“لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”، المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قد يبدو هذا البند الأممي من المسلمات الراسخة في الديموقراطيات الحرة المتقدمة، لكنه شبه غائب في العالم الإسلامي، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى صراعات سياسية دينية مذهبية طاحنة، تودي بحياة آلاف المواطنين، وتخلق نوعا من التشرذم داخل المجتمعات الإسلامية الواحدة، يلعب فيها البعد الطائفي المحرك الأساسي لاستمرارها، مما يعقد كثيرا الوصول إلى حلول تنهي حالة اللاستقرار.

ولعل أفضل مثال لهذا الوضع هو الحروب الأهلية التي تفتت الشرق الأوسط حاليا، بعدما اتخذ الصراع السياسي بعدا طائفيا بين الشيعة والسنة في مناطق عديدة من العالم الإسلامي، بسبب تدخل الأجندات الخارجية التي تروج الشعارات الدينية وتذكي النعرات الطائفية لتجييش المقاتلين ضد معسكر المذهب الآخر، مستغلة في ذلك الجماعات المتطرفة في كلا المعسكرين، بغرض الوصول إلى أهداف سياسية بالأساس.

  • العراق

الانتهاكات الطائفية في العراق قديمة منذ عهد صدام حسين، حيث كانت في حكمه الأكثرية الشيعية معرضة للاضطهاد ومعهم الأكراد وباقي الأقليات، وبعد الغزو الأمريكي تقلد الشيعة كراسي السلطة ليمارسوا بدورهم اضطهادا دينيا في حق السنة، ما أشعل سنة 2006 حربا طائفية شعواء بين المليشيات الشيعية والميليشيات السنية، خلفت آلاف القتلى بينهم.

خف النزاع الطائفي بعدها، لكن لم تتوقف التفجيرات والاغتيالات المتبادلة، وجاءت سياسات المالكي الطائفية لتعمق سخط القطاعات السنية بسبب تهميشها من دواليب الحكم، الأمر الذي أوجد حاضنة للتنظيمات المسلحة ومنها الدولة الإسلامية.

خريطة مساحة داعش باللون الأحمر


حاليا أصبح المنطق الطائفي يسود البلاد إدارة وشعبا، فالمواطنون السنة يصوتون للمرشحين السنة، والمواطنون الشيعة يصوتون للمرشحين الشيعة، والمنتخبون السياسيين أيضا كل يدافع عن طائفته.

  • سوريا

بدأت الاحتجاجات في سوريا بالمظاهرات السلمية مع موجة الربيع العربي التي اجتاحت بلدانا أخرى عدة، وما فتئت أن تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة مباشرة مع قوات النظام، لتكتسي بطابع الطائفية بعد التدخلات الخارجية التي حصلت لفائدة كلا الجانبين.

خريطة تبين تمركز الطوائف بسوريا


كان من الغريب انفجار المسألة الطائفية في سوريا، إذ كان حكم الأسد رغم سلطته القمعية ذا بعد قومي علماني أكثر مما كان طائفيا، إلا أن الحرب الدموية التي تغرق سوريا حولت الأخيرة إلى حلبة عالمية للصراع الطائفي، وهكذا أصبح العلويون السوريون وشيعة لبنان وإيران في جهة النظام وبالمقابل صار السنة السوريون والمهاجرون السنيون في جبهة المعارضة، وفقدت المعركة صبغتها السياسية واكتست بصبغة طائفية.

  • لبنان

دخلت لبنان عام 1975 في حرب أهلية دموية، أودت بعشرات الآلاف من القتلى، كان البعد الطائفي فيها موغلا بين المسيحيين والمسلمين وبين الشيعة والسنة من جهة ثانية بالإضافة إلى أقليات أخرى، ولم تتوقف تلك الحرب الضروس إلا بعد اتفاق الطائف سنة .1990

لكن لم يعنِ ذلك انتهاء الطائفية في لبنان، فلا تزال الحياة السياسية بهذا البلد لحد الساعة متوقفة بسبب البلقنة الطائفية، التي تنميها الأطراف الخارجية.

  • السعودية

قامت السلطات السعودية في 2 يناير/كانون الثاني الحالي بإعدام العشرات ضموا بين صفوفهم بعض المسلحين الذين يعتقد بانتمائهم لتنظمي القاعدة إضافة إلى بعض المعارضين الشيعة أبرزهم رجل الدين الشيعي النمر، وهو ما أثار جدلا حقوقيا واسعا.

يمثل الشيعة أقلية في السعودية، وتتهم السلطات السعودية بالتمييز ضدهم، كما بدأت مساجدهم تتعرض مؤخرا لاستهداف من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وتتهم بعض الصحف الغربية المملكة العربية السعودية بأنها تستعمل قمع الشيعة كطريقة لإثبات شرعيتها السياسية.

  • إيران

تسرد التقارير الدولية في كل مرة الانتهاكات الواسعة التي يمارسها النظام الإيراني الشيعي في حق الأقليات خاصة السنة، وعلى غرار الوضع مع الشيعة في السعودية تمنع الأقليات السنية في إيران من شغل المناصب السيادية.

تتفوق إيران على دول العالم في حالات الإعدام، ولا تتردد في استعمال هذه العقوبة بحق المعارضين السياسيين من الأقلية السنية، وقد تناولت تقارير قيام السلطات الإيرانية بإعدام 27 معارضا سنيا أواخر ديسمبر الماضي.

  • اليمن

لا يخفي الصراع السياسي في اليمن البعد الطائفي الذي يغلفه، وإن كان هذا الصراع نتاجا لتدهور الدولة وهشاشة أدائها الشديدة، قبل أن يتحول الأمر إلى نزاع حول السلطة بين الحوثيين الزيديين الموالين للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح من ناحية، وبين الموالين للرئيس عبد ربه منصور هادي من ناحية أخرى.


وازداد الوضع سوءا في اليمن بعد التدخل العسكري لحلف السعودية، التي قررت دفع خطر المد الشيعي الممثل في الحوثيين عن حدودها.

  • باكستان

يمثل الشيعة في باكستان 20 بالمائة، وكثيرا ما يكونون عرضة للتفجيرات والاغتيالات من طرف الجماعات” المتطرفة” السنية مثل” طالبان باكستان” وجماعة “جند الله”، وبدورها بعض الجماعات الشيعية “المتطرفة” مثل “جيش محمد” ترد بالاغتيالات في حق رجال الدين السنة.

أمام هذا الصراع الطائفي الذي يشتعل أحيانا ويخبو أحيانا أخرى، تبقى الحكومة في باكستان شبه عاجزة في أحوال كثيرة عن السيطرة على الوضع، ما يهدد استقرار البلد بحرب طائفية شاملة.

  • مصر

بخلاف البلدان السابقة لا تعاني مصر من صراعات بين الأقلية الشيعية بها والسنة، وإنما تسجل حوادث من مرة لأخرى بين المسيحيين الأقباط والمسلمين، وبخاصة في صعيد مصر تخلف بعض قتلى.


لكن السلطات في مصر تبدو قادرة على احتواء تلك النزاعات ذات الطابع الديني حتى الساعة، إلا أن هذا لا يعني نزع فتيل العداء الديني بين المجتمع المصري، فقد تؤدي الأزمات السياسية بسهولة إلى الانزلاق في صراع ديني.

  • الجزائر

لا توجد صراعات طائفية عموما بالمغرب العربي، وحتى الصراع في ليبيا لا يحضر فيه البعد الطائفي بقدر ما يطغى عليه الطابع السياسي والقبلي، وذلك لسبب بسيط وهو أن الأقليات الدينية ليست بارزة في المنطقة كالشأن مع الشرق الأوسط.

بيد أنه في الجزائر بالتحديد، اشتعلت خلال السنتين الأخيرتين أحداث عنف حادة بمنطقة غرداية بين الأمازيغ الإباضيين وأغلبية العرب المالكيين، نتج عنها أعمال قتل وتخريب، لكن سرعان ما يتم إخمادها من قبل قوات الجيش والشرطة الجزائرية.

يرى بعض المراقبين أن الصراعات الطائفية التي تجتاح العالم الإسلامي، لا يمكنها أن تخبو إلا باتفاق بين طهران والرياض، أما آخرين فلا يرون نهاية للنزاعات الطائفية إلا بتأسيس الدولة المدنية التي ترعى مواطنيها على قدم المساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو المذهب وتكفل الحريات الدينية للجميع.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!