين خطوط القتال، واستُهدفت في بعض الأحيان بشكل مباشر.

وكان قد قُتل جنديان صينيان يعملان في قوات حفظ السلام بجنوب السودان، وجُرح آخرون من زملائهم، بفعل أعمال العنف المندلعة.

في السياق ذاته، ذكرت الأمم المتحدة في بيان لها أن العاملين الإنسانيين يجدون صعوبة بالغة في الوصول إلى المدنيين المحتاجين للحماية، والعالقين بين مساحات القتال، مشيرة إلى أن «الوضع الإنساني في جنوب السودان خطير وأن الاحتياجات هائلة»، ومما زاد تفاقم الوضع الإنساني، تزامُن الاضطراب الأمني مع الأمطار الغزيرة والرياح الهوجاء.

على نفس الاتجاه، تقول أرثرين كازين، المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي، إن «ثلاثة أرباع سكان جنوب السودان يحتاجون مساعدات إنسانية»، وحذرت من أن المواجهات الأخيرة ستدفع الكثير من الأشخاص إلى الجوع واليأس.

ولاحظ موظفو الإغاثة العاملون بالمناطق المشتعلة، انتشار أعمال السطو على البيوت الخالية، والاعتداءات على النساء، من قبل جنود الميليشيات المتقاتلة.

يذكر أن أعمال العنف في جنوب السودان تسببت على مدار العقد الأخير في مقتل عشرات الآلاف، وهجرت نحو 3 ملايين شخص من بيوتهم، بينما تركت 5 ملايين آخرين يعيشون على الإعانات الإنسانية، بالإضافة إلى التدهور الحاد في الوضع الاقتصادي للبلاد. وسبق أن اتهمت المنظمات الدولية كلا الطرفين المتصارعين بارتكاب جرائم حرب في حق المدنيين.

إدانات دولية وتحركات غربية لوقف القتال

اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تجدد القتال في جنوب السودان «أمرًا شائنًا وأنه بمثابة سخرية من التزامات السلام بين الطرفين»، في البلد الوليد الذي لم يسهم استقلاله في إرساء الاستقرار.

كما وصف بان كي مون قيادات جنوب السودان بـ«الفاشلة»، معاتبًا إياهم بخذلان شعوبهم مرة تلو الأخرى، بلجوئهم إلى الأسلحة الفتاكة وسياسات الهوية. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار إلى إنهاء الأعمال العدائية فورًا، وإصدار أوامر بالانسحاب إلى قواعدهم.

الحلم الصهيوني يقترب من النيل: حقيقة النفوذ الإسرائيلي في جنوب السودان

أدانت واشنطن بدورها أعمال العنف في جنوب السودان على لسان مستشارة الأمن القومي الأمريكي، سوزان رايس، قائلة «هذا عنف أحمق وليس له مبرر، يقوم به هؤلاء الذين يقدمون من جديد مصالحهم الذاتية على مصلحة بلدهم وشعبهم»، واعتبرت الذين يعرقلون وقف القتال مسؤولين بشكل كامل.

وعلى أثر العنف المشتعل في جنوب السودان، أمرت الولايات المتحدة الأمريكية رعاياها في جوبا بالمغادرة، محذرة من أن قدرة السفارة لديها هناك على توفير خدمات طارئة للمواطنين الأمريكيين في جوبا محدودة للغاية. كما أقدمت اليابان على ترحيل موظفي الإغاثة التابعين لها، وعددهم 70 يابانيًا، على متن طائرة عسكرية، واتخذت نفس الخطوة عدد من البلدان الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا، بالرغم من دعوة بان كي مون البعثات الأممية إلى البقاء، منبهًا إياها «إن أي انسحاب قد يرسل إشارة خاطئة إلى جنوب السودان، ومختلف أنحاء العالم».

وحث الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، مجلس الأمن على فرض حظرٍ فوري على السلاح في جنوب السودان، ومتابعة قادته الذين يعرقلون الاتفاق، بالإضافة إلى تحصين بعثات الأمم المتحدة في البلد بطائرات «هيليكوبتر» لحماية المدنيين.

من جانبها، انتقدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» موقف مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة في جنوب السودان، وذكرت بأنه ينتهج «إستراتيجية خاسرة» لإرساء السلم في البلد، وأخذت عليه تعويله لفترة أطول مما ينبغي على حسن إدارة قادة جنوب السودان، واعتبرت تجدد الاشتباكات دليلًا على فشل هذه الإستراتيجية.

فيما دعا مجلس كنائس جنوب السودان إلى الهدوء، مشددًا «ندين جميع أعمال العنف دون استثناء، وانتهى وقت حمل السلاح واستعماله، وحان الآن وقت بناء وطن موحد».

إلى أين يتجه الوضع المضطرب في جنوب السودان؟

ويبدو أن المجتمع الدولي نجح أخيرًا باستعادة الهدوء في جنوب السودان يوم الثلاثاء الماضي، بعد أن مارست الدول الغربية ضغوطًا شديدة على قادة المعسكرين المتحاربين، الرئيس سيلفاكير ونائبه رياك مشار، مما أجبرهما على إصدار أوامر بوقف إطلاق النار للقوات الموالية لهما يوم الأحد الماضي.

غير أنه تبين أن الدعوات التي أطلقها سيلفاكير ونائبه رياك مشار لم تُلبِّها الميليشيات التابعة لهما بشكل فوري، وهو ما يعني أن الزعيمين لا يملكان سيطرة كاملة على قواتهم، وذلك بسبب طبيعة تركيبة الجيش الشعبي لجنوب السودان، المؤلف من ميليشيات لا تتبع إلا أوامر قادتها المحليين، الأمر الذي يجعل الهدوء الساري حاليًا هشًا بدرجة كبيرة.

ويخشى مراقبون أن يتحول الصراع السياسي، بين معسكر الرئيس سيلفاكير ونائبه رياك مشار، إلى حرب عرقية بين قبيلتي الدينكا، التي ينتمي إليها الرئيس؛ والنوبر التي ينتمي إليها نائبه، على غرار الحرب الأهلية بين الهوتو والتوتسي في رواندا خلال بداية التسعينيات من القرن الماضي، التي حصدت مليون قتيل في ظرف مائة يوم فقط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد